Live from Cairoston

استغرقت رحلة أحمض إلى روضة أهله يومين، قضاهما وهو يفكر في فاتنة، أي أنه قضاهما حزينا. لقد كان الشهر الأخير في المروضة صعب للغاية، فكل يوم كان يشعر بأن حجمه يتضائل أمامها وإن كان الحب يزيد. لم يفرح بالعطلة لكونه سيعود ليرى أمه وأخوته، وإنما لأنه أراد أن يخرج من الروضة التي شعر فيها باختناق. كان مزاج أحمض العام سيئا، كان مكتئبا.
لاحظ أحمض التطور الواضح الذي حدث خلال الفترة التي قضاها خارج الروضة، فصارت أجمل وأورد من ذي قبل. صحيح أن شكل الناس صار مضحكا، كأنهم نسخة باهتة من أهل روضة الرياض؛ الملابس الوردية، والشعر المقصر على شكل سنام الجمل، ولكن التصرفات هي هي، غير متوردة وإنما أرضية صميمة، صار الناس يتحدثون بكلنة الروضيين، ولكن طريقة تناولهم للموضوعات كانت كما هي، طريقة أرضية بحتة. أتاحت الروضة مساحة من الرودية غير مسبوقة، مساحة تسمح للجميع بتحقيق إرادتهم، ولكن من الواضح أن الناس أقبلوا على الرودية دون ورادة ترشدهم، واعتبروا كثرة البدائل التي وفرتها الورادية، لا فرصة للاختيار وإنما للإكثار، فصارت بيوت الناس كمغاراة علي بابا فيها من كل بستان وردتين أو ثلاثة، وصار الناس يمشون في الطرقات كأنهم محل للملابس، بعدما كانوا في عهد قريب يكتفون بثوب بسيط، إن وجد أصلا.
شعر أحمض وهو يمشي في طرقات روضته الممهدة أنه في مسرحية هزلية مضحكة مبكية، كان الناس قديما كنباتات الصبار براحة نفاذة أصيلة تطرد عنها الحشرات، واليوم صاروا وردا مشوها دون رائحة كساها ذباب الروضة بطنينها البذيء. كانت أخلاقهم في السابق حامية كالإبل، فصاروا اليوم كالقردة. ما هذه الروضة الممسوخة؟ ظل يرى المكان بنظرة قاتمة

***

ـ”ولما لا يا أمي، ألم يتزوجا عن تراض؟ فلهما أن ينفصلا عن تراض!” كان أحمض في حوار حام مع أمه حول موضوع حساس، فأخته، على خلاف مع زوجها؛ تريد الخروج للعمل، وهو يرفض، يقول إنه لا داع لخروجها ما دام يكسب ما يكفيهم، وهي مصرة على أن الأمر لا يتعلق بالحاجة المادية، وإنما بممارسة الرودية واكتشاف إرادة الإنسان وتحقيقها. وأمام تصلب الزوج، هددته زوجته أن تذهب إلى إدارة الروضة وتطلب الطلاق منه بحجة أنه يقيد إرادتها. فرأى أحمض المتورد أن هذا حقها طالما أنه وقع عليها مثل هذا الظلم.
” انظر ماذا تقول يا أحمض! تخرب بيتها بيدها وتقول لي عن تراض؟”
“يا أمي إنها لم تعد تريده، فهو يتسلط عليها ويمنعها مما تريده، وما أرادت شيئا محرما.”
“ولكنه زوجها يا ولدي، له أن يأمر ويطاع!”
خاف أحمض أن تسمع فاتنة هذا الكلام فرد، كأنها تتحدث من خلاله، “ولماذا لا تأمر هي وتطاع؟”
“أمرك عجيب! له القوامة!”
“يا أمي، القوامة هذه مكتسبة، وليست أصيله، هو إن أنفق عليها كانت له القوامة المادية، ولكنها تعمل وتكسب وتنفق على البيت، فلها قوامة كذلك”
“ولكنه يرفض أن تعمل ”
“وكيف يمنعها ويعيق إرادتها؟”
نظرت الأم إلى ابنها مستنكرة، وقالت في حسرة “لقد ظننت أنك ستتدخل لتُعَقِّل أختك وتساعدني في الحفاظ على بيتها”
رد أحمض في لهجة حانية، “يا أمي، إنها عاقلة، وتدري ما تريد، وتدري أن لها أن تسعى لتحقيق ما تريد ما دامت لا تعتدي على إرادة غيرها، أما زوجها فهو الذي يسعى إلى تحقيق إرادته على حساب غيره…”.
أشاحت الام بوجهها قليلا ثم التفت إليه في حدة: “وماذا عن إرادة الطفلين؟؟ أليس لهما إرادة؟ أتظن أنهما يريدان أن ينفصل أبويهما ويَنْهَدّ بيتهما فوق رؤوسهما؟”
احتار أحمض في هذه المسألة، فلم تمر عليه من قبل. إن الزواج تم برضى أخته وزوجها، ولهما أن ينهياه بإرادتهما ورضاهما، ولكن هذه الزيجة أسفرت عن طفلين تأثرا بهذا العقد دون أن يعرف موقفهم منه… فهل لهما أن يطلبا إدراجهما في العقد أم لا؟ فقال في نفسه: “إنها مسألة تحتاج إلى تفكير، ترى ماذا يقول الرائعقلي سليم؟ أم لعلي أسأل فاتننة، فلعلها تسعد بهذه المسألة الشيقة…”
“عموما يا أمي سأتحدث إلى عصماء وأحاول أن استرضيها، وربنا يعمل ما فيه الخير.”
ولم ترد عليه أمه، بل أشاحت بوجهها في حزن ونظرت من الشباك إلى جدول الماء بالخارج.
ومرت العطلة ببطء شديد…
تنفس أحمض الصعداء وهو يخرج من روضة أهله عائدا إلى روضة الرياض، فلم يعد يشعر بالراحة في هذه الروضة الممسوخة، الذي تحول فيها رعاة الإبل إلى قردة.

***

وانتظم أحمض في الرياضات العقلية الجديدة، وبدأ مع الرائعقلي سليم مادة “الترويض” وهي مادة لا يدرسها إلا من يرى فيه مبشرات الريادة وإدارة الرياض. وفي يوم من أيام أول اسبوع قال الرائعقلي: “بعد أن شرحنا القاعدة الأم ودور الإرادة في حياة الإنسان ونظام الروضة، سنتكلم عن أهمية اكتشاف الإنسان لإرادته. فالإرادة أهم ما للإنسان، فبها يؤمن بخالقه إيمانا صادقا، وبها يروض نفسه ويوردها، وبها يروض الأرض لتصبح روضة رائدة. فالإرادة أكبر رِوْضَةٍ أنعم الله بها على الإنسان. والله تعالى قد أسبغ على الإنسان رِوَضَه ظاهرة وباطنة، وإنك يا بني إن حاولت أن تعد رِوْضَةَ الله لن تحصيها عددا. والله يحب أن يرى أثر رِوْضَتَه على عبده.”
أعادت هذه الجملة الآخيرة ذكريات المروضين الشهداء، وبالتبعية ذكريات الحاج عوض والفتنة التي حدثت في الأرض بسببه. فظلت هذه الذكريات معلقة في ذهنه والرائعقلي يتابع شرح الدرس.
“ولا حرج إطلاقا في إرادة الرِوَض والسعي في طلبها. إن رواضتنا تعلمنا السعي إلى رِوَض الله والإكثار منها، لأن الله خلقها لنا، وعلينا كذلك أن نأخذ بيد من لم يكتشف هذه الرِوَض ونُرَوِّضَه حتى يستطيع أن يستفيد منها، فبذلك يظهر أثر رِوْضَة الله على الأرض وتتحول الأرض كلها إلى رياض متوردة، وبالطبع هذا يرضي الرب ولا يغضبه، ألا يحب الله أن يرى أثر رِوْضَتَه على عبده؟”
أيقظ كل هذا الكلام ذكريات مؤلمة في ذهن أحمض، فرأها فرصة للإجابة على أسئلة كثيرة ظلت تحيره، فسأل: “ولكن، ماذا لو تطلب هذا الترويض تغيير طريقة عيش الناس، وهم يرفضون ذلك؟”
“يا بني، من الطبيعي أن يخاف الإنسان مما يجهله، ولكننا كرواد متوردين، نعلم أن من مصلحة الأرْياض أن يُرَوَّضوا حتى يستشعروا بفيض رِوَض الله ويستفيدوا منها. قل لي، إذا رأيت شخصا مغمض العينين مكبا على وجه يتخبط بين الناس، ولا يدري أنه إذا ما فتحهما سيرى ما حوله، ويمشي سويا في خط مستقيم، أليس من واجبك كروضي متورد أن تلفت نظره إلى هذه الرِوْضَة، رِوْضَة الإبصار لكي يصلح حاله؟ هل ستتعلل بأن لعله سعيد بذلك الوضع؟ أليس الأفضل له، وللآخرين الذين يتخبط فيهم أن يفتح عينه ويستفيد من هذه الرِوْضَة، رِوْضَة البصر والإبصار؟”
سكت أحمض وهز رأسه إيجابا، فالكلام مقنع، ثم أكد الرائعقلي كلامه بمثال آخر، “إذا رأيت إنسانا لا يكتب ولا يقرأ، ألا تظن أن التعلم فيها فائدة له؟ ألا ترى أنه إذا أصر على جهله فإنه يسيئ إلى نفسه؟ إن في التعلم رياضة للعقل وطلب الرياضة فريضة على كل روضي، رجلا كان أو أمرأة؟”
ثم أتبع بتفسير مختلف ولكنه يؤيد نفس الرأي، “ثم إن الذي يرفض التورد سيضر بأهل الروضة المتوردين، والرياض إن لم تُرَوِّض ما حولها من أراض، فستزحف تلك الاراضي عليها وتدمرها. ثم إن الله يرضى عن الذين يستفيدون من رِوَضِه ويحبهم، ولئن شكروه ليزيدنهم. والأرْياض الذين يقامون الترويض لا يقاومونه عن مبدأ، وإنما لمجرد أنهم يخافون الجديد ويقدسون التراث البالي القديم، ويظنون أن رضا الله في تمسكهم بماضيهم، ويجهلون، أو يتجاهلون أن الله سخر لنا الأرض لنروضها ونستفيد منها، وميز الإنسان بالعقل ليستخدمه في إبتكار الجديد، لا لمجرد حفظ القديم، وأن على الإنسان أن يجاهد نفسه ويقبل على شتى الرياضات، البدنية منها والنفسية والروحية، وكذلك العقلية، ليتحقق فيه معنى الريادة بين سائر المخلوقات.”
شعر أحمض بأن سيلا من الحجج تنصب فوق رأسه ولا يقدر على استيعابها كلها، ولكنه ظل يهز رأسه إيجابا وظل الرائد يقذفه بالحجة تلو الحجة ليدمغ الشك في قلبه ويزهقه: “أما هؤلاء، فقد رضوا بالخلود إلى الأرض ورفضوا أن ينفروا في سبيل التورد والازدهار، وهم إن رضوا بهذا المصير البئيس، فإن رواضتنا تأبى ذلك، ولن نسمح لهم أن يقفوا في طريق ترويضنا للأرض ورياضتنا للإنسان، فلن نقبل بأن يقف الأرياض في طريق ريادتنا. وسنأخذ بأيدهم، أو نضرب عليها، حتى نفتح أعينهم إلى ما يرفضون رؤيته، وإلى أسمى معاني العيش والحياة، وسنحررهم من قيود التراث التي تكبل إرادتهم، لكي يمارسوا إنسانيتهم على أتم وجه. وهذا، بكل تأكيد يرضي الله.”
ولكن الذكريات المؤلمة بدأت تتوالى على ذهن أحمض، فسأل مستوضحا: “ولكن ماذا لو أنه لا يريد فك قيود إرادته؟ أترغمه على ذلك وتعتدي على إرادته؟ أليس في ذلك تناقض مع قيم الرودية وقاعدة عدم الاعتداء على إرادة الغير؟”
“يا بني لا تناقض، إن حبيس الإرادة لا إرادة له لكي “لا يريد” فك هذه القيود. كيف يريد شيئا وإرادته مكبلة إلى الأرض بقيود التراث والماضي؟ دعنا نفك قيوده ونحرر إرادته ليكتشفها، ثم نسأله، “ها، أتريد البقاء هكذا، أم تريد أن ترجع إلى القيود؟” ولا أظن أن من رأى بهجة الروضة سيرضى بخشونة وحموضة الأرض.”
فسأل أحمض مجادلا، “وإن فككنا قيوده وحررنا إرادته، ورغم ذلك لم ينجذب إلى الروضة والورادة؟”
فرد الرائعقلي مباشرة، “هنالك، إن آثر الأرض على الروضة فهذا اختياره، ولكن عليه أن يعيش بعيدا عن الرياض وألا يقف في طريق رواضتنا وترويضنا للأرض، هو أخلد إلى الارض، ونحن نسعى إلى الريادة، ولن نقبل أن يعطلنا أحد عن هدفنا.” وكان الرائعقلي متفهما لأسئلة أحمض، فقد علم قصة أهله مع الترويض وتوقع أن هذه الأسئلة نابعة من شك أو حيرة تجاه مسألة التوريض لما رأى من قتل ودم يحيط به. فقال له في نبرة أبوية هادئة: “يا أهمت، هذا والله خير، أينزل الله علينا كل هذه الرِوَض، فنهملها ولا نأخذها ونستفيد منها، أفي هذا أدب مع الله؟ إن الله…” فقاطعه أحمض بابتسامة باهتة: “نعم، نعم أعلم… إن الله يحب أن يرى أثر رِوْضَته على عبده.”
“أحسنت يا أهمت، لقد بدأت تفهم ورادتنا! بالمناسبة، أنا سعيد بنتائجك في المواد السابقة، وأنا أتوقع لك مستقبلا رياديا ورديا!”ـ

***

مضي أسبوعان منذ أن عاد أحمض إلى المروضة ولم يرى فاتنة، “ربما أطالت عطلتها وسافرت إلى بعض الرياض البعيدة كما هو عادتها…” كان يفكر فيها كلما ضرب على العود، كان يشعر باشتياق لها… بحنين إلى رؤيتها.
بدأ تورد خدي أحمض في التلاشي شيئا فشيئا، فكأنه حزين باستمرار، كان يظن أنه بمجرد عودته إلى الروضة سينتعش، ولكنه ظل كئيبا، ربما لغياب فاتنة.
قال الرائعقلي ذات يوم: “سنتحدث اليوم يا أهمت عن الرودة.. أتدري ما الرودة؟”
تعجب أحمض من السؤال ورد: “الروضة هي المكان الذي نعيش فيه.”
“لا يا أهمت، تلك هي الروضة، وإنما أسألك عن الرودة..”
هز أحمض رأسه نافيا علمه بمعناها. فتهيأ الرائد وعدل من مجلسه وأخذ نفسا وشرع كأنه سيفسر كلمة في الكتاب المقدس وقال: “الرودة هي هدف كل روضة وكل روضي. والمروض يروض الأرض حتى تصير روضة وأهلها روضيين، ثم إن الروضي يقبل على الرياضات المختلفة حتى يصير رائدا، فإذا ما صار جميع الروضيين روادا، وصلت الروضة إلى مرحلة الريادة حيث تزدهر ورادتها وتبلغ وراديتها مداها، عندئذ عند تمام التورد، تنقلب الروضة إلى رودة، فالرودة هي الهدف الأسمى والتتويج لرواضتنا. تماما، كما أن الوردة هي تاج الشجرة وأجمل ما فيها.”
وفجأة، شعر أحمض بنغصة في صدره، سرعان ما تطورت إلى تقلص في أمعاءه، وبدون أي سابق إنذار، اندفع القيء من فمه وانتشر في أرجاء المكان، وتلوثت ثيابه الوردية ونعليه بقيء داكن قبيح الرائحة. صاح الرائد منفزعا: “ما هذا يا أهمت؟!”
“لا أدري يا رائدي… اغفرلي… ماذا حدث لي؟ سامحني يا رائدي…”
وقام أحمض لينظف ثياب رائده ونعليه … فقاطعه: “مهلا يا أهمت دعك مني.. هل أنت بخير؟ ماذا أكلت في الفطور؟”
“لا أدري يا رائدي… سامحني لا أدري ماذا حدث…”
“لا تقلق يا بني .. لا تقلق. اذهب واسترح وخذ الغد راحة.. وسأمر عليك بعد العصر لأطمئن عليك.. قم يا أهمت واذهب واسترح”
قام أحمض وشعر كأن الغرفة تدور من حوله، فاستند إلى الحائط واندفع خارج المكان وهو يترنح… والتفت الرائعقلي إلى القيء الذي ملأ المكان فشعر بتقزز وخرج هو الآخر ليغير ثيابه ونعله

رواية “الروضة المرضية” الجزء الأول من ثلاثية بعنوان الرضوة.
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف ولا يجوز النشر أو الاقتباس إلى بإذن كتابي منه. 2009
(c)

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: