Live from Cairoston

استلقى أحمض على سريرة ينظر إلى سقف غرفته… “ترى أعادت فاتنة؟ هل ستزوني؟ ماذا يحدث لي؟ إن الحزن لا ينفك عني، ربما أحتاج لفاتنة…” وظل يداعب أوتار العود وهو ملقى على سريره ويضرب ألحانا من مقام الصبا وهو مغمض العينين… كان يشعر وهو يضم العود إلى صدره بأنه يضم محبوبا أو يهدهد طفلا… عجيب علاقة أحمض مع العود.
مر الرائعقلي على أحمض بعد العصر كما وعد، ومعه رائبدني ليطمئن على تلميذه النجيب. وبعد بعض الكشوفات والأسئلة خلص الرائبدني إلى أنه سليم بدنيا، وإن استمرت الاعراض فالأفضل أن يعرض على رائنفسي، “فلعل المشكلة نفسية لا بدنية.” ولاحظ أحمض القلق على وجه رائده عندما سمع كلمة الرائنفسي، “لا لا لا، إن شاء الله سيقوم ويتعافى دون الحاجة إلى رائنفسي.” واستأذن الرائعقلي وخرج مع الرائبدني وهو يطلب منه شرحا أوفى لحالة أحمض.
وبعد فترة وجيزة دخل رجل آخر، ظن أحمد أنه الرائنفسي “فلعل الرائعقلي اقتنع أخيرا بجدوى أو ضرورة إرسال رائد في النفسيات”، تأمل أحمض الرجل وثوبه الأخضر، وعمامة خضراء يخرج من تحتها شعر أسود مضفر، تفوح منه رائحة عطر خفيفة، وعلى وجه ملامح الهدوء والسكينة، وقف وقال: “سمعت أنك تقيأت اليوم”
أحمض: “نعم، أثناء الدرس.”
الرجل: “وهل كان يشرح درس الرودة – بالدال؟” شعر أحمض بغم حل عليه فجأة عندما سمع تلك الكلمة ولكنه تغلب على الشعور وأومأ بالإيجاب.
الرجل: “وماذا قال الرائبدني؟”
أحمد: “قال أنني سليم بدنيا”
الرجل: “أنت هاجرت إلى هذه الروضة من أرض حديثة الترويض أليس كذلك”
“بلى”
الرجل: “والترويض لم يحدث بهدوء، وإنما بعد فتنة ومعارك”
شعر أحمض ببعض الغرابة في طريقة الرجل في إلقاء الأسئلة ولكنه أجاب: “نعم هو كذلك”
فتابع الرجل: “قد عدت للتو من زيارة لها أليس كذلك”
“بلى”
سكت الرجل قليلا ونظر حوله وتفحص غرفة أحمض بعينه، ولسبب ما قرر أحمض أن يبادره هو بالسؤال فقال: “أنت الرائنفسي أليس كذلك؟”
لم يرد عليه الرجل بل فآجأه بسؤال آخر وأخير: “أنت تحب إحدى فتيات الروضة، ولكنها لا تبادلك الشعور، أليس كذلك؟”
شعر أحمض بوهن وضعف عندما تذكر فاتنة، فأومأ بالإيجاب.
هنالك هم الرجل بالخروج، وهو يقول: “الآن فهمت سبب تقيئك، شكرا على وقتك وتعاونك.”
احتار أحمض من هذه الجملة فكرر سؤاله، “ماذا أصابني أيها الرائنفسي؟”
فالتفت إليه الرجل مبتسما: “يا هذا، لست رائنفسيا، بل إن مثلي، إن عثر عليه فسيحبس في مصحة الروضة فورا!”
خاف أحمض من الرجل لأول مرة بعد أن كان قد بدأ يطمئن له: “إذا من أنت؟”
فأجاب: “أنا مجرد رجل مهتم بحالات التقيء التي تحدث، من الواضح أنك حالة طبيعية جدا من حالات حمى الروضة”
ثم التف إلى أحمض بجسده كله وقال كأنه يسدي إليه خدمة لا يسديها لأي متقيء في العادة: “انظر يا أحمض، إنك ستموت إن بقيت في هذه الروضة، قلبك رفضها من قبل أن تدخلها، ولكنك تحايلت عليها بحبك لإحدى فتياتها، ولكنها لا تبادلك الحب، فاستمع لقلبك واخرج من الروضة قبل أن يعاودك التقيء فتحبس في مصحة الروضة”
صدم أحمض من هذا الكلام… “كيف أرفض الروضة؟ بالطبع لا أرفضها، هذا كلام فارغ. من ذا الذي يرفض أن يعيش في روضة الرياض ويتريض ليصبح رائدا متوردا؟؟” وهم أن يجادل الرجل في نظريته، ولكنه لم يمهله وخرج من البيت.

***

مر يومان شعر بعدهما أحمض أنه أفضل حالا فقام وقرر أن يعود للرياضة، ودخل المروضة فشعر بدقات قلبه تتسارع، ففهم أن فاتنة قريبة منه وإن لم تره عيناه. بحث عنها كالمجنون، وظل يمشي مسرعا بين الأروقة، وينظر كأنه يسأل صور الرائعقليين عن مكانها، حتى سمع ضحكتها على شماله فنظر فوجدها واقفة مع أحد الرواد. لمحت فاتنة أحمض وبالكاد حركت طرف شفتها الأيمن فيما يمكن تفسيره – بتكلف – على أنه ابتسامة، وآثر أحمض أن ينتظر انتهائهما من الكلام. ولكن الكلام طال، ثم انقلب إلى جلسة رياضة، فتضايق أحمض من هذا الإهمال وخاف أن يتأخر على رائده، فترك المكان وذهب إلى الدرس.
وما أن بدأ الرائد في إعادة درس “الرودة”، إلا وبدأ شعور بالغثيان يحل بأحمض، فأشار بيده، يستأذن في الخروج لحظة، ولم يفهم الرائد قصده، ولكن أحمض لم ينتظر، وقام من فوره وجري خارج الرواق وتقيأ مرة أخرى. تقيأ على رخام المروضة… ذلك الرخام الذي كان يحمد الله على نعل فاتنة إذا وطأته، صار يلعن أحمض الذي تقيأ عليه.. واجتمع الناس، وانتبهت فاتنة إلى ما حدث وأتت مع رائدها تقف مع الناس حول أحمض، وهو يحاول تنظيف ثيابه ثم ينظر في وجوه الناس خجلا. والناس لا تنظر إليه بعطف، وإنما بخوف وريب، “ترى أأصيب بالحمى؟؟ هل نبلغ الإدارة؟” وجاء رجلين ومعهم ممسحة لينظفا المكان. وانتظر أحمض مجرد كلمة رفق من فاتنة، ولكنها انصرفت مع بقية الناس.
ووقف أحمض وسط قيئه، لا يدري ماذا يفعل أو أين يذهب. لم يرد العودة إلى رائده، … فكر قليلا ثم قرر أن أن يذهب إلى غرفته.
تبعد غرفة أحمض عن المروضة بمسافة قليلة، لا تستغرق أكثر من خمسة دقائق، ولكن أحمض عندما خرج من المروضة، سار بشكل لا إرادي من الطريق الطويل جدا، حيث أنه تعود أن يمر على بيت فاتنة في كل مشوار. ومشي وكلما اقترب من شرفتها يتمنى معجزة توقع فاتنة في حبه، ومر أمام مدخل البيت فوجد فاتنة واقفة مع الرائد يستكملان حديثهما، ثم لاحظا مروره وهمست فاتنة في أذن الرائد، ولكن أحمض لم يقدر حتى على الوقوف بل ظل في طريقه كأنه لم يقصد رؤيتهما أو لم يهتم، وآلاف الأفكار تموج في صدره، “ماذا قالت له عني؟ كيف تفكر في؟ ماذا يمثل هذا الرائد لها؟…”
وبعد قليل انتبه أحمض أنه لا يدري أين هو… فقد أخطأ المسير وتاه في الروضة.. ورجع من حيث أتى ولكنه شعر أنه يتوغل أكثر فأكثر في المجهول. فجلس على الرصيف من التعب وبدأ يبكي.
التف الناس حوله بعطف، “ماذا حدث يا ابني؟ لماذا تبكي؟” وربتت أم على كتفه في حنان، ثم ارتفع صوت أحد المارة… “ابتعدوا عنه!! إنه مصاب بحمى الروضة، رأيته يتقيأ اليوم في المروضة!!” هنالك انقلب كل شيء، فانفض الناس من فورهم وجرت الأم تلملم أبناءها وتدخلهم البيت كما تفعل الفرخة بأفراخها إذا ما أتى الذئب، وخلا المكان من الناس وبقي أحمض بمفرده، في مكان لا يعلمه، فأجهش بالبكاء.
ورأى أحمض من بعيد رجالا عرفهم بسيماهم، هم رجال المصحة، “مؤكد أنهم جاءوا من أجلي”. فجري في الإتجاة العكسي وهو يفكر في نفسه أنه إن ظل يجري فسيصل حتما إلى سور الروضة، وظل يجري ويدخل في طرقات ويخرج منها، وسأل رجلا واقفا عن طريق بوابة الروضة فأشار إليه، فانطلق في تلك الناحية وظل يجري، ثم انتبه أحمض إلى أن الرجل الذي سأله كان يلبس ثوبا أخضرا وعمامة خضراء… ولكنه لم يقدر على مواصلة التفكير، فكل ذرة في جسده مسخرة من أجل الهرب من هذا الجحيم، وتمزق النعال من سرعة الجري ولكثرة القفز، وصار يجري حافيا… ورأى البوابة وباغت حراسها وقفز فوقهم وخرج من الروضة إلى الصحراء… خرج من الأشجار والأنهار إلى الرمال والصخور.. خرج من الروضة وعاد إلى الأرض…
مشي أحمض شرقا في طريق روضة أهله وهو يبكي .. بكى أحمض… بكى كثيرا.. شعر بانكسار وذل.. لم يكن يفكر في شيء إلا أنه كان يريد أمه، كان يريد حضن أمه… “اريد أمي! أريدها أن تزملني… أريد أن أبكي في صدرها… أريدها أن تطمئنني إلى أنني لازلت ابنها، وأن كل شيء سيكون على ما يرام.. أريد أمان أمي… أنا لم أعد أفهم شيئا.. أمي تعرف كل شيء، هي دائما على صواب، أريدها أن ترشدني… أريد أمي. أريدها أن تقول لي أنت كذا وكذا وعليك أن تفعل كذا وكذا، وسأفعل كل ما تأمر به… لن أفارقها أبدا! أريد أمي.. يا أمي أين أنت… تعال الحقي ابنك.. أمييييي!!!”
ومشي أحمض عاري الصدر حافي القدمين… مشي كالميت وقد خرج من قبره.. سار في الصحراء وكل همه أن يرتمي في حضن أمه. ودخل الروضة الممسوخة، والناس تنظر إليه، والكل لسان حاله يقول “مسكين أحمض… إن مصيبته ليست هينة” ولكنهم لم يعرفوا ما أصابه في روضة الرياض، وأحمض لم يعرف ما أصابه في الروضة الممسوخة، حتى وصل إلى بيته وطرق الباب ففتحت أخته وهي متشحة بالسواد وما أن رأته إلا وأنفجرت بالبكاء… فقد ماتت أم أحمض.
وعلم أحمض أنه لن يجد ذلك الحضن الذي يؤويه… ولا الأمان الذي يحميه… فقد ماتت أم أحمض.

***

مرت خمس سنوات… بلا طعم أو رائحة، تزوج خلالها أحمض من قريبته صُمَيّة، وعاش في الروضة الممسوخة منعزلا إلى حد بعيد، ثم ضاقت به ولم يتحمل قردة الروضة الممسوخة ولونها الوردي المتسخ، فهاجر مع زوجته وابنته، هاجر إلى أرض فلاة، بسيطة وهادئة ورضي بها ورضت به، وسمحت له هذه الخلوة أن يفكر في ماضيه وتجاربه في الحياة، فتوصل إلى تفسير مُرْض وشاف لكثير من القضايا، توصل إلى أن مشكلة الروضة تكمن في اعتقاد الروضيين أن رواضتهم في زيادة مستمرة، ونسوا أنهم مرحلة في دورة، وأنهم إذا ما تفتحت روضتهم يوما وتحولت إلى رودة فإن الوردة إذا ازدهرت لا تلبث أن تذبل وتسقط وتعود للأرض التي خرجت منها، لتبدأ الدورة من جديد، ولكن الروضيين عن هذه الحقيقة غالفين، وكلما راجع أحمض هذه الحقيقة ابتسم ابتسامة خفيفة، كأنه يقول “مساكين أولئك الروضيين، والحمد لله الذي نجانا من الروضة المريضة”.
وتحولت حياة أحمض إلى ما يشبه حياة النساك المنعزلين عن عالمهم الخارجي، لم يعد يحفل بما يحدث خارج نطاق بيته المتواضع، الذي بناه بالطوب، ولم يشعر بأنه يفتقد شيئا أو أنه قد فاته ركب التورد أو ما شابه ذلك، لم يندم على قرار الهجرة لحظة واحدة، فقد ارتضى أن يبتعد عن كل أولئك الواهمين المفتونين بالروضة والرواضة، كلما خطروا في ذهنه ابتسم ونظر إلى الصحراء الشاسعة وردد، “لكم روضتكم ولي أرضي، إن كنتم رضيتم بالوردي، فقد رضيت بالأبيض”. كان يقضي جل أوقاته في التأمل والمشي حافيا لأيام في الصحارء والجبال، ثم يعود لزوجته وابنته فاطمة. كان يجلس معهما حول نار صغيره تحت نجوم الليل، ويضرب على عوده ألحان الاشتياق الأبدي والحنين السردمي، حنين إلي أمان رحم الأم وحضنها، أم لعله اشتياق إلى راحة القبر وسكونه؟
وقد انقدح في ذهنه ذات يوم تفسير لسر تعلقه بالعود، فلعله، وإن كان ينطق اسمها بالطريقة المتوردة، إلا أن قلبه الذي لم تتغلغل الورادة إليها كان ينطقها “عُوض”، فلعل العود يذكره بالحاج عَوَض، ولعل داخله الدفين مؤمن بما فعله الحاج وعلى ملته، وإن تنكر له جوارحه. عجيب الحاج عوض الشهيد، رأى بفطرته أن الناس التبست عليهم الروضة والجنة، ونسوا أن هذه الحياة مهما توردت، هي في النهاية دنيا وإلى الأرض نهايتها.
وفي يوم من الأيام، وأحمض جالس في بيته يتأمل، وزوجته تعد الطعام وابنته تلعب بعروس صنعه لها أبوها من القماش وأعواد الحطب، طرق الباب طارق، ففتحت له فاطمة الباب ثم نادت، “تعالى يا أبتي، هناك من يريدك”. ذهب أحمض فوجد ثلاثة رجال، بيض الوجوه، وردي الثياب، ويلبسون في أرجلهم النعال.
“أهلا وسهلا بالزوار، تفضلوا”
رد أصغرهم بعنفوان الشباب وطاقته: “جئنا نخرجكم من خشونة الأرض إلى وَرَادَة الرِياض، ومن وَضَاعَة الأرْيَضَة إلى رُقِي الريادة!”
فرجع أحمض خطوة إلى الخلف، ثم نظر إلى زوجته وهي تعد الطعام، وإلى انبته وقد عادت تلعب بعرائسها؛ نظر إلى روضته… ثم نظر إلى العود

رواية “الروضة المرضية” الجزء الأول من ثلاثية بعنوان الرضوة.
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف ولا يجوز النشر أو الاقتباس إلى بإذن كتابي منه. 2009
(c)

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: