Live from Cairoston

استقر أحمض في مكانه الجديد ولم يطق أن ينتظر يوما واحدا قبل بدء الرياضة، فلم يستطع أن ينم الليلة الأولى من فرط تفكيره في المروضة وحماسه للرياضة، وظل يتقلب في سريره ويتخيل تفوقه بين الأقران، وانبهار الرواد به وتخرجه من المروضة بعدما يشهد له الجميع بالريادة، ثم بلوغ صيته في الآفاق، إلى أن يقف يوما امام صورته المنحو…
انتبه أحمض فجأة إلى أن الشمس على وشك الشروق وأنه لم يصل الفجر بعد، فقام وتوضأ وصلى ثم خشى أن ينم فيضيع عليه أول درس، فقرر أن يخرج في الروضة ليشم نسيمها الباكر، فنزل واستمتع بزقزقة الطيور التي بدأت تعلوا مع شروق الشمس، ودخل السوق فوجد بعض المحلات قد بدأت تفتح أبوابها، فاختار أقربهم وجلس وتناول الفطور… وطبعا لم يدفع شيئا، لأن كل من جاء من أجل مروضة الرواد يأكل ويشرب وينام على حساب إدارة الروضة، فهم رواد الغد، وحملة مشاعل الريادة!
عاد أحمض إلى المروضة وجلس في المكان المخصص لحلقات الرائعقلي سليم، وسرعان ما غلبه النعاس ولم يفق منه إلا بدخول سائر الطلاب تترا. فجلس ومسح النوم عن وجه وتهيأ، ودخل الرائعقلي واتخذ موقعه وبدأ في شرح الدرس الأول… ومرت الأيام والدروس، وأحمض يتفوق في رياضته.
بل إن أحمض بلغ مبلغا من التفوق الملحوظ، مما جعلت إدارة المروضة ترشحه لممارسة رياضات عقلية في مجال إدارة الرياض، وهو مجال لا يمارس رياضته إلا رواد العقليات، فهو المجال الذي يدرس كيفية ترويض الأراضي الجديدة لتحويلها إلى رياض ثم إدارتها بعد ذلك. وهذه الرياضة لا تتم إلا في جلسات ثنائية، تضم المتريض ورائده، وانتظم أحمض في هذه الدروس المتقدمة وأهتم جدا بالأصول العقلية لها.
وفي إحدى هذه الجلسات الثنائية وبعد الدروس التمهيدية، بدأ الرائعقلي في شرح القاعدة الأم، فقرأ من الكتاب الذي أمامه: “الرُوْدِية أساس الرَوضة ۝ وهي تفتقر إلى الوَرَادِية والوَرَادَة ۝ وثمرتها الرَوَاضَة وحاميتها الرَوْضانية۝” ثم أغلق الكتاب وأخذ نفسا وبدأ يشرح “هذه القاعدة يا أهمت من أهم القواعد التي عرفتها الإنسانية، وسنقوم خلال الأشهر القادمة بشرحها وتناول بعض التطبيقات عليها. ولنبدأ اليوم بالكلمة الاولى فيها وهي “الرُوْدِية”
“الرُوْدِية هي قدرة الإنسان على التعبير عن إرادته. والرودية هي أغلى ما يملكه الإنسان وأساس أي روضة متوردة. وتقييد رودية الإنسان من أقبح الجرائم. فإن الإرادة سر الحياة”. هنالك انتبه أحمض وتذكر أن المروضين كانوا يعلمونهم هذه العبارة “الإرادة… سر الحياة!” فدبت سعادة الفهم في نفسه وغرق في الدرس بكل جوارحه. واستمر الرائعقلي في شرح أهمية إرادة الإنسان وروديته، وأطال في الشرح حتى ختم الدرس قائلا، “والرودية الحقيقية لا تتوفر إلا في ظل وَرَادَة ووَرَادِية. فالقاعدة تقول “وهي تفتقر إلى الوَرَادِية والوَرَادَة”. وسنتناول هذين المصطلحين بالشرح الوافر في الأيام القادمة.”
وبعد انتهاء الدرس، ذهب أحمد إلى الرائروحي لاستكمال دروس العود، فمن ضمن ما بدأه أحمد مع قدومه إلى الروضة هو متابعة رياضة أصابعه وأذنيه لتعلم طريقة العزف على العود. فكانت هذه السويعات القليلة التي كان يقضيها مع الرائروحي تمثل لحظات التطهير والاغتسال الروحي، فيهدئ أحمض ويسبح مرة أخرى في بحر الحنين والشوق. فمنذ أن سمعت أذناه صوت العود عرف أنه يفهمها وتفهمه، وأن بينهما حوار ومشاعر، وكان يشعر معها بحزن لذيذ جميل.
وفي اليوم التالي، بدأ الرائعقلي في شرح بعض التطبيقات على درس الرودية فقال، “تحدثنا بالأمس عن الرودية وأهميتها، وسنتناول اليوم بعض تطبيقاتها، ونبدأ بمسألة الدين والتدين… إن الذي يريد أن يدخل في دين ما له أن يفعل ذلك، والذي يريد أن يدعو أحدا إلى دينه له أن يفعل ذلك أيضا، فهذه إرادته، ولكن عليه أن يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، وليس له أن يفرض دينه على أحد أو يكره أحدا على الخروج من دين والدخول في الآخر، وذلك احتراما لإرادة غيره، فلا إكراه في الدين. فأنت تسعى إلى ما تريده حتى ترضى ولكن دون التعدي على إرادة غيرك.” وبدأ الرائعقلي يناقش أحمد في هذا التطبيق فيساله عن مواقف خيالية لإنسان يمارس دينه وسط آخرين، وما إذا كان المتدين قد تعدى على إرادة غيره أم لا، ثم عكس الآية وأعطى أمثلة أخرى وسأل إذا ما قد تم الإعتداء على رودية المتدين أم لا، وكانت رياضات عقلية شيقة تتطلب التفكير العميق، وهذا كله من أحب الأشياء إلى أحمض، ثم اختلفا في أحد الأمثلة، حول إجبار الأب لإبنه على التدين وعلاقة ذلك برودية الطفل، وطال السجال والخلاف بينهما في جو متورد يساعد على ترسيخ المفاهيم والقواعد، ثم أجمل الرائعقلي ولخص فحوى الدرس وقال، “يا بني، إن الإيمان الصحيح قائم على الرودية، فإن إيمان المقلد أو المكره لا يقبل، ولا فائدة من وراءه. إن الإيمان لا يصح إلا إذا تم بمحض إرادة الإنسان. ولذلك فإن على الروضة أن توفر للروضيين فرصة لاكتشاف ما يريدونه، عسى أن يقودهم ذلك إلى إيمان صادق، ولأن الأديان تعدد، وطرق التدين تختلف، فإن الروضة تسع لجميع الأفكار والتيارات وللإنسان أن يختار ويتبع ما يقتنع به. ثم ألا تتفق معي أن الدين الحق قادر على جذب الأتباع بالدعوة والحكمة والإقناع ودون فرض والقهر؟”
رد أحمض مؤكدا: “بكل تأكيد أيها الرائعقلي!”
وفي اليوم التالي تابع أحمض والرائعقلي تطبيقات درس الرودية، فقال الرائعقلي: “ومن تطبيقات هذه القاعدة مسألة العلاقة بين الرجل والمرأة، إن الذين يريدان أن يدخلا في علاقة عاطفية لهما أن يباشرا إرادتهما حتى يرضيا، سواء رغبا في توثيق العلاقة أم لا، سواء نوا الاستدامة أم لا، فالأصل والأهم هو توافر الإرادة ورودية الطرفين، وعلى الروضة أن توفر للجميع سبل مباشرة هذه الإرادة حتى الرضى، دون التعدي على إرادة الغير.”
ودار نقاش حول هذا التطبيق، وجادل أحمض رائده بحجة أن ذلك قد يعتبر زنا محرم، فرد الرائعقلي أن هذا ينطبق على من يدين بدين يحرم الزنا، أما من لا يدين بدين فلا ينطبق عليه هذه التحريم، والروضة لا تتنبى دينا دون الأديان، وإنما تعمل على تنظيم تحقيق إرادة الناس لضمان عدم الاعتداء على إرادة الغير. ثم جادل الرائعقلي تلميذه، “هب أن امرأة ورجلا إرادا أن يقيما علاقة عن تراض وعرف بعض أصدقاءهم بهذه العلاقة، أليس هذا ما يتطلبه أهل الأديان من قبول وإشهار؟ فما الداعي لأن يعرف جميع أهل الروضة أو أن يوثق أو ما إلى ذلك؟” وعاد الرائعقلي وذكر عدة مواقف خيالية لعلاقة بين إثنين، ثم سأل أحمض عما إذا ما كان هناك إعتداء على إرادة أحد الطرفين أم لا، ونجح أحمض في الجواب على هذه الأسئلة، بل وفكر في مثال واختبر رائده فضحك الرائد ضحكة تدل على سعادته بنباهة تلميذه، إذ أن هذا المثال لا يتوصل إليه إلا رائعقلي قديم!
وفي اليوم التالي، استمر الرائد وتلميذه في شرح التطبيقات على قاعدة “الرُوْدِيِّة” وتناولا مسألة الإدارة، وكيف أنه ليس لأحد أن يدير الروضة إلا بإرادة الروضيين، وأن السبيل إلى معرفة إرادتهم هي العملية الإنتخابية التي يختارون من خلالها مديرهم. فإن الروضيين يختارون رائدهم من بينهم بمحض إرادتهم ويوكلون إليه سياسة أمورهم بما يتناسب مع الأصول المتفق عليها؛ إعطاء أكبر مساحة لإرادة الإنسان أن تتحقق دون الاعتداء على إرادة الغير

***

وبعدما شعر الرائعقلي بأن مفهوم الرودية قد رسخ لدى أحمض بدأ في شرح بقية القاعدة الأم فقال، “ذكرنا في الدرس الأول أن الرودية الحقيقية لا تتوفر إلا في ظل الوَرَادَة والوَرَادِية، وحديثنا اليوم عن الورادية. ولكي أوضح علاقة الرودية بالورادية، دعني أعطيك مثالا. هب أنني قلت أن لك رودية اختيار أي صنف من أصناف الطعام التي أمامك ولم أوفر لك إلا صنفا واحدا وخبأت الباقي، فإن هذا استبداد خفي ورودية كاذبة، وإنما الرودية الحقيقة أن أوفر لك جميع الأصناف لتختار منها ما تريد. وتوفير البدائل لا يتم إلا في ظل الورادية والرخاء. ولكن هب أنني خيرتك بين عشرة أصناف، فاخترت احداها، ولكنني لم أوفر لك وسيلة لأخذها والإنتفاع بها، فهذه أيضا رودية كاذبة، أي أن الرودية الحقيقة لا تتم إلا في وجود الوسائل التي تمكن الإنسان من تحقيق إرادته. فلا يكفي التعبير عن الإرادة، وإنما تحتاج إلى وجود بدائل لتتأكد من أنك تريد ما تريد دون غيره، كما تحتاج إلى وسيلة لتحقيق ما تريد. وكل هذا لا يتأتى إلا في ظل الورادية.”
ثم انتقل الرائعقلي إلى المصطلح الثالث وهو الورادة وقال، “تحدثنا من قبل عن الورادية وعلاقتها بالرودية. واليوم نتحدث عن الوَرَادَة، ما هي الورادة؟ الورادة هي ثمرة الرياضة، فكما أن الرياضة البدنية تقوي الجسد وتُوَرِّد الخدود، فكذلك الرياضة العقلية والنفسية والروحية، فإنها تورد العقل والنفس والروح. والوَرَادَة شرط أساسي لصدق الرُودِية، فإن الريّض الذي يفتقر إلى الترويض فضلا عن الرياضة، إذا ما ترك ليحقق ما يريده حتى يرضى، فإنه سيضر نفسه قبل غيره، وبالتالي، فإن من أهم ما يجب على إدارة كل روضة، التأكد من أن سبل الورادة متاحة للجميع. والإنسان الذي يقبل على الرياضة لاشك أنه سيتورد، ومن المتوردين من يتفرغ للرياضة في مجال ما فيصل إلى مرحلة الريادة، وهؤلاء هم أبطال كل روضة!”
ونظر الرائعقلي إلى أحمض نظرة ففهم من خلالها أنه يرى فيه أحد رواد الغد وحامل لمشعل الريادة! فزاد إقباله على الرياضة بسبب هذا التشجيع. وخرج من عنده وذهب إلى الرائروحي لمواصلة دروس العود، وبسبب وصوله مبكرا فلم يكن الرائد قد انتهى بعد من الدرس الذي كان قبله، فنظر أحمض فرأى ظهر فتاة جالسة تضرب العود، وحلق أحمض في سموات الشجن وكأنه يذوب، وما أن التفتت الفتاة فرأى وجهها، إلا وزاد تحليقه وذوابنه وكأنه وصل إلى مرحلة الفناء في المطلق. لم يكن قد رآها من قبل، ولكن لا بأس، فكل حياته قبل هذه اللحظة عدم وهباء، واعتبر أن حياته قد بدأت للتو وقرر أن يؤرخ للوجود بدأ من لحظة رؤيته هذا الوجه!ـ

***

“عندي سؤال أيها الرائروحي المبجل… من هذه التي كانت تضرب العود قبلي؟”
“أسمها فاتنة، ألم تقابلها في المروضة من قبل؟”
“لا”
“عجيب، فهي تمارس الرياضات العقلية كذلك… يقولون أنها ستصل إلى مرحلة الريادة قريبا!”
تحرج أحمض من أن يكثر السؤال عنها خشية أن يكشف الرائروحي عن اهتمامه بها. ولكنه بدأ يسأل كل من يعرفهم بطريق غير مباشر عنها، حتى عرف مواعيد دروسها والرائعقلي المشرف عليها، وعلم أنها مهتمة بكتابات الرائعقلي المعروف طومَاص، وأنها رغم ذكائها المفرط إلا أنها لا تجيد عزف العود بسبب عدم قدرتها على تمييز الأصوات بدقة. وعرف مكان إقامتها وقرر تحويل جميع مساراته لتمر أمام بيتها، فمشوار السوق الذي كان يستغرق خمس دقائق صار الآن يستغرق عشرين، لأنه يمر من أمام بيتها، والمروضة التي هي بجوار بيته صارت بعيدة، إذ أنه قرر المرور أمام بيتها في طريقه إلى الرياضة، لعله يراها مرة أخرى. أصبح أحمض يحلم باليوم الذي يضرب لها على العود، أو يمارس معها بعض الرياضات العقلية.
ومرت الأيام، وزادت دقات القلوب.ـ

***

“سنتحدث اليوم يا أهمت عن الرَوَاضَة، وهو مصطلح مهم لأنه مذكور في القاعدة الأم، إذ تقول “وثمرتها – أي ثمرة الرودية – الرواضة”، فالرواضة هي ثمرة الرودية أي أنها مجموع الورادة والورادية في ظل الرودية. وظل يشرح الرائعقلي درس الرواضة، وأن أغلى ما تتركه الروضة للأجيال القادمة ولسائر الإنسانية هي الرواضة المتوردة، التي تمتص القديم لتفرز الجديد، وكيف أن هذا كله لا يتم دون رُودية. ومضى الوقت سريعا، وانتهى الدرس، وختمها الرائعقلي بقوله “سنكمل غدا كلامنا عن الرواضة إن شاء الله…”ـ

***

وفي اليوم التالي دخل أحمض على رائده مندفعا… “يا رائدي، رأيت اليوم عجبا! تخيل؟! رأيت رجلا يقبل رجلا آخر ويعانقه على قارعة الطريق، ولم يعترض أحد!!”
فرد الرائد مبتسما: “وما في ذلك؟”
فرد أحمض ولازال يلهث: “يا رائدي، أقول لك كان يعانقه كما يعانق الرجل زوجته!!”
فسأله الرائد مروضا: “هل قيد إرادتك أو اعتدى عليك؟ هل أكرهك على أن تفعل مثله؟”
فهز أحمض رأسه نافيا، فتابع الرائد: “إذا فأين المشكلة؟”
قال أحمض رافعا حاجبيه: “إنه فعل شنيع!!”
“ومن شنعه؟”
فقال أحمض بثقة، “الله! كل الأديان تقول ذلك!”
فكأن الرائعقلي كان ينتظر هذه الإجابة فقال: “إذا، فليتمنع أهل الأديان عن هذا الفعل، إذا كان دينهم يمنعهم عنه، ولكن ليس لهم أن يفرضوا دينهم على غيرهم ويقيدوا بذلك إرادتهم. يا بني، إن الإيمان والتدين تقييد اختياري لإرادة الإنسان. أنت إن رضيت هذا العهد مع الله فالزمه، أما من لم يرضه غيرك فلا تفرضه عليه ضد إرادته، وإنما إن شئت فادعه إلى دينك بالحكمة والموعظة الحسنة، فإن لم يرض فدعه وادع له، وإياك والإكراه أو الكراهية، وإنما تعامل مع الموضوع بتَوَرُّد، بما يليق برَوْضِيّ يسعى إلى الريادة. ألم نناقش طوال الأيام الماضية أن الروضة مبنية على قاعدة أن الكل يسعى في طلب ما يريده حتى يرضى دون أن يعتدي على إرادة غيره؟”
ثم بدر إلى ذهن الرائد أن أحمض ربما يفهم هذه المفاهيم فهما نظريا يفتقد للترسيخ العملي، فقرر أن يعدّل من اسلوب الرياضة، واختار أن يتجول هو و أحمض في طرقات الروضة، ليرصدا بعض الظواهر ويناقشوها. فخرجا من بيت الرائعقلي إلى الطريق العمومي ومرا بجوار الحمام العام فبيت القاضي، ثم انعطفا ودخلا السوق، ثم لمح الرائعقلي رجلا جالسا خارج مطعم الشيخة زُزَّة يدخن لفافة دخان. فجذب أحمض من ذراعه واقترب من الرجل وصبّح عليه وسأله: “لماذا تدخن خارج المطعم؟”
“الشيخة زُزَّة تمنع التدخين بالداخل، تقول أنه يتنافى مع رياضة البدن والتورد.”
فسأله الرأئعقلي: “وهل توافق على ذلك؟”
“لا! ولكنها صاحبة المطعم كما تعلم.”
“ولماذا لا تأكل في مطعم آخر يسمح لك بالتدخين؟”
فانتبه الرجل وسأل مستنجدا: “وأين ذلك المطعم؟؟ دلني عليه، ألا تعلم أنهم جميعا يتّبعون سُنَّتَها؟ لقد ضيقوا على الواحد عيشته!”
هنالك التفت الرائعقلي إلى أحمض وسأله: “ما رأيك في هذا يا أهمت، أمن حق الشيخة ززّة أن تقيد رُوْدِية شخص يريد أن يدخن أثناء تناول الطعام؟”
فرد أحمض: “ولكنه يؤذي غيره بذلك ويقف أمام إرادتهم في استنشاق هواء نظيف غير ملوث بدخان التبغ. وقد سمعت أن الرائبدنيين يحذرون بالفعل من مخاطر الدخان.”
فاسجوبه الرائد: “فلأنه يتعدى بإرادته على إرادة الآخرين فيجب أن نقف أمام إرادته هو؟”
أحمض: “نعم، أليست القاعدة أن الكل يسعى في طلب ما يريده حتى يرضى دون أن يعتدي على إرادة غيره؟ فله إذن أن يدخن بالخارج فيصيب ما يريد من دخان دون أن يعتدى على ما يريده الآخرين من هواء نظيف.”
فرد الرائعقلي: “ولكن الذي يريد هواء نظيفا قد اعتدى بذلك على رُودية هذا الرجل ومنعه في التدخين أثناء الأكل في مطعم الشيخة ززة!”
فكر أحمض قليلا ثم قال: “ولكن الأولوية لطالب الهواء الطبيعي النظيف، لا لطالب الهواء الملوث بالدخان”.
هنالك ابتسم الرائعقلي وقال “حسنا، تذكر مقولتك هذه!”
فانطلقا، حتى إذا لقيا فتاتين تبكيان، سألهما الرائعقلي “ما خطبكما؟”
قالتا: “وصلنا إلى الروضة اليوم فنهينا من دخولها حتى نخلع حجاب رأسنا وعلامة تديننا. لقد جئنا من أرض حميضة كئيبة تعامَل المرأة فيها كالبهيمة، وأتينا الروضة لكيلا يقيد إرادتنا أحد، أيكون هذا أول ما نلقاه؟ أينزع عنا ما نريد أن نلبسه؟ أين احترام رودية الإنسان؟ أين القيم الورادية؟؟!”
رق لهما أحمض وشعر بتلك النغصة التي شعر بها عندما ألقي المروض بالألواح، وانتبه لسؤال رائده “ما رأيك يا أهمت؟ ألهما أن يلبسا حجاب رأسهما وعلامة تدينهما؟”
“بالطبع نعم يا رائدي، إن كان يريدا ذلك فلما لا؟؟ لم يكرهمما أحد وهم لا يعتدون على إرادة أحد! ثم إن الروضة لا تعادي الدين بل تفسح المجال لكل ملة وفرقة أن تمارس طقوسها وتنشر أفكارها وتدعو إلى صراطها ما دامت لا تؤذي أحدا ولا تعتدى على إرادة أحد، فلماذا إذا ينزع عنهما حجابهما وعلامة تدينهما؟؟!”
رد الرائعقلي مبتسما: “أتتذكر درس إرادة التدين؟”
“نعم، للروضي أن يمارس دينا ويدعو إليه بالحكمة والموعظة دون إكراه الناس أو مضايقتهم.”
فأومأ الرائد وقال: “تماما، وإذا ما دعوت إنسانا إلى دينك فرفض، أيجوز أن تلح عليه بالحكمة والموعظة الحسنة؟”
أحمض: “لا لأنه رفض وأبدى أنه لا يريد أن يسمعني.”
فرد الرائد: “فكذلك، إن في الروضة أناس لا يريدون أن يدعهم أحد إلى دين غير دينهم، أو لا يريدون أن يُدعَوا إلى دين أصلا، فإن رموز وعلامات التدين هذه تصبح آنذاك حيلة للإلحاح عليهم وتذكيرهم المستمر بالدين الذي لا يريدون التفكير فيه. أي أن هذه الرموز تصبح اعتداء على إرادتهم في رفض دعوتك.”
فكر أحمض ثم تابع: “ولكن إرادتهم في روضة خالية من الرموز التي تذكرهم بالدين تعتدي على إرادة هاتين الفتاتين في ارتداء شيء لا يريدان بها دعوة عامة وإنما تدين شخصي. فلماذا يفضل إرادة الغير على إرادتهما؟”
ابتسم الرائد وقال: “ألم تقل في حالة التدخين أن الأولوية للراغب في تنفس الهواء الطبيعي؟”
“بلى.”
“فكذلك في هذه الحالة، الأولوية للذي يريد مجتمعا خال من علامات ورموز التدين، الأولوية للطبيعي، لا للمضاف.”
وقف أحمض وحك رأسه مفكرا في رد، ولكن رائده لم يمهله وانطلق ماشيا… فنظر أحمض إلى الفتاتين التين سقط في أيدهما، ولم تجف دمعوهما بعد، ولكن ماذا بوسعه أن يفعل؟ الرائعقلي يبتعد، وأحمض كأنه يريد أن يطيب خاطر الفتاتين، ولكن ماذا يقول لهما؟ النغصة في صدره تشتد… ولكن لماذا؟ إن الروضة قائمة على إفساح المجال لتحقيق إرادة الشخص حتى يرضى دون الاعتداء على إرادة الغير، فلهما أن يلبسا ما أرادا ولكن ليس في الأماكن العامة، فالروضة ليست ضد تدينهما، ولكنها تفسح المجال لكل من يريد أن يتدين أن يفعل دون الاعتداء على رودية الغير، والأولوية في النهاية للحالة الطبيعية، بلا إضافات… ثم قال في نفسه: “ربما أحتاج لبعض الوقف لهضم هذه المسألة… لقد ابتعد الرائد كثيرا!”
… القى أحمض نظرة أخيرة على الفتاتين الباكيتين، ثم هرول ليلحق برائده.ـ

رواية “الروضة المرضية” الجزء الأول من ثلاثية بعنوان الرضوة، وستنشر فصول الرواية أسبوعيا على هذه المدونة بإذن الله.
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف ولا يجوز النشر أو الاقتباس إلى بإذن كتابي منه. 2009 (c)

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: