Live from Cairoston

إن تحيزنا في نقدنا لمنظومة المقاصد، هو رغبتنا في إعادة ربط الدنيا بالآخرة، لا من حيث حفظ الدنيا من أجل معرفة الله، وإنما من خلال معرفة أن الدنيا مرحلة يمر بها الإنسان ليكشف عن باطنه ويحدد موقفه في اليوم الآخر.

فالله خلق الكون وجعلنا خلفاء الأرض ليبلونا أينا أحسن عملا، فأصل وجودنا في الأرض الإبتلاء والإختبار، فهذه الحياة الدنيا دار ابتلاء. ويبتلي الله الإنسان حتى يتميز المؤمن من الكافر والطيب من الخبيث، إذ أن الإنسان يكشف عن باطنه عندما يواجه الإبتلاءات المختلفة. فالإبتلاء في الأصل «إختبار لإظهار شيء ما»، والإبتلاءات التي يتعرض لها الإنسان في الدنيا هي اختبارات لإظهار ما في قلبه. وتتنوع الابتلاءات التي يتعرض لها الإنسان، فمنها ما يحسبها شر مثل الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات، ومنها ما يحسبها خير مثل مختلف النعم والزينة التي يتمتع بها، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (الأنبياء:35).

فالإبتلاء بما يحسبه الإنسان شر هو للكشف عما إذا كان سيصبر أم يقنط، ولمعرفة إذا ما كان سيلجأ لربه أم سيكفر به. والإبتلاء بما يحسبه الإنسان خير هو للكشف عما إذا كان سيشكر أم يتكبر، وكذلك لمعرفة ما إذا كان سيؤدي حق النعمة أم لا. فالحياة الدنيا كلها ابتلاء، شرها وخيرها سواء، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

ومن أنواع الإبتلاء تلك المصائب التي تصيب الإنسان بما قدمت يداه، فإن ذنوب الإنسان قد تورث جزاء دنيويا في صورة مصائب. ولكن هذه المصائب لا تحدث إلا بإذن الله، أي أن العلاقة ليست مباشرة بين المعصية والمصيبة، فقد يعفو الله، ويعفو عن كثير، فلا تنزل المصيبة. وإذا أراد الله أن تنزل مصيبة كتبها قبل أن تحدث وهو بذلك قد أذن لها بالحدوث، إن ذلك على الله يسير. ولا يصيب الإنسان إلا ما قد كتب الله وأذن به، فلا يحدث شيء إلا بإذنه سبحانه.

إن الإنسان إذا أقبل على تزكية نفسه استطاع أن يجتاز ما يواجهه من ابتلاءات، أما إذا ما انصرف عن تزكية نفسه وأقبل على تدسيتها فيقف عاجزا عن فقه ما ينزل به من ابتلاء، ويضيق صدره وتضيق به الدنيا. وقد يتعرض من تزكى إلى نفس الإبتلاء الذي يتعرض له من تدسى فيختلف فعل الأول عن الثاني، لاختلاف القلوب التي في الصدور. فقد يبتليهما الله ليرفع درجات الأول ويزيد الثاني خسارة. ويتضح ذلك جليا عند النظر إلى رد فعل الناس لأمثال القرآن، فقد يضرب الله مثلا في القرآن فيضل به كثيرا ويهدي به كثيرا، وما يضل به إلا الفاسقين. فالذين اهتدوا وأقبلوا على الله رغبة في التقرب منه، أعانهم الله وزادهم هدى من خلال تيسير السبيل عليهم، ويبتليهم برسول يتلوا عليهم آياته، فيعلمون أنه الحق من ربهم، ويزيدهم هذا الإبتلاء يقينا. أما الذين كفروا ورفضوا الحق لما جاءهم، فإن الله إذا ابتلاهم برسول يتلوا عليهم آياته كانت لهم فتنة، فيرفضونها استكبارا، ولا يزيدون إلا خسارا.

فعلى الإنسان أن ينتبه إلى أن الأصل في وجوده على هذه الأرض الإبتلاء، وأن كل ما يصيبه من خير أو شر إنما هو ابتلاء، ليعلم الله المؤمنين وليعلم الكافرين. وعلى الإنسان أن يسأل نفسه دوما عن وجه الإبتلاء فيما يلقاه خلال يومه، فيكون عند المصيبة صبورا، وعند النعمة شكورا.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: