Live from Cairoston

ملخص تحفظاتنا على نظرية المصلحة في سياق منظومة مقاصد الشريعة، أنها محاولة للاستفادة من ثمرة استقراء الحكماء وتفعليها في الواقع، في حين أنها لا تملك مقومات هذا التطبيق. فالقول بأن الشريعة جاءت لجلب المصالح والدرء المفاسد كلام جميل، ولكن تعريف المصالح والمفاسد مبهم، وليس لتقعيده من سبيل. ﴿وَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أنْ تُحِبُّوا شَيْئا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَانْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:216).

فالعلماء عجزوا عن تحديد معايير موضوعية تضبط تعيين المصلحة دون تدخل لهوى الإنسان، ولم يتجاوزوا ذكر قواعد عامة لا تفيد عند التطبيق؛ من قبيل لا «تتعارض مصالح الدنيا المعتبرة مع مصالح الآخرة»، أما عن طريقة معرفة وجود تعارض أم لا، فصمت مطبق. هذا فضلا عن قولهم بأن المصلحة «الحقيقية» هي تلك التي تحفظ الضرورات الخمس، فإن علم أن نظرية حفظ الضرورات فيها ما أشرنا إليه، ترتب على ذلك ضعف ما يبنى عليه.

فالمصلحة التي تحفظ الضرورات لا تكون مصلحة «شرعية» نزل من أجلها الوحي من أعلى عليين، وإنما مصلحة «بشرية» يحددها الإنسان الذي خلق من طين، بما يشمل ذلك التحديد من قصور. إلا أن العلماء، نظرا لنسبتهم المصلحة إلى الـ«شرعية»، لا يجوّزون لأنفسهم أن يحددوا المصلحة بعقولهم، فوقفوا أمام هذه الثمرة، يشمون رائحتها ولا يدرون كيف الاستفادة منها.

فالمتعامل مع نظرية المصلحة بين خيارين، أحدهما لا طعم له، وثانيهما مر، فهو إما يكتفي بذكر ملحوظة بديهية لا تطبيق عملي لها، أو لا تخرج تطبيقاتها عن بديهيات المؤمنين ذوي العقول السليمة، وإما حاول تقرير أن في أمر ما – سكت عنه الشرع – مصلحة معتبرة شرعا، ومن ثم قصدت الشريعة حفظها وجلبها، وهو بذلك ينسب إلى الشريعة ما ليس منها.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: