Live from Cairoston

تقوم منظومة مقاصد الشريعة على دعامتين أساسيتين؛ نظرية الضروريات الخمس، ونظرية المصلحة بمستوياتها الثلاثة. وسنركز في هذا الفصل على نظرية الضروريات الخمس.

تعتمد نظرية الضروريات الخمس على ثلاث نظريات تحتيّة هي نظرية التعليل وما يتفرع منها من نظرية الحكمة من خلق الإنسان ونظرية الحفظ. ونظرية الضروريات لها تاريخ يمتد قبل الإمام الغزالي رحمه الله، إلا أننا سنتحدث عنها في فكر الغزالي باعتباره الذي نقلها إلى رحاب الفقه من خلال إقرانها بنظرية المصلحة ومستوياتها الثلاث (الضرورية والحاجية والتحسينية).

أما نظرية التعليل فتستند إلى منطق عقلي وهو أن الفعل الذي لا يستند إلى حكمة عبث، والعبث محال في حق الله. وهذا كلام لا نعترض عليه، وإنما نعترض على أخذ بعض العلل التي توصل إليها عالم من خلال اجتهاد عرفاني ذاتي، وتقليدها وتعميمها والتأسيس عليها. فالاجتهاد العرفاني الذاتي لا يمكن أن يتعدى نطاقه ليعمم ويؤسس به منهجا موضوعيا، فالأصل فيه خصوصية المجتهد وظروفه، ولا يجوز أن يتحول إلى أصول مطلقة ممتدة. وهذا هو الخطأ الذي ترتب على تناول الفقهاء لثمرة الحكماء.

فرغم صحة القول بضرورة وجود حكمة لكل فعل إلهي، إلا أن إخراج اجتهاد عالم في معرفة هذه الحكمة من حيزه الذاتي الظني وتحويله إلى قاعدة موضوعية قطعية لا يجوز. وهذا يأت بنا إلى فرعي هذه النظرية؛ وهما نظرية الحكمة من خلق الإنسان، ونظرية الحفظ.

فالإمام الغزالي رأى أن الحكمة من خلق الإنسان هو معرفة الله، ثم أتبع ذلك بافتراض أن هذه المعرفة لا تتم إلا في الدنيا، وطالما أن الدنيا ضرورية لمعرفة الله، فكان حفظ الدنيا ضروري كذلك. يقول الإمام رحمه الله: «إنا نعلم بشواهد الشرع وأنوار البصائر جميعاً أن مقصد الشرائع كلها سياق الخلق إلى جوار الله تعالى وسعادة لقائه وأنه لا وصول لهم إلى ذلك إلا بمعرفة الله تعالى ومعرفة صفاته وكتبه ورسله وإليه الإشارة بقوله تعالى‏:‏ ‏﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون‏﴾‏ أي ليكونوا عبيدا لي، ولا يكون العبد عبداً ما لم يعرف ربه بالربوبية ونفسه بالعبودية، فلا بد أن يعرف نفسه وربه، وهذا هو المقصود الأقصى ببعثة الأنبياء. ولكن لا يتم هذا إلا في الحياة الدنيا وهو المعنى بقوله عليه الصلاة والسلام ‏«‏الدنيا مزرعة الآخرة‏»‏ فصار حفظ الدنيا أيضاً مقصوداً تابعاً للدين لأنه وسيلة إليه‏».‏

ويتابع رحمه الله: «والمتعلق من الدنيا بالآخرة شيئان‏:‏ النفوس والأموال فكل ما يسد باب معرفة الله تعالى فهو أكبر الكبائر، ويليه ما يسد باب حياة النفوس، ويليه باب ما يسد المعايش التي بها حياة الناس، فهذه ثلاث مراتب، فحفظ المعرفة على القلوب والحياة على الأبدان والأموال على الأشخاص ضروري في مقصود الشرائع كلها، وهذه ثلاثة أمور لا يتصور أن تختلف فيها الملل، فلا يجوز أن الله تعالى يبعث نبياً يريد ببعثه إصلاح الخلق في دينهم ودنياهم ثم يأمرهم بما يمنعهم عن معرفته ومعرفة رسله أو يأمرهم بإهلاك النفوس وإهلاك الأموال. فحصل من هذا أن الكبائر على ثلاث مراتب‏:‏ الأولى ما يمنع من معرفة الله تعالى ومعرفة رسله وهو الكفر… والمرتبة الثانية: النفوس، إذ ببقائها وحفظها تدوم الحياة وتحصل المعرفة بالله. فقتل النفس لا محالة من الكبائر… ويقع في هذه الرتبة تحريم الزنا واللواط لأنه لو اجتمع الناس على الاكتفاء بالذكور في قضاء الشهوات انقطع النسل ودفع الموجود قريب من قطع الوجود‏.‏ وأما الزنا فإنه لا يفوت أصل الوجود ولكن يشوش الأنساب ويبطل التوارث والتناصر وجملة من الأمور التي لا ينتظم العيش إلا بها‏.‏ والمرتبة الثالثة الأموال فإنها معايش الخلق فلا يجور تسلط الناس على تناولها كيف شاءوا…».

وقد صاغ الغزالي هذه النظرية بطريقة أخرى في كتابه الاقتصاد في الاعتقاد إذ قال: «إن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا… فنظام الدين بالمعرفة والعبادة، لا يتوصل إليها إلا بصحة البدن وبقاء الحياة وسلامة قدر الحاجات، من الكسوة والمسكن والأقوات والأمن.. فلا ينتظم الدين إلا بتحقيق الأمن على هذه المهمات الضرورية. وإلا فمن كان جميع أوقاته مستغرقا بحراسة نفسه من سيوف الظلمة، وطلب قوته من وجوه الغلبة، متى يفرغ للعلم والعمل، وهما وسيلتاه إلى سعادة الآخرة؟ فإذن: إن نظام الدنيا – أعني مقادير الحاجة – شرط لنظام الدين…».

فهو رحمه الله أسس نظريته على حكمة الخلق التي توصل إليها (من خلال شواهد الشرع وأنوار البصائر)، وهي معرفة الله، ثم بنى على ذلك أن هذه المعرفة لا تتم إلا في الدنيا مما يستلزم حفظها لتمكين الإنسان من معرفة الله، ثم تفرع من ذلك واعتبر أن حفظ الدنيا من أجل معرفة الله (وعبادته) يكون بحفظ النفوس والأموال والنسل والعقل. فهذه هي الضروريات الواجب حفظها لحفظ الدنيا من أجل معرفة الله تعالى، التي هي الحكمة من خلق الإنسان.

ويترتب على ذلك عند الغزالي، أن العلة من الحدود التي نصت عليها الشريعة من قتل وجلد وقطع، إنما هي حفظ هذه الضروريات الخمس، فهي زواجر تحفظ من خلالها هذه الضروريات.

ونحن نختلف مع الإمام الغزالي في ما توصل إليه من حكمة خلق الإنسان، بل حتى وإن اتفقنا معه، فإننا نختلف معه في النتائج المنطقية التي بناها على هذه الحكمة. فنظرية حفظ الدنيا من أجل حفظ الدين نظرية لا تصمد أمام النقد، حيث يترتب على ما تفترضه، أن الميسورين الآمنين أقرب إلى طاعة الله من المعسورين الخائفين، والوحي والواقع لا يشهدان بذلك، إذ أن الشر والخير كلاهما فتنة وابتلاء، ومن الميسورين الذين اكتملت لديهم كافة الضروريات والحاجيات بل والتحسينيات، من نسى الله فأنساهم أنفسهم. ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ۝ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ۝ ذَلِكَ جَزَيْنَهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَزِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ (سبأ:15-17)

ومن المعسورين الذين حرموا من النسل والأطراف والمال وصحة النفس ونباهة العقل، من لا يتوقف لسانه عن ذكر الله. ومنهم ﴿الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر:9)

وتفسير الحدود على أنها زواجر لحفظ الضروريات تفسير نراه ضعيفا. فكيف يعتبر أن حد السرقة – مثلا – دليل على أن من مقاصد الشريعة حفظ المال؟ كيف وأهم أسباب ضياع المال ليس السرقة وإنما السفه والفساد والإسراف والتبذير؟ بل إن الله لم يأمر بقطع يد آكل مال اليتيم أو آكل الربا أو المبذرين إخوان الشياطين، فكيف يستنبط من حد السرقة أن من مقاصد الشريعة الكلية حفظ المال؟ وأين العلاقة بين حفظ المال ومعرفة الله؟

وكيف يهدد الزنا النسل، هل من خلال انعدامه، أو من خلال الإكثار منه؟ كيف يختلف النسل الناتج من زنا عن ذلك الناتج من نكاح شرعي؟ هل الضرر منحصر في اختلاط الأنساب؟ فإن كانت الحكمة من وراءه زجر الناس عن السفاح حفظا للنسل والأنساب، فهذا يتبعه منطقيا أن الزنا في حق الآيسة والعقيم حلال.

والقول بأن اللواط إنما حرم لأن الناس إذا ما اجتمعوا عليه انقطع النسل رأي ضعيف. فمن ذا الذي يقول بأن البشرية لتجتمع على هذه الفاحشة؟ وهل يعني ذلك أن الرجل إذا ما تزوج وأنجب وأدّى واجبه في إنشاء جيل جديد، صار اللواط له مباحا؟ فلا يخفى ضعف هذه الآراء التي تعتبر أن تحريم الزنا واللواط إنما قصد من وراءه حفظ النسل والانساب.

ثم كيف يكون حفظ هذه الضروريات ضرورة لتحقيق حكمة الله في خلق الإنسان، فيَكِل الله حفظها إلى الظلوم الجهول؟ لا جرم أن أصول هذه النظرية غير متماسكة، بل إن الحكمة من خلق الإنسان لا يمكن اختزالها في معرفة الله، فالإنسان قد عرف ربه أصلا وشهد له بالوحدانية قبل أن يولد ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (الأعراف:172). والأهم معرفة الحكمة من إيجاده في هذه الحياة الدنيا، وإنزال الشرائع إليه، وهذا واضح وبيّن في القرآن، إذ أن الله هو ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (الملك:2).

إننا إذا ما انطلقنا من هذه الرؤية، علمنا أن الحكمة من إنزال الشرائع هي كونها من مجمل ما يبتلى به الإنسان بالإضافة لكونها مصدرا لهداية الإنسان إلى كيفية اجتياز هذه الابتلاءات. والدنيا لا تحفظ من أجل معرفة الله، فلو كانت تزن عند الله جناح بعوضة لما سقى فيها الكافر شربة ماء، وإنما هي دار ابتلاء واختبار.

والمال والنفس لا يرجى حفظهما من أجل معرفة الله، بل إن المؤمن قد يهلكهما في سبيل الله ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة:111)

فإذا كان الإمام الغزالي يقول: «إذ الحياة الدنيا لا تراد إلا للآخرة، والتوصل إليها بمعرفة  الله تعالى» فإننا نصوب هذه المقولة ونقول: «إذ الحياة الدنيا لا تراد إلا بدافع بشرية الإنسان، ومن خلال اجتياز ابتلاءاتها يصل الإنسان إلى الجنة»، فالإنسان برغم ارتباطه بالدنيا فإنه ولد فيها ليبتلى فيظهر أشاكر أم كفور، أراغب في الله أم راغب عنه. وهذا لا يلزم معه حفظ الدنيا وضرورياتها كما يقال. بل إن حفظ ضروريات الدنيا من مقاصد الإنسان الذي خلق من طين لا من مقاصد الشريعة والدين.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: