Live from Cairoston

يطلق مفهوم المقاصد مقرونا بالشارع ويراد به معنيان؛ الأول هو قصد الشارع، أي تحديد المعنى المراد للفظ من بين المعاني المختلفة المحتملة، والثاني هو مقصد الشارع، أي تحديد الغاية التي من أجلها شرع الحكم. ولا يستويان.

وتركيزنا هنا على مفهوم المقاصد بالمعنى الثاني، وهو ما يتبادر إلى الذهن إذا ما ذكر مصطلح «مقاصد الشريعة». واعبر عنه بوصفه «منظومة» لعدم اقتصاره على مجرد نظرية أو منهج معرفي وإنما مجموعة من النظريات التحتية والأدوات المنهجية التي تكون منظومة معرفية متناسقة.

وقد مرت منظومة مقاصد الشريعة في تراثنا الإسلامي بثلاثة أطوار بدأت على يد «الحكماء» في رحاب التصوف والمكاشفة من أجل التوصل إلى أسرار التشريع وعلل الأحكام، ثم انتقلت إلى الطور الثاني على يد «الفقهاء» في رحاب أصول الفقه كشكل من أشكال معرفة مناسبات العلة لترشيد القياس، ثم انتهاء بالطور الثالث على يد «الإصلاحيين» في إطار مشروع النهوض الحضاري حيث تبنّوا تراث مقاصد الشريعة واستخدموه كهيكل لصياغة استجابة إسلامية للتحديات الحضارية.

ويعتبر الإمام الغزالي (ت 505 هـ) هو محور التحول بين الطور الأول والثاني، ويتضح ذلك جليا من خلال أعماله المختلفة حيث مزج بين مباحث من قبيل الشكر والصبر والتوبة، وبين أبواب القياس والاجتهاد، من خلال تصور لغرض الخالق من الخلق الناس، وهو معرفة الله سبحانه وتعالى، فتفرع من ذلك إلى الضرورات الخمس وعلاقتها بالمصلحة ومستوياتها، فنقل – رحمه الله – مقاصد الشريعة من بيئتها التصوفية التي لا تتحرج من الذاتية إلى بيئة فقهية جديدة تتميز بالتقنين والسعي نحو المنهجية الموضوعية.

أما الانتقال من الطور الثاني (الفقهي) إلى الثالث (الإصلاحي) فتم على يد رواد تيار الجامعة الإسلامية. فهم الذين تحمسوا لتراث مقاصد الشريعة وأكدوا على أهميته وفاعليته في تحقيق مشروعهم الحضاري. ونرى أصداء هذا الاهتمام في مقدمة تحقيق الشيخ عبد الله دراز (ت 1377 هـ) لكتاب «الموافقات» للإمام الشاطبي (ت 790 هـ)، إذ قال الشيخ دراز عن سبب توجهه لهذا الكتاب: «كثيرا ما سمعنا وصية المرحوم الشيخ محمد عبده لطلاب العلم بتناول الكتاب، وكنت إذ ذاك من الحريصين على تنفيذ هذه الوصية».

إن مَثَل منظومة مقاصد الشريعة كمثل ثمرة أينعت على شجرة التصوف والعلوم اللدنّية، فالتقطها الفقيه وقلّبها وتمتع برائحتها ولكنه لم يدر كيف يستفيد منها، فأخذها منه الإصلاحي وقطعها إربا باحثا عن بذور يزرع بها نهضته المرجوة، فزرعها في الأرض وجلس بجوارها ينتظر إنباتها، ولم يدر أنه بزرعها هكذا قد وأدها!

وفي كلا الحالتين، حالة الإمام الغزالي، وحالة تيار الجامعة الإسلامية نجد أن القائمين على انتقال مقاصد الشريعة من طور إلى آخر كانوا تحت تأثير ظروف تاريخية أدت إلى تبلور تحيزهم المعرفي في اتجاه معين. فعنوان كتاب الغزالي «إحياء علوم الدين» أبلغ تعبير عن رؤيته للعقبة التي كان عليه اقتحامها، فكأن علوم الدين قد ماتت لما أصابها من آلية لا روح فيها، فأراد إحيائها بهذا التزواج بين اللدنّي والفقهي.

أما التحول الثاني، فحدث في رحم الصدمة الحضارية التي مرت بها الأمة تحت وطأة الاستعمار، تلك الصدمة التي كانت لها أثرا عميقا على نفسية المسلم ورؤيته لما حوله، فتكوّن لديه قناعة بأن العقبة التي عليه اقتحامها هو عقبة النهوض والتمدن من خلال تراثنا وأصولنا الحضارية. فدشّن مشروعا للإستقلال الحضاري استلهم الكثير من أدواته من تراثنا الإسلامي، بما في ذلك منظومة مقاصد الشريعة.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: