Live from Cairoston

أصفهان (1)

كنت في مكتبي أرد على رسائل واتصالات بعض الآباء والأمهات عندما دخلت مدرّسة ومعها طفلتان. الأولى في حالة انهيار تبكي وتشهق والثانية تضم كتابا إلى صدرها في صمت واصرار. الأولى تدّعي أن الكتاب كتابها والثانية تصر على نفس الشيء. أقسَمَت الأولى أن أباها اشترى لها الكتاب. أما الثانية فأصرّت ببساطة على أن الكتاب كتابها.ـ

أخذت منها الكتاب لأتصفحه وأنظر إن كان عليه ما يدل على صاحبه. كان الكتاب كتاب أطفال ولكن عن مجزرة “كبالونيا” التي حدثت قبل سنتين وراح ضحيتها عشرات الآلاف من الكبلونيين. حكى الكتاب في اسلوب سَلِس مناسب للفئة العمرية المستهدفة حكاية زعيم الكبلونيين “أصفهان جرندول” وكيف أنه ولد فقيرا وكان عصاميا وأنه تزوج من المحامية “سارة جرموم” وكيف أنه التحق بالجيش وترقى فيها حتى الغزو الفاجوسوسي الذين اعدموا الضباط الكبلونيين وسرّحوا جيشهم. قاد بعدها أصفهان جرندول المقاومة لتسع سنوات حتى اغتيل في كمين تواطئ فيه بعض المقربين الخائنين. وفي نهاية الكتاب رأيت صورة لأسرة أصفهان جرندول تتوسطها زوجته سارة (التي ماتت في نفس يوم اغتيال زوجها) وأبنائهم الأربعة وبنتهم الوحيدة.ـ

هنالك فهمت أصل المشكلة. أما الطفلة الباكية الشاكية فصاحبة الكتاب بالفعل وربما اشتراه أبوها كما ادعت. وأما الطفلة الثانية فكانت ابنة اصفهان جرندول وضمن مئات اللاجئيين الكبلونيين الذين وصلوا لمدينتي هذا العام. الكتاب كتابها بالفعل إذ يحكي مأساتها وفيها صورتها.ـ

تركتهما في مكتبي مع المدرسة وعدت بعد ربع ساعة. حكمت لصالح الطفلة الأولى برد الكتاب إليها ولكن بعد أن أعطيت للطفلة الكبالونية نسخة أخرى من الكتاب اشتريته من حر مالي. ـ

Advertisements

دخل عليّ الشيخ المُعَمّم مُضطربا. أقلقني منظره حيث لم يمر على وصوله إلا يومان. كان من الدعاة الذين يُبعثون للأقليات المسلمة المهاجرة ليقضي معهم شهر رمضان. جلس أمام مكتبي منكس الرأس غضبان أسفا وحكى أن شابا مشاغبا من أبناء البلد البيض أشار إلى عمامته وسبّه قائلا “كافر!”. ضرب كفا في كف متعجبا؛ كيف عرف ذلك العلج تلك الكلمة وكيف يَسُب بها داعيا إلى الله!ـ

شرحت له أن “كافر” سَبّة شنيعة في هذه البلاد لدرجة أن القانون يعاقب عليها بالحبس والغرامة وعرضت عليه أن نبلّغ السلطات، إلا أنه آثر العفو بشرط أن أفسر له معرفة هؤلاء الكَفَرَة بهذه الكلمة واستخدامهم لها ضد المسلمين. فحكيت له أن المسلمين من أهل زنزبار في شرق أفريقيا كانوا يطلقون على الأفارقة الوثنيين من أبناء جنوب القارة “كافر” وكانوا يسمون بلادهم بلاد كافر ووديانهم وادي كافر وساحل كافر وجبل كافر وهَلُم جر. فلما انطلق المستعمرون الأسبان والبرتغال – بعد سقوط الأندلس وإقامة مملكة فرديناند وإزابِلّة – وأتوا إلى زنزبار، عرفوا من المسلمين تفاصيل جنوب القارة وأخذوا عنهم تلك الأسماء. فلمّا استعمروا “بلاد كافر” اضطهدوا أبناءها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وصار “كافر” عنوان كل نقيصة وسبّة تعبر عن الهمجية والدنو والذل. فلمّا اتسع ملك المستعمر، أتى بالعمالة الرخيصة (أي العبيد) من زنزبار وكانوا مسلمين. وعاش المسلمون مع الأفارقة أبناء “كافر” فنالوا أذى الاسم كذلك. ومع زيادة أعداد المسلمين وانخفاض أعداد الأفارقة العرايا ذوي الرماح، صار “كافر” اسم عَلَم على المسلم دون غيره. فلما رآك ذلك الشقي بعمامتك كان منه ما كان رغم أن القانون يجرّم تلك الكلمة الشنيعة التي تقشعر منها أبدان أبناء البلد لعلمهم بخلفيتها المظلمة قبل خروجهم من ظلمات التعصب لنور المواطنة والمساواة.ـ

حَوقَل الشيخ واستغفر وبدأ ينعي حال الأمة إذ انقلبت الموازين وصار الكافر يسب المسلم بلفظة “كافر”. فهوّنت عليه باحتمال أن يكون الشاب المشاغب من ذرية أحد المسلمين الأسبان الذين فَرّوا بدينهم من محاكم التفتيش بالانضمام لرحلات الاستكشاف – وما أكثرهم – تاركين الأندلس ومهاجرين إلى المجهول. “فربما كان المشاكس الذي كفّرك في الأصل مسلم، وتكفير المسلم لأخيه مما اعتدنا عليه”.ـ

لم يفهم الشيخ النُكتة، كما لم يفهم العبرة من القصة. فسألته: هل أتاك شتيمة “يا فَكير”؟ قال لا، قلت له هذه سبّة أشنع من اختها ولها قصة أعجب. قال احك لي بالله عليك كي أكون على بَصيرة. قلت له بعد ما نفطر، فمثل هذه الحكايات لا تصلح مع الصيام.ـ

كان الدور على عائلة هندية لطبخ طعام الإفطار، فبعد وليمة من الكاري والبرياني والطعام الحار جلست مع شيخنا الضيف في مكتبي نشرب الشاي المنعنع استعدادا للتراويح. ذكّرني بوعدي له أن أخبره بمعنى “فكير” فوضّحت له أنها شتيمة أصلها “فقير” إلا أن أهل هذه البلاد يحوّلون القاف إلى كاف. فتعجب كيف تكون كلمة فقير شتيمة أشنع من كافر. فأجبت أن الأمر معقد ويتطلب حكاية قصة حدثت في معسكرات الإبادة الجماعية.ـ

حكى لي يهودي أن بعد وصول جده إلى احدى معسكرات النازيين المخصصة للإبادة الجماعية، تسلل إلى عنبره يهودي آخر ليبصّره ببعض الأمور وليعرفه سر البقاء وتفادي غرف الغاز. قال في إيجاز “إياك أن تنقلب مسلماً! إذا شعر الألمان أنك صرت مسلماً سيلقون بك في النار”. حار الشيخ، فلم يكن قد سمع من قبل أن الدخول في الإسلام كان سببا في قتل اليهود؛ فالمعروف أن الهولوكوست كانت لإبادة اليهود بوصفهم يهودا. فشرحت له معنى “مسلماً” عندهم. الصورة النمطية للمسلم هو ذلك الفرد الذي فقد الأمل في الحياة الدنيا وتطلع إلى الآخرة فاشتاق إلى الموت ورضي به. إذا شعر الألمان أن يهوديا فقد الأمل في الحياة ورضي بالموت ارسلوه إلى أفران الغاز فوراً أو أحرقوه لأنه عندئذ يصبح عالة ولايمكن الاستفادة منه. فكان اليهود عند اللقاء والتواصي بالصبر والتواصي بالأمل يحذرون من تقليد المسلمين في عزوفهم عن الحياة، ويشجّعون بعضا على التمسك بالحياة والاعتصام بحبل الأمل في حياة مديدة سعيدة. تمتم الشيخ بالآية التي تتحدث عن اليهود في سورة البقرة (أظنها): يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر (أو ما معناه)، فعرفت أنه لم يفهم نفسية اليهود كما لم يفهم اليهود نفسية المسلم. فتابعت أنه منذ ذلك الحين انتشر لفظة “مسلم” للتعبير عن العطالة والبطالة واليأس من الحياة مع وجود أمل في حياة أفضل بعد الموت. ثم تطور الأمر وصار قمة “المَسلَمة” تقليد مسكنة الزُهّاد الذين يسمون بالفقراء في بلاد الهند. فالفقير هو الزاهد في الحياة المتقشف. وصارت كلمة فقير شتيمة بمعنى مَلطَشة أو ذليل أو انسان بلا عزيمة أو اصرار أو أمل. كان نيتشة – الفيلسوف الألماني – يصنّف اليأس درجات؛ من أعلاها درجة “الجندي اليائس” الذي يرتمي على الجليد وقد فقد الأمل في النصر أو النجاة وكفر بما كان يحارب من أجله فيستسلم لبرد الشتاء وبرود الموت. أما أعلى درجات اليأس على الاطلاق فدرجة “الفقير”؛ ذلك الزاهد الذي طلّق الحياة بالثلاثة فيبيت وسط القبور عازفا عن الدنيا. ـ

استنكر الشيخ استخدام الألفاظ في غير موضعها، فاستفززته بسؤالي إن كان يعرف أن لقب “حاج” هي من أفظع أنواع الإهانة هنا. رفع حاجبيه مصدوما وسأل عن السبب فقلت له أن صاحبنا مارك أقدر مني على شرح ذلك، ولكن بعد صلاة التراويح.ـ

استأذن مارك بالدخول فأذنت له وجلس على الكنبة بجواري وأمامنا الشيخ الضيف. كان مارك شغوفا بمقابلة ذلك الشيخ الأزهري فكانت مناسبة جيدة لذلك. وبعد المقدمات والدعوات بالصحة والبركة نظر لي الشيخ نظرة فهمت معناها، فطلبت من مارك أن يشرح لنا سبب اعتبار لفظة “حاج” إهانة فظيعة في هذه البلاد. بدى الحرج على وجهه فطمأنته وقلت مازحا أنني قررت تثقيف شيخنا وأن أهم عناصر أية ثقافة قاموسها الإباحي.ـ

تشجّع مارك وحكى كيف أنه خدم في الجيش وكان ضمن القوة المرسلة إلى أفغانستان وبعد أن أبلى بلاء حسنا أُرسل إلى العراق حيث أصيب وعاد وأسلم ويعيش الآن على المعاش المخصص للمحاربين القدامى. حمد الشيخ الله على أن هدى أخانا للإسلام وذكر شيئا عن خالد ابن الوليد وكيف كان يحارب المسلمين قبل أن يسلم ويصبح سيف الله المسلول وأشياء من ذلك القَبيل قبل أن يتابع مارك كلامه. كان أول شيء يتعلمه الجندي المستجد هو ألا يثق في أي “حاج” حيث إنه يسلّم عليك بيد ويطلق عليك النار باليد الأخرى. كان “حاج” اسم عام يشير إلى الأفغان ومن بعدهم العراقيين. ومع الوقت صارت الكلمة شتيمة معناها راعي غنم أو إبل غدّار يظهر المسكنة حتى يتمكن منك فيقتلك ويغتصب زوجتك، أو كما قال. وأنتقلت الشتيمة مع الجنود العائدين إلى بلدانهم وصارت تطلق بغض النظر عن جنسية المشتوم أو ملّته.ـ

التقطت طرف الكلام وسألت إن كانا يريدان سماع حكاية الأندلسي الأخير. قالا نعم فحكيت أن شابا أندلسيا فقيها عاد من الحَج قبيل سقوط غرناطة فهرب منها فرارا بدينه وانضم لاحدى رحلات الاستكشاف تحت اسما مستعارا. وبعد سنوات من الترحال والمعارك البحار استوطن بلاد “كافر” واتخذ جارية زنزبارية أنجب منها.ـ

أذّن المؤذن لصلاة الفجر، ومع قوله “الصلاة خير من النوم” قمنا مع وعد بمتابعة القصة بعد بالإفطار.ـ

سمعت جلبة خارج المكتب فإذا بشابَّين اعرفهما يتجادلان. الاثنان من الشباب النشيط وممن يلقون دروسا خفيفة في المساء. كان الأول يريد الإعلان عن درس بعنوان “بيرة مع المسيح” وأما الثاني فكان معترضا على العنوان فضلا عن الموضوع.ـ

دافع الأول عن درسه بأن الناس في حبهم لله أشكال وألوان وقد نستغرب طريقة تعبير البعض عن هذا الحب ولكن لو فهمنا خلفيتهم لعذرناهم، وما أحوجنا لاتساع مساحة التفاهم بين الناس. ومن الناس من يرى أن حبه للمسيح دليل على حبه لله، والبيرة عندهم ليست محرمة وإنما مشروب يحتسيه الأصحاب والخِلّان. والدرس شرح لكلمات أغنية رائجة اليوم يتمنى فيه المطرب أن يحتسي كوبا من البيرة مع المسيح كي يفضفض له ويتعلم منه كيف يصير انسانا أفضل. فكأنه يقول في لُغتنا “نفسي أعزم النبي على فنجان قهوة وادردش معاه”. فلابد من فهم ثقافة مجتمع لتقدير واحترام طريقة تدينهم. أما الثاني فاعتبر أنالموضوع شطحة غير محسوبة وإن كانت جديرة بالاعتبار ولكن بين الخاصة وليس بين العامة، فلا داعي للبلبلة وتشتيت إيمان الناس، كفانا ما في زماننا من فتن.ـ

قلت لهما انكم تذكرونني بقصة ذي القرنين والمأجوجية. قالا وما قصتهما؟ قلت إن ذا القرنين سَبى أميرة بني مأجوج عندما بنى السد، وكانت – بخلاف قومها – آية في الجمال، فوقع ذو القرنين في حبها كما وقعت في حبه. ولكن يأجوج ومأجوج كانوا خِلف خلاف مع بقية البشر لدرجة أن كل كلمة في لغتنا تعني العكس في لغتهم. ففي أول ليلة لهما، تغزّل ذو القرنين في جمال الأميرة قائلا “ما أجملك!”، ففهمت المأجوجية أنه يقول “ما أقبحك!”. ورغم عزة نفسها وصدمتها إلا أن حبها لذي القرنين جعلها تعفو وتصفح فردّت “قل ما تشاء فما أحببت رجلا قدر حبي لك”. ولكن ذو القرنين فهم “اخرس، فما كرهت امرأة قدر كرهي لك”. فأخذته الحميّة وانتفضت اعصابه واحمر وجهه، إلا أنه كبح جماح غضبه وغلّب الحب وقال “رغم كُرهك لي لأحيينّك حياة نعيم ورخاء!”. ففهمت الأميرة أنه يقول “رغم حبك لي لأميتنّك ميتة عذاب وشقاء!”. هنالك يَئِست من حبه ووصاله فنظرت في عينيه متوعدة “تالله لأقطعن ذكرك وأبتر نسلك!”، ففهم ذو القرنين أنها تعده قائلة “لأرفعنّ لك ذكرك وأوصلنّ نسلك!”، فتعانقا وقضيا ليلة حَمَلَت على إثرها الأميرة المأجوجية وأنجبت له ذكورا وإناثا صاروا فرسانا وملكات وكان من نسلهم بعد ذلك جنكيز خان والظاهر بيبرس وشجرة الدر.ـ

ورنّ الهاتف فاعتذرت للشابَّين ورفعت السمّاعة، فإذا بأخينا مارك يخبرني أن الشيخ الأزهري في المستشفى. فقمت إليه مسرعاًّ!ـ

عندما مات السرطان وفاضت روحه إلى السماء السابعة وقف ليحاسب وكان أول سؤال وجّه إليه إن كان سرطانا أو عقربا. تحيّر العقربان وحكى للسائل ما حدث له قبل موته وأقسم أنه هو نفسه لا يدري الإجابة وإن كان يظن أنه عقرب. قيل له “بسيطة، ما عدد أرجلك؟ إن كانت ستة فأنت سرطان وإن كانت ثمانية فعقرب”. فعدّ فإذا هي ستة أرجل بالتمام والكمال، فارتبك، ثم دافع عن عقربيته بأن أطرافه تساقطت منه قبل موته فربما نسي رجلين في الدنيا، فقيل له أن الملائكة قد تأكدوا من اكتمال أجزائه ومضوا على إيصال الاستلام بذلك فلا مجال لاتهامهم بالإهمال. فعدّ العقربان أطرافه مرة أخرى وأضاف إلى الستة أرجل مجدافين خلفيين للسباحة فصارت ثمانية أرجل، وفرح لذلك جدا، إذ أثبت بالبرهان القاطع أنه عقرب وليس سرطان. فقيل له أن المجدافين الخلفيين لا يعدان أرجلا ولا يحسبان. فانتصب العقربان ووقف عليهما دون غيرهما ودار حول نفسه وسار وسط الجَمع ليثبت أنهما يقومان بكل ما تقوم به الأرجل فوجب ادراجهما ضمنها وتدوين أن لديه ثمانية أرجل كالعقارب. فهمس ملاك في أذنه سائلا – وكان قلقا عليه – “يا أخي ألم يكن هدفك الوصول لجنة عدن؟ إن السرطانات فقط هي التي تدخل الجنة، أما العقارب فملعونين ويحبسون في الرمضاء وسط قيظ الصحراء، فانظر ما تقول ولا تلق بنفسك إلى التهلكة!” فتردد العقربان. صحيح أنه في الأصل كان يريد الوصول إلى جنة عدن ولأن الوصول كان يتطلب عبور الصحراء صار عقربا… أو ربما كان عقربا في الأساس والجنة هلاوس… ولكن المهم الآن أن هناك جنة لا يدخلها إلا السرطان. ولكنه صار يكره السرطان وامتلأ جوفه سمّا بسبب ذلك الكره، فكيف يرضى بالسرطان بعد ذلك كله؟ وفي لحظة صدق مع الذات رد على الملاك الناصح وأعلن لكن من حضر وسمع “لو أن جحيم الصحراء مصيري كعقرب فاللهم إني من العقارب! ولو أن الجنة لا يدخلها إلا السرطانات فوالله لا أكون ما لا ترضاه نفسي!”.ـ

ساد الصمت في السماء السابعة لهذا الاصرار والاستكبار. ثم دوى الصوت الأكبر وكسر الصمت وقال “ألقوه في الجنة، فوعزتي إنه لسرطان ولو كذب وأنكر!” فأُخذ غصباً عنه إلى جنة عدن وظلوا ينعّمونه ويغرونه بنعيمها أملا أن يرضى بما أوتي من جزاء. فكان العقرب الوحيد وسط السرطان.ـ

ساد الصمت في الغرفة. وكنت قد وعدتهم أن يضحكوا ملء عيونهم، ثم نظر أخونا مارك والراهبة إلى الشيخ الأزهري الذي تاه وسط أفكاره. ثم اتسعت عيناه كطفل يرى الكابتن ماجد يسير في الطريق العام فسألته ماذا ترى؟!ـ

“ماذا أقول؟؟ … كيف أصف؟؟! … لا أجد الكلمات … ولكن سأحكي لكم..”

لسرطان (10)
تابعت قصة العقرب للشيخ الأزهري لأذكّره بفضل العزيمة والإصرار والأمل، فحكيت أن العقرب بعد أن تعافى خرج من جحره ليصطاد حشرة يتقوى بها، فرأته العقارب الأخرى فضحكوا لرؤيته. تعجب العقرب وسألهم عما يضحكهم فردوا بكيف لا يضحكون من منظر سرطان البحر وهو يمشي في الصحراء كأنه عقرب. فاحتار العقرب “هل أنا عقرب أم سرطان؟ هل انتقلت فعلا من البحر إلى اليابسة وتركت قومي، أم كنت عقربا محموما يتخيل أشياء؟” قال لهم إنه ليس سرطانا بل عقرب صميم في جوفه سم وحَميم لمن أراد العذاب العظيم. انكمشت العقارب الضاحكة لجدية السرطان المتعقرب وتركوه. ولكنهم عادوا ومعهم أهلهم وعشيرتهم من العقارب وواجهوه مُصرّين على أنه سرطان غير مرحب به في أرض العقارب. ولم تنفع أيمانه المغلظة بأصله العقربي، مثله مثلهم، ولم تصمد تهديداته أمام أعدادهم. فبدأوا يدفعونه نحو البحر والعُقيربات الصغيرة تشير إلى مخالبه وتضحك كيف أنها مثل عضاعض السرطانات وليست كمقارض العقارب، ثم ينظرون لمقارضهم ويقارنون أحجامها بينهم، أما العقارب الكبيرة فكانوا يلقونه بالطوب ويبثون في وجهه السموم الفتّاكة. والعقرب-السرطان يتقهقر للوراء ثم يتذكر حلمه بالوصول لجنّة عدَن التي وارء الصحراء، فيدافع عن نفسه ويتقدم للأمام، فيردون عليه بالشتائم وقولهم “السرطان اللعين اللي ما يتسمّى” ويكبّون عليه من السموم ما أحرقت قشرته، حتى تساقطت أطرافه وهو مصر على الوصول لجنة عدن، والعقارب مغطاضة من تشبثه بأرضهم ويتعجبون من استعداده للموت في سبيل البقاء. لم يفهموا تلك المفارقة وكيف أنه في سبيل البقاء في أرض العقارب سيموت دون أن ينال شيئا. والسرطان يلملم أطرافه الساقطة يحاول الهروب للأمام نحو جنة عدن، ولكن رغم عزيمته فإنه لم يجاوز عقارب زمانه وسقط ميتا.ـ
ثم انتبهت فإذا بالشيخ الأزهري وأخينا مارك والراهبة يبكون لمصير السرطان الذي ما أراد إلا أن يصل جنة عدن وترك من أجل ذلك قومه وبيئته وواجه العقارب تحت نار الشمس فمات شهيد أمنيته. فأردت أن أهوّن عليهم فقلت “أنكم الآن تبكون ولكن لو علمتم ما حدث للسرطان بعد أن مات لتبدلت دموعكم هذه بدموع ضحك وسعادة”. قالوا وما حدث؟ قلت سأحكي لكم! ـ

كنت في غرفة الشيخ الأزهري ومعي أخونا مارك والراهبة وقد عرفنا أصابة الشيخ بورم مخيف في المخ لا يصلح معه علاج. وبدا الشيخ كأن الحجب قد كشفت عنه ولم يجد من الكلمات ما يعبر بها عما يرى ولكنه حاول وسدد وقارب فما كدنا نصدق ما نسمع، ولولا أن المقام كان مقام جد لقلنا أن الشيخ يضحك على عقولنا.ـ

وبعد وصلة طويلة من الوصف المبهر تبدّل صوت الشيخ وعاد إلى نبرته المعتادة وفرك عينيه يسأل عما حدث ويقول أنه كان غائبا عن الوعي وقد عاد لتوّه. فقلنا له أنه لم يغب عن الوعي وإنما كان يحكي لنا عن النواة والمدارات وقدس الأقداس وشُحنات النور والحَلزونة وأشياء في منتهى العجب. فأنكر ذلك وقال إنه كان في نوم عميق ورأى رؤية غريبة، فطلبنا منه أن يحكي ما رأى فقال أنه وجد نفسه في السماء السابعة ويُسأل “اختر الجواب الصحيح، هل أنت سرطان أم عقرب؟!” فرد في رجاء أنه والله سرطان. فاستنكر السائل وواجهه مستجوبا “إذافبما تفسر الثمانية أرجل هذه؟ من أين لك بالزيادة؟” فدافع عن نفسه أنها مجاديف سباحة وليست أرجلا وأنه والله ما استخدمهما إلا لما خُلقا له ولم يمشي عليهما في حياته قط. لم يصدّقه السائل وعاد مهاجما “علل لما يأتي، وجود السم الزعاف في جوفك، وما هذا الذَنَب المعقوف أيها … العقرب!!”. يقول الشيخ، “فتملكني الرعب لما انتبهت للسم الذي ملأني والذيل الطويل الجاهز للدغ، فانهرت واعترفت أنني كرهت قومي وهاجرتهم وذلك لبطالتهم ودنوهم وانشغالهم بسفاسف الأمور ورضاهم بقاع البحار. فوجّه السائل اتهامه مجددا أنني عقرب كافر بالسرطان. فبكيت وهويت إلى ركبي تائبا وظللت أردد رضيت بالسرطان رضيت
بالسرطان رضيت بالسرطان، رضينا بالسرطان قوما وبالبحر قاعا وبقشور الأجداد عضاعض ودروعا. فمُحي ذنبي وسقط عني، وأشرقت السماء بنجوم برج السرطان الأصلية وملئ الجو بألف ألف سلطعون كلهم يغنون نشيد القرنقعوه، ونظرت فإذا بجوفي يمتلئ عسلا شافيا يهوي إليه قلوب الذباب المجذوب، فوجدتني كعبة تدور حولي النجوم والملائكة والذباب الصوفي ثم أفقت من غيبوبتي.”ـ

نظرنا لبعض وانفجرنا بالضحك نعيد مقاطع مما حكى الشيخ … ثم رأيت أخانا مارك وقد سكت فالتفت إلى الراهبة فإذا هي كذلك سكتت وهما ينظران للشيخ. فالتفت إليه فإذا به وقد مات. مات راضيا مرضيا عنه إلى جنة عدن بإذن الله.ـ

في يوم جفّ بئر زمزم وغزا الكوابيس البنات والصبيان. صار ضيوف الرحمن والملائكة عطاشى وخاف الأطفال من الأحلام. عجز العارفون عن معرفة الأسباب وحار الأطباء وما استطاع أحد الربط بين الأحداث. ولولا حساسية موقفي لكشفت عن هويتي وما دار خلف الكواليس، ولكني سأكتفي – مضطرا – بالقول إني صاحب قدرات نادرة تجعلني ملجأ الملوك والأمراء. كُلِّفت بالبحث عن سبب جفاف زمزم وقبلت المهمة لأنني أردت معرفة لماذا اختفى الأحلام من نوم الأطفال. فإن كان تدفق زمزم رأس مال الدين والمملكة، فتدفق أحلام الصغار روح الدنيا ومُقَلِّب الأيام. وكنت محقا في حدسي؛ أن بئر زمزم ما جفّ إلا بعد أن جفت منابع الأحلام والرؤى فلم تعد تروي تلك النفوس البريئة. فأنقذت أحلامهم والدين والمملكة. وهذه قصتي. ـ

حدثني صديقي قائلا:
“كنت أرى أبي وهو يرعى أمه، وقد وهن عظمها ولزمت الفراش بعد جلطة أصابتها. كان يطعمها ويسقيها ويطبب تقرحات جسدها ويقوم بكل ما كانت تحتاج إليها. ولكن رغم تفانيه في خدمتها، كنت أستغرب خلوه من أي مشاعر حارة تجاهها وأي حميمية في التعامل معها. أيْنَعَم كان يدردش معها ويضاحكها أحيانا ولكن كان للآلة أقرب منه إلي الإبن المحب لأمه. كنت أسأله في نفسي، لماذا يا أبي هذا البرود والجفاف تجاه أمك؟
ثم ماتت جدتي. وفي يوم كنت أقلّب في أوراقها الشخصية فوجدت شهادة زواجها من جدي، وفوجئت أن تاريخ زواجهما كان بعد ميلاد أبي بعشر سنوات كاملة. ذهبت لأبي لأستفسر عن السبب فوجدته شاردا. قال لي إنها لم تكن أمه وإنما زوجة أبيه؛ تزوجها بعد وفاة الأولى. وكانت زوجة أبيه هذه تؤذيه في صغره؛ كانت تدهسه تحت أقدامها وتكيل له اللكمات والركلات وتريه من القرص واللعن ما ترك فيه آثارا بدنية ونفسية إلى اليوم.”
يقول لي صديقي هذا أنه من يومها وهو يبحث عن شهادة زواج أبيه من أمه لشك نمى في صدره، ولا يزال يبحث.