Live from Cairoston

احضرت زوجة الحاج عشاءه وجلست معه وأنصتت إليه وهو يشتكي لها حيرته وعدم ارتياحه لهؤلاء الغرباء. “صالم يقول بأنهم أتوا من الروضة البعيدة، وأنهم يريدون أن يحوّلوا أرضنا هذه إلى روضة مثلها”
“ولما لا يا حاج؟ أيكره أحد الزرع والخضرة؟”
اعترض الحاج: “إننا لم نطلب منهم مساعدة، وإنما يفرضون أنفسهم علينا فرضا!”
فردت زوجته وهي تنظر إلى أعلى وتشير بسبابتيها: “رزق ساقه الله إلينا، أيرفض المرء المطر إذا ما نزل دون طلبه؟”
نظر إليها دون أن يتكلم، فنظرت إليه حانية وسألته “مما تخاف يا حاج؟”
فانفجر الحاج: “… الناس تغيرت من يوم ما أتى أولئك الغرباء!” ثم تمالك نفسه وتابع بصوت يبدو فيه الوهن… “أخشى عليهم من…”
“من ماذا؟”
صرف وجهه وقال “لا أدري…”
ربتت على ظهره وقالت ناصحة: “قم فصل ركعتين وأسأل الله أن يهديك لما فيه الخير والصلاح”. نظر إليها موافقا ونفض يديه من الطعام، وقام وانتصب وقبل أن يكبر التفت إليها وقال، “وغدا صيام!”
مر يومان قرر الحاج بعدهما أن يسافر إلى تلك الروضة ليراها على حقيقتها، فإن كانت ترضي النفس فلما لا نحوّل أرضنا لتصبح مثلها، وإن كانت غير ذلك فعليه أن يحذّر أهله من هذه الفتنة التي حلّت بهم، وخرج الحاج عوض من بعد صلاة الفجر ومشى غربا في اتجاه الروضة البعيدة، ووصل إلى أسوارها بعد يومين وليلة.
تسلل الحاج عوض إلى داخل الروضة ليعاين بنفسه تلك الجنة التي أعدت للمُرَوَّضين، فشعر بانقباض في قلبه من أول لحظة، دخل السوق فأصيب بالدوران، فروائح العطور والتوابل تتداخل مما يشعر بالغثيان، والناس في السوق كالأموات، لا تسمع لهم همسا، كأنهم يمشون بين القبور، المرء يقف أمام البائع، يأخذ ما يريده ويدفع الثمن ويمضي في طريقه دون فصال ولا جدال. تقهقر ودار وخرج من حيث أتى وتلفت حوله ودخل الطريق العمومي، فرأى نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رؤوسهن كروؤس الشيطان، وشباب يمشون رويدا كالنسوان، ورجال يتحركون ببطئ من فرط البدانة، يلبسون ثياب وردي كالمُجَّان، ضحكات وأغان وطرب في الطرقات،… “بئس ما وعدتمونا! أردتم أن نعيش أمواتا وأن نعذب في قبورنا!” وبعد أن كان قد نوى قضاء يوم كامل في الروضة ليدرسها عن كثب، رأى أن ما رأه فيه الكفاية، فالقصيدة أولها كفر، فلا يتوقع أن سائرها تسبيح، وبحث عن البوابة التي دخل منها، وانطلق جريا كأنه يختنق، وأول ما خرج من الروضة وقف وأخذ نفسا عميقا من هواء الأرض ثم خر ساجدا أن خرج سالما، ثم استغفر ربه وأناب

***

عاد الحاج عوض إلى أرضه وقد أدمى قدميه طول المسير، تردد وهو يقترب من الخيام، فشعر وكأنه قد أخطأ المكان… “لا لا، المكان هو، ولكن ليس هذا هو المكان.. ما هذه الصور المعلقة في الخيام؟ أعدنا إلى الجاهلية، أم أن هذه نهاية الأيام؟ وما كل هذه الزروع الخضراء التي زرعت في أوان؟ أنسيتم أننا في صحراء وأننا بدو؟ أم استعجلتم الجنة قبل الأوان؟”
ومر بجوار المرْوَضة وهمّ أن يدخلها. كان الحاج قد وافق على أن يعلم المروضون الحميضيين لأن العلم نور كما يقولون، وسمح لهم بإقامة خيمة لتعليم القراءة والكتابة، سموها “المرْوَضة”، وأقبل عليها الأطفال والشباب إقبالا، فهي ليست خالية مثل المسجد، وإنما مليئة بالألعاب المختلفة والصور المبهرة. وعندما وصل إلى مدخلها سمع كبير المروضين يصيح: “الإرادة!” والأطفال من خلفه يرددون: “الإرادة!!”
“سر الحياة”….
“سر الحياة!”

“الروضة تجري” ….
“الروضة تجري!”
“من تحتها الأنهار” ….
“من تحتها الأنهار!”

“إن الله” ….
“إن الله!”
“يحب أن يرى” ….
“يحب أن يرى!”
“أثر رِوْضَته على عبده” ….
“أثر رِوْضَته على عبده!”
ولسبب ما، تردد الحاج في الدخول، وعاد القهقري وهو يشعر وكأنه غريب، ثم التفت مرة أخرى إلى الخيام، فوجد بعض الرجال جالسين لاهين بهدايا المروضين، إلى درجة أنهم لم يلاحظوه، أو ربما لاحظوه ولكن آثروا ما هم فيه على القيام له وتحيته. “من هؤلاء الجالسون بين الخيام؟؟ هذا ابن صالم أليس كذلك؟ ماذا أجلسه هكذا؟؟ ولماذا لم يقف لي عندما رآني أمر؟ أين عمائم الرجال؟ وما هذا الشعر القصير؟ كيف يمشي عماض هكذا برأس كرأس البعير؟” ووقر في قلب الحاج أنه يجب إعادة الأمور إلى نصابها، فعزم على جمع الناس لاستشارتهم فيها يفعلون، وعاد إلى خيتمه والمرْوَضة من خلفه تردد: “الإرادة …. سر الحياة

***

وقف صالم في المسجد بين كبار الحمايضة وقال: “يا جماعة، إنما جاء هؤلاء ليخرجونا من أرضنا!”
فرد عليه عماض مستنكرا: “من قال هذا؟؟ وهل فيها شيء ليخرجونا منها؟ وهل فعلنا لهم شيئا ليخرجونا؟ إنما جاءوا ليُرَوِّضوا الأرض من أجل وَرَادَتنا!”
التفت إليه صالم في عنف وقال: “ما هذا الكلام؟ لعلك ذهبت إلى خيمتهم! أرأيتم؟؟ إنهم يسلطون أبناءنا علينا!”
فأهمل عماض خصمه والتفت إلى الحاج عوض وكان جالسا يراقب الحوار، “يا حاج عوض، إنهم كما يعلمونا القراءة والكتابة، يريدون أن يعلمونا رياضة الأرض لكي نستفيد منها. أليس من الأفضل أن تكون هذه الأرض الجرداء روضة خضراء؟”
رد عليه الحاج: “نحن بدو ولا نعيش على الفلاحة!”
فرد عماض: “يا حاج، ومن قال أننا لن نبقى بدوا؟ سنصبح بدوا في روضة. من أراد أن ينصب خيمته فلينصبها في الروضة، ومن أراد أن يرعى إبله، فليرعها في الروضة، لا تعارض يا حاج عوض.”
عاد صالم بلهجة واثقة: “يا جماعة أنا غير مطمئن لهؤلاء الغرباء، لابد أنهم سيستفيدون شيئا من كل هذا!”
فأهمل عماض خصمه مرة أخرى وقال موجها كلامه إلى الحاج: “سيستفيدون رضا الرب ورضا الضمير يا حاج.”
نظر إليه الحاج عوض وهمّ أن يقول شيئا ولكنه سكت. سكت تحت حمل العقود التي أضيفت إلى عمره منذ أن بدأ هذا الاجتماع، لقد انفلت من يده زمام الأمر… ووضع رأسه بين يديه وقال لنفسه… “لقد قلبوا علينا أهلنا، لقد وعدوهم بالرياض والأنهار… ”
فتدخل رجل آخر وقال: “الحاج عوض محق! وأنتم سذج وبلهاء! إن هؤلاء يريدون أن يغيروا طريقة عيشنا لنصبح مثلهم، ونضرب بتراث الأجداد عرض الحائط. لقد عاد ابني بالأمس من عندهم يقول لي أنهم ما جاءوا إلا لترويضنا! إنهم ينظرون إلينا كدواب تحتاج للترويض! إنهم يريدون تدجيننا وإذلالنا وتطويعنا لنكون كما يريدون هم، لا كما نريد نحن! إنهم يريدون تحويل أرضنا إلى روضة لأن رياضهم ضاقت بهم ويحتاجون إلى غيرها. سيزرعون الأرض ثم يسخرونا لنعمل فيها عبيدا لهم!”
اعترض أخو عماض الأصغر مشوحا بيده: “هذا كلام فارغ! إن الرياض لم تضق بأهلها ويعيشون حياة وَرْدية مُتَوَرِّدة، ومعدلات الوَرَادِية عندهم تفوق الخيال. المروضون ما أتوا لأنهم يحتاجون إلى أرضنا، وإنما لأنهم يعلمون أننا نحتاج إلي ما عندهم!”
اعترض صالم، “ومن قال إننا نحتاج إليهم؟؟”
فأكد عماض، منصرفا عن صالم وموجها كلامه إلى الحاج، “بل نحتاج، ولكن لا نعلم أننا نحتاج، لأننا لم نرى ما هو متاح لنعلم إذا ما كنا نريده أم لا! فلنرى ما عندهم ثم نختار!”
تعصب صالم بسبب هذا الإسلوب المستفز، فكيف يهمل عماض وجوده هكذا ويرد على كلامه دون أن ينظر في وجهه؟؟ فأمسك صالم بثوب عماض وهزه وهو يصيح: “والله لم يبق إلى أن تنطق الرويبضة في أمر العامة! والله ما أراك إلا تركت تراث أجدادك وجريت وراء أوهام الغرباء!!”
هنالك التفت عماض إلى صالم وحرر ثيابه من قبضته ونظر في وجه وقال بثقة: “وماذا لو تركت تراث الأجداد؟ أولو جاءك مُرَوِّض بأهدى مما كنت عليه، أتعرض عنه وتقول إنا وجدنا أجدادنا على أُمَّة وإنا على آثارهم مقتدون؟؟ ما هذا الجهل والتعصب؟!”
احمر صالم وصرخ: “أنا جاهل أيها السفيه؟؟!!”
وانقسم الناس إلى فريقين، فريق يرى المروضين أبالسة، جاءوا ليفسدوا عليهم دنياهم وآخرتهم، وفريق رأى فيهم ملائكة، كأن الله أرسلهم ليخرجوهم من ظلمات الجهل إلى نور الرياضة. وسرعان ما لاحظ الجمع هذا الانقسام، وانجذب كل امرء إلى حزبه، ووقف الحاج عوض ومن خلفه فرقته يقول: “لقد قررت أن نخرجهم من أرضنا قبل أن يشعلوا نيران الفتنة بيننا!” فرد زعيم الفرقة الأخرى: “بل يجب أن نبقيهم، ليحولوا هذا الجحيم إلى روضة!!” وارتفعت الأصوات، وما كان لرجل من قبل أن يرفع صوته فوق صوت الحاج، ولكن الحال تبدل، فسبحان مغير الأحوال. وعرف الحاج عوض أن هذه لحظة فاصلة وأن مستقبل الأرض ومن عليها ستتحدد في هذه اللحظات التالية، فاستجمع كل ما أوتي من عزم وإصرار ونظر نظرة في العيون، نظرة سبرت أغوار الناس، ولملمت هيبته التي تبددت في قلوبهم ثم انتزعتها ومسحت بها على وجوههم، ثم رفع قبضة نحو السماء وصاح صيحة قرعت الآذان وزلزت الأبدان، “تالله ليخرجن من بيننا!! … أو ليقلتن بأيدينا!!” وضرب بعصاه في الأرض ضربة طمست الشك من القلوب وفجرت حمية القبيلة في العروق، فخرجوا على قلب رجل واحد في ظلمة الليل، إلا قليلا منهم، تضيء المشاعل طريقهم، ليطردوا الغرباء

***

صاح الحاج عوض بصوت جهوري: “أخرجوا من أرضنا فإنكم لم تزرعوا سوى بذور الفتنة بيننا!”
خرج إليه كبير الغرباء متحفزا وقال: “يا حاج عوض قلنا لك من قبل إننا لسنا مزارعين وإنما مروضون، وسنروض هذه الأرض وكل ريِّض يقف في طريقنا! إننا لسنا هنا لنأخد شيئا، وإنما لترويض الأرض ونشر الرياضات بينكم ثم سنترككم وشأنكم بعد ذلك. لسنا محتلين، وإنما مروضون!”
فصاح الحاج مهددا: “اخرج من بيينا وإلا أحرقتك ومن معك ومن خلفك!”
رد الغريب متوعدا: “تحرق من أيها الريّض الوقح؟! ارجع إلى خيمتك والزم حدودك!”
هنالك هوى الحاج عوض بعصاه على رأس الغريب فسقط على الأرض من فوره، وأشار الحاج لمن معه بحرق الخيمة، فألقوا نيرانهم عليها فاشتعلت، وقبض على الغريب الصغير والأوسط، وظل كبيرهم يتأوى ويتألم تحت رجلي الحاج عوض. ولم يشعر الحاج عوض بنفسه إلا وهو يكيل له اللكمات والضربات وكأنه يفرغ كل ما فيه من غل وغضب تجاه ذلك الغريب الذي جعله هو الغريب وسط أهله، وظل هو ومن معه يضربونه بالعصي ويتحرون الوجه، وآخرون يتحرون الساقين أملا في تكسيرهما، وعين الغريب إلى السماء كأنه يطلب من ربه أن يرحمه ويقبض روحه، ثم اندفع شخص في وسط الضاربين وفي يده صخرة هوى بها على رأس الغريب، فكأن الناس استحسنوها، فتركوا عصيهم وتناولوا الحجارة ورجموه، والحاج عوض كالثور الهائج وكأنه يضرب ليهد الذل الذي شعر به ويرجم بالحجارة ليبني ثقته بنفسه من جديد، وسائر أهل الأرض واقفون لا يدرون ما يفعلون، فالحمية التي أخرجتهم على قلب رجل واحد تبددت مع آهات المروض. فها هو المروض الذي علمهم القراءة والكتابة صريعا، المروض الذي أغدق عليهم تلك الهدايا التي أدخلت على قلوبهم السرور، ورطبت، ولو قليلا، عيشة الأرض الجافة… “واسفاه على مروضنا!” ولكن من الذي صرعه، إنه سيدهم الحاج عوض، إنها معركة بين الكبار، ليس للصغار إلا أن يرقبوا من طرف خفي، فلا تدري نفس إلى أي الفريقين تميل.
وبعد مدة هدئ الضاربون والراجمون، وسحبت جثة المروض وألقيت في نار الخيمة، وأمر الحاج أن يصلب الغريب الأوسط والصغير فوق الرماد بعد أن تنطفئ النيران. ثم التفت إلى الناس، ليمحو أية شك في النفوس، وتلا بصوت رخيم: “إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ

***

تعجل أحمض في إصلاح نعله، فقط انقطعت للمرة الثالثة، فطريقة صناعتها غير ملائمة للسير على الرمال والحصى. تحركت أصابعه بسرعة في محاولة لإحكام حبل رفيع يربط بها الجزء الممزق، ثم شد طرف الحبل بأسنانه، ولبسها في رجله وقفز ليلحق بمحموض، فقد تناقل أهل الأرض أن جيشا يسد الأفق قد اقترب من أرضهم.
فقد وصل خبر مقتل المروضين الثلاثة إلى إدارة الروضة البعيدة، فهاجوا وماجوا وقرروا إرسال جيش للانتقام من القتلة وللمضي في خطة ترويض الأرض وتحويلها إلى روضة. ولأن المروضين الثلاثة كانوا يرسلون تقارير يومية إلى إدارة الروضة، فكان رائد الجيش يعرف من من أهل القرية في صف الحاج عوض، ومن ضده. فقبضوا في سرعة فائقة على المعارضين المخربين، وجمع الناس ووقف أحمض يسمع أحد أقربائه وهو يقرأ على الناس الحكم الصادر ضدهم وبجواره رائد الجيش: “حكمت محكمة الروضة على الحاج عوض، وعليّ وصالم ومحصن وصلاد أولاد ضرغام، وعلى عصام وصلاح ابني شلولخ”، وذكر عددا من أهل الأرض، “بالاعدام شنقا لقتلهم رعايا الروضة وحرق ممتلكاتهم، وإرهاب أهل أرض قيد الترويض”، ثم تلا خاشعا: “إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ”.
وتعالت صرخات النساء، ووقف عماض ومن معه غير مصدقين أن الأمر وصل إلى إعدام الحاج عوض والعديد من كبار الأرض، ولكن أحدا لم يحرك ساكنا، ووقف الجميع يشاهد بعض أفراد الجيش وهم يربطون الحبال حول أعناق آبائهم وأعمامهم ثم تهوى أجسادهم فجأة فتتصلب ملامح وجوههم، وصراخ النساء وزعاريدهن يختلط في الخلفية. واحتار أحمض من مشاعره، فبالأمس أثناء الخلاف الذي دار بين الرجال حول مصير المروضين، كان يميل إلى إبقاءهم بينهم ليستفيدوا من خيراتهم وخبراتهم، ثم فارت حميته عندما وقف الحاج عوض وقفته، ورأى أن الواجب طردهم، ثم ما أن رأى المروض يعذب ويرجم إلا وتحرك بداخله مشاعر العطف والأسى تجاه معلمه، ودب في نفسه امتعاض وكره تجاه القتلة، أما الآن فإنه يبكي على إعدام كبار أهل القرية، ولا يدري إلى أي الفريقين ينتمي… هل هو من شيعة الحاج، أم من شيعة المروضين؟ ولم يكن أحمض الوحيد الذي يشعر بهذه الحيرة، فجميع شباب القرية كانوا يعانون نفس التضارب في المشاعر والتشيع، حتى حدث بينهم اجماع صامت، دون أن يدروا به، بأن الأمر أكبر منهم، وأن ما عليهم إلا ترك الأقدار تسوقهم حيثما شاءت.
ثم انصرف الناس…
وتولى رائد الجيش أمور الأرض وأعلن قيام الروضة الجديدة…
وبدأ الجيش على الفور في تخطيط الأرض وحفر الآبار، وقبل أن تغرب الشمس كانت المياة تتدفق فوق سطح الأرض. وأنشئت مَرْوَضَة مكان الخيمة المحروقة، بناها الجيش بالطوب، وساعدهم أهل الروضة الجديدة في بنائها، بدأت الأرض في الأخضرار، والناس يعملون مع المروضين الجدد في ترويض أرضهم ورياضتها، وأقبلوا هم أنفسهم على الرياضات العقلية والبدنية والنفسية والروحية، فاكتشفوا أن عقولهم كانت حبيسة قيود الماضي والتراث، وأن الوجود يتعدى أفق أرضهم وأن هذه الآفاق لابد أن تستكشف، واكتشفوا أن تدينهم كان تدين سطحي ساذج، وأن الرياضة الروحية تسموا بهم وتقربهم إلى ربهم، وأنهم كانوا يؤذون أنفسهم بذلك الذخان اللعين، فتركوه وانصرفوا إلى الرياضة البدنية التي تقوي الجسد وتحافظ على صحته.
واخضرت الأرض وتوردت الحياة…
وأعلن أن المَرْوَضَة ستبدأ حلقات الرياضة، فتهيأ الأطفال والشباب لاستكمال الدروس التي بدأوها مع المروضين الثلاثة الشهداء. وكان أحمض قد غسل لوحه وكتب عليها “بسم الله الرحمن الرحيم” تبركا بها، فقد كان يرى جده يفعل ذلك من قبل. ودخل الجميع في فناء المروضة وهم في أحسن ثيابهم، وجلسوا على وسائد التي أعدت لهم، وانتظروا قدوم المروض الجديد. وما أن دخل المروض، وسلم عليهم، إلا ونظر إليهم وسأل متعجبا… “ما هذا اللوحات؟”
قال أحدهم: “هذه ألواح نكتب عليها عند المذاكرة.”
فهز رأسه وقال مُرَوِّضَا، “لا لا دعكم منها، ألم تسمعوا عن الورق؟” ووزع عليهم صفحات من الورق ذات لون وردي خفيف وقال: “هذا ما يُكتب عليه في الرياض. هاتوا هذه اللوحات…”
وألقى الألواح بعيدا، فشعر أحمض بنغصة في صدره وهو يرى الألواح تلقى، وصوت ارتطامها يصم الضمير، فتسارعت المشاعر في قلبه… “هذا تراث الأجيال، وسلو الأجداد يلقى على الارض؟… ولكن أحدا لم يعترض، بل أقبلوا على الورق الوردي… فلعل الأمر هين… هي في النهاية أخشاب، وما هي إلا وسيلة للتعلم، وقد أبدلنا المروضون بوسيلة غيرها تؤدي الغرض بكفاءة أكبر… إذن فاين المشكلة؟ لو كان أجدادنا أحياء لما ترددوا في ترك الألواح والإقبال على الورق الوردي… أحزنت لأن لوحك كان مكتوبا عليها “بسم الله الرحمن الرحيم”؟ إن المروض لم يكن يعرف أنها مكتوبة، ولو عرف لما ألقاها هكذا، فآثار التدين بادية عليه، وهو يحترم الدين ويذكر الرب كثيرا. اطرد عنك هذا الشعور! امسح عن قبلك هذه الكآبة… ابتسم كما يبتسم الآخرون، أقبل على الدرس والعلم… لا تبق أسيرا للماضي… الكل مقبل على الرياضة، فلا تخلد إلى الأرض كالأموات في قبورهم! تلك أمة قد خلت، ونحن جيل جديد، الأرض تغيرت… ستصبح روضة غدا، وعلينا أن نصبح روضيين كذلك!”
وهز رأسه وأخذ نفسا عميقا ونظر نظرة أخيرة إلى طرف لوحته التي خرجت من تحت سائر الألواح كأنها تختنق، ونظر نظرة أخيرة إلى “الرحيم”، وبلع ريقه، وعدل من مجلسه وأمسك بالقلم وكتب على الورق الوردي “بسم الله”.
ومضت الأيام…

***

لم يعد الحاج عوض وأصحابه شهداء في نظر أهل الروضة الجديدة، كانوا أرْياض، يرفضون الترويض؛ ترويض الأرض وترويض النفس والعقل. كانوا عقبة أمام التَوَرُّد الذي أراد المروضون توصيله إليهم. كانوا يريدون منع كل هذه الخيرات عنهم، ليظلوا بدوا يرعون الإبل، وليظلوا هم الزعماء. كانوا يدافعون عن التراث ليبقى الوضع على ما هو عليه، وليبقى الحاج عوض كبير أهل الأرض. مسكين الحاج عوض، ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعا. قتل نفسا بريئة بغير نفس، وعذب بالنار ولا يعذب بها إلا ربها.
مسكين الحاج عوض. ولكن لم يكن وحده، فأهل الأرض كانوا كلهم مساكين، عماهم تراثهم وماضيهم، لم يكونوا ليتخيلوا أن هذا الخير متاح لهم إذا ما رَوَّضوا أنفسهم وأرضهم. “اللهم بارك في هؤلاء الذين فكّوا عنا قيودنا! الله بارك في هؤلاء الذين رَوَّضُونا وأنشأوا لنا روضتنا!”
وعاش أهل الروضة الجديدة، لا كبدو، وإنما كروضيين، وأقبلوا على الرياضات المختلفة، ورَضُوا بروضتهم، وبرائد جيش المروضين رائدا لهم. ومضت الأيام، وكل شيء على ما يرام

رواية “الروضة المرضية” الجزء الأول من ثلاثية بعنوان الرضوة، وستنشر فصول الرواية أسبوعيا على هذه المدونة بإذن الله.
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف ولا يجوز النشر أو الاقتباس إلى بإذن كتابي منه. 2009
(c)

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: