Live from Cairoston

كان الفصلان السابقان تعريفا بتحيّزاتنا التي تحكم تناولنا لمقاصد الشريعة، إذ أنها تحيّزات ترفع من أهمية الدنيا كدار ابتلاء وعمل، وتخفض من أهميتها كدار استقرار وحصاد. أما في هذا الفصل، فسنقوم بتقديم ما نراه العلاقة الصحيحة بين الشريعة والدين من ناحية وبين الدنيا ومعايشها من ناحية أخرى، إذ ببناء هذه العلاقة على أساس مقصد الإبتلاء والعمل من أجل الآخرة، تستقيم طريقة تعاملنا مع ما نواجهه من تحديات واختبارات، لنجتازها بصورة تحفظ معيشتنا دون أن نحرّف شريعتنا التي أنزلها الله لهدايتنا.

من الآراء التي كانت لها أثرا كبيرا في فهم طبيعة دين الإسلام وتدين المسلمين، الرأي القائل بأن المقصود بـ«الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» هو إقامة أحكام الله وتطبيق شريعته، وهذا في رأينا غير صحيح. فالمعروف هو ما تعارف عليه الناس واعترفوا به كعرف سائد بينهم. المعروف هو العرف الذي جاء في قول الله تعالى ﴿خُذْ الْعَفْوَ وَاْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف:199). فإذا ما ذكر الله تعالى وصية الميت بالمعروف، أو متاع المطلقة بالمعروف أو تراضي الزوجين بالمعروف، أو الكسوة بالمعروف وغيره، فإنه – سبحانه – يحيلنا إلى ما تعارفنا عليه كمجتمع، أي أنه يحيلنا إلى العرف السائد.

كما إذا ما مدح الله هذه الأمة بأنها خير أمة أخرجت للناس، ووصفها بأنها تأمر بالمعروف، فالمقصود بذلك أنها أمة تحض الناس على اتباع العرف المعروف المتعارف عليه والمعترف به. فالعرف رغم معرفة الناس به يحتاج إلى من يذكِّر به ويحض على اتباعه، ليدوم ترابط المجتمع وتقوى أواصر التعاون بين الناس.

ومن طبيعة العرف أنه من صنع الناس، وأنه خاضع لتجاربهم وظروفهم وخلفياتهم، ومن طبيعة العرف كذلك أنه يتبدل ويتطور بمرور الزمان وتغير الأحوال. فإذا ما كان المجتمع يتلوا كتاب الله حق التلاوة، ويغلب عليه الإيمان والتقوى، فيتوقع أن يتطور العرف ليصطبغ بصبغة الإسلام، ولكنه لا يكون بأي حال من الأحوال مساو لشرع الله، فالعرف من صنع الإنسان ولا يستوي مع شريعة الرحمن.

أما المنكر، فليس ما حرمه الله، وإنما ما ينكره المجتمع ويرفضه، وهذا يخضع كذلك لما اتفق الناس على انكاره، وهو يتبدل ويتطور كما الحال مع المعروف. فإذا ما كان المجتمع يتلوا كتاب الله حق تلاوته، ويغلب عليه الإيمان والتقوى، فيتوقع أن يتطور المنكر ليشمل الحرام، ولكنه يبقى مختلفا عن الحرام الذي يحرمه الله، فالمعروف والمنكر لا يساوي الحلال والحرام، فالمعروف والمنكر من اتفاق الإنسان، والحلال والحرام شرع الله.

فإذا ما وصف الله المؤمنين بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فذلك يعني أنهم يحافظون على نظام المجتمع الذي يحيون فيه، فيحضون على اتباع العرف وينهون عما ينكره الناس. فالمؤمن يلعب دورا إيجابيا في المجتمع من خلال الحفاظ على نظامه الذي يصنعه أفراده من خلال التعارف والاعتراف بالمعروف ونكران واستنكار المنكر. فهم يحافظون على لحمة المجتمع الجامع لأفراده.

أما إذا حدث خلاف بين الناس، وهذا من أشكال الابتلاء، فيؤمر بما هو معروف ومعترف به في عرف ذلك المجتمع، وشرط هذا العرف أن يهدف إلى التصالح بين المختلفين، وليس الإضرار بأحدهم أو قهره. وسبيل حل المنازعات بالمعروف هو التدافع القولي والتأنيب النفسي، بأن يقيم كل امرء حجته على الآخر ويبرهن على موقفه أمام خصمه، وهنالك يحدد المعروف أي الخصمين على صواب، وأيهم على خطأ في عرف المجتمع. أما عند التنازع الذي لا يستوعبه العرف المعروف، فيحتكم إلى شرع الله كما سنبين.

وشرط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ألا يفضي إلى إضرار بدني، فالإضرار البدني دليل قهر وتسلط، وهو ما لا يحل لإنسان على آخر، فلا يحل لإمرء أن يطغى على غيره. والإنسان الذي لا يستطيع أن يحصل على مراده بالقول والحجة يطالِب بما هو غير معروف ولا متعارف عليه ولا معترف به، وإذا أصر علي نيل مراده بقهر الغير والإضرار به، فإنه بذلك يكون قد طغى، والطغيان ممنوع.

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الحفاظ على عرف المجتمع بالتدافع القولي والتأنيب النفسي، ومثال على ذلك تعامل المسلمين مع الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، فهم رغم تخلفهم عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلا أن العقاب لم يكن بالإضرار البدني ولا بالقهر، وإنما بالفراق والتأنيب النفسي ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ (التوبة 118). فالعرف الحقيقي المعروف والمعترف به، ينقاد إليه الناس، وأما من شذ وخرج عنه وأتى بالمنكر المستنكر، فإن استمراره عليه صعب ورده عنه سهل، إما بالقول الحكيم اللين، أو الفراق والخصام المضيّق، ولكن في أي حال، لا يصعّد الأمر إلى إضرار بدني أو قهر نفسي، فذلك دليل تسلط وطغيان، والطاغوت مذموم.

فلا يحل أن يرد إنسان عن المنكر بالضرب المبرّح أو الجرح فضلا عن القتل، كما لا يرد عن المنكر بأن يخرج من داره ويحبس في سجن، فكل هذا يتطلب تسلط وطغيان. والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، إنما يعتمد على أن الذي يأمر به هو المتعارف عليه المعترف به، فيجب الإنقياد إليه، وأن ما ينهى عنه هو المنكر المستنكر من قِبَل الناس، فيجب الابتعاد عنه. فمصدر قوته ليس في طغيانه وتسلطه، وإنما اعتراف الناس واتفاقهم.

وفي كل الأحوال، فالعرف غير الشرع، فالمعروف والمنكر باتفاق الناس، والحلال والحرام بحكم الله. ولهذا ميّز الله تعالى بين النوعين في قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْامِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْانجِيلِ يَاْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ اصْرَهُمْ وَالْاغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي انزِلَ مَعَهُ اوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف:157).

فالآية ميّزت بين ثلاثة أمور مختلفة، عرف الناس وشريعة الله ونسخها للشرائع السابقة. فكأن الآية تقول: يأمرهم بالمعروف (المعترف به بينهم) وينهاهم عن المنكر (الذي يستنكروه) ويحل لهم الطيبات (كما أوحى الله إلى رسوله) ويحرم عليهم الخبائث (كما أوحى إلى رسوله) ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم (بنسخ شرائعهم بالشريعة الخاتمة المهيمنة).

ولكن إذا كان المعروف من صنع الناس، فماذا لو تعدى حدود الله؟ ماذا لو كان المعروف أن الرجل والمرأة قد يتسافحان دون زواج معلن، أو أن المسكِر يشرب أثناء تناول الطعام، فكيف يأمر المؤمن بهذا المعروف؟ إن الناس إذا تعارفوا على الحرام واعترفوا به فإن المؤمن يسعى لتطوير هذا المعروف ليستنكر هذا الحرام. فالتقوى تؤثر على الفرد والجماعة وتصبغ عرفهم بصبغة الإسلام لله تعالى وطاعته. وهو في سعيه هذا يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادلهم بالتي هي أحسن، علما بأن ربه واسع المغفرة.

فإذا ما وافق المعروف الحلال، فبه ونعمة. أما إذا تعدى الحدود، فإن المؤمن يدعو قومه إلى العدل والبر وتقوى الله. وليس للمجتمع أن يضره بسبب دعوته هذه، وإنما يكون الرد بالحكمة والتشاور والجدال. ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة:112).

وقد لكن ماذا لو أنكر المجتمع ما أحله الله؟ إن هذا الإنكار لا يخرج عن أمرين، إما أن يكون الإنكار بزعم أن الله حرمه أو لما يترتب على هذا الحلال من ضرر بالمجتمع. فأما الأول، فالمؤمن لا يرضى بالكذب على الله، ويسعى إلى توضيح أن الله لم يحرم ما هم منكروه، وهو بذلك يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادلهم بالتي هي أحسن. أما إذا كان الاستنكار لضرر يعود على المجتمع من هذا الحلال، فهذا ينظر فيه وفي ملابساته، فإن رأى أن في هذا تضييق على الناس وتجاوز، فللمسلم أن يسعى والحكمة والموعظة والجدال إلى تطوير هذا المنكر ليصبح معروفا.

أما في معظم الأحوال وهي التي لا يتعدى فيه العرف على حدود الله، فعلى المؤمن أن يحافظ على هذا العرف من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والأعراف ليست متحجرة، بل تتبدل وتتطور، وللمؤمن أن يسعى لتطوير العرف بما يمليه عليه إيمانه وتقواه، ولكن هذا لا يتم بالقهر أو التسلط، إذ أن ذلك دليل طغيان، وأمرنا أن نكفر بالطاغوت.

فالله تعالى يريد من الناس أن يدبروا أمورهم بالتعارف والاعتراف بعرف معروف، لا من خلال تسلط فئة على فئة وطغيان فرد على شعب، وليس لهذا العرف أن يضر بشخص ضرر بدني أو مادي، بل ذلك محفوظ لحكم الله الملك القهار.

والأعراف تفصل بين الناس، كما أنها تتطور تبعا لحالة المجتمع وأمزجتهم. فهب مثلا أن شخصا غفل فصدم السيارة التي أمامه فأصابها ولم يصب سائقها بسوء. فقد يكون المتعارف عليه هو خروج السائقَين وتدافعهما تدافعا قوليا، وقد يتطور الأمر إلى تدافع بدني لولا تدخل المارة لفض الاشتباك، ثم يهدئ الناس السائقَين فيتَحَسْبَن كل منهما ويستعوَض الله فيما أصابه وينصرف إلى حاله. إذا كان هذا هو المتعارف عليه، فهذا هو المعروف، ويكون من المستنكر أن يطالب أحدهما الآخر بتعويض.

إلا أن الذي غفل، قد يسمو إلى مرتبة الإحسان إلى الآخر فيعوضه طواعية تعويضا مناسبا على ما أصابه، وهو آنذاك لا يكون متبعا للمعروف، ولا فاعلا للمنكر، وإنما مؤديا إلى أخيه بإحسان. ومع شيوع روح الإحسان بين الناس تتكرر مثل هذه التعويضات عند تلك المواقف حتى يصبح متعارفا عليه مع مرور الزمان، وبذلك قد يتطور العرف إلى معروف أكثر إحسانا، وهو أن الذي أخطأ وصدم غيره، يقبل طواعية أن يعوض الآخر ما دام في قدرته. وفي كل حال، فإن هذا العرف يصبح معروفا معترفا به، وينفذ من خلال التدافع القولي والتأنيب النفسي، ولا يصعّد إلى درجة القهر والتسلط وفرض التعويض على المخطئ أو إضرار بدنيا أو ماديا، فذلك يستلزم القهر والطغيان، والطغيان لا يأتي بخير.

ومثال آخر على فصل العرف بين الناس وتطوره مع الزمان. هب أنك تأكل في مطعم أو تشتري أغراضا من متجر أو تركب حافلة عامة، وبجوارك شخص يدخن وأنت تتأذى من دخانه. ولكن هب أن العرف المعروف يسمح له بذلك، ورغم وجود لافتات تمنع التدخين، إلا أن تلك اللافتات علقت بفعل فاعل، ولم يكن إفرازا وترجمة لعرف الناس. هنالك إذا طلبت منه أن يطفئ دخانه فأنت عندئذ لا تأمره بالمعروف، ولا تنهاه عن منكر، وإنما تطلب منه طلبا شخصيا، وله أن يقبل أو يرفض. ولكن هب أن المدخن صاحب ذوق وأخلاق، وأبى أن يكون سببا في إيذاء جاره، فأطفاء اللفافة، فلا تحسبن حينئذ أنه اتبع المعروف، وإنما هو قبل طلبك الشخصي.

ولكن مع تكرار تلك الحوادث قد يتطور العرف من سماح بالتدخين، إلى سماح له ما لم يعترض أحد، فإن اعترض أحد جيران المدخن، في المطعم أو المتجر أو الحافلة مثلا، فالعرف أن المدخن يطفئ دخانه، لا لأن العرف أن الدخان ممنوع، ولكن لأن العرف قبول طلب الجار الذي يتأذى من الدخان.

وقد يستقر العرف على هذا الحال، وقد يتطور تطورا آخر، فيصبح من المستنكر أن يدخن الشخص في مكان عام، وهنالك يكون للمرء أن يأمر المدخن باتباع المعروف وإطفاء اللفافة، فإن رفض المدخن فإنه يكون قد أتى بالمنكر وأصر عليه، فإما أن يعرض المتأذى عنه، وإما أن يدخل في تدافع قولي وتأنيب نفسي، وقد يلجأ ومن معه إلى موقف جماعي ليردوا المدخن إلى المعروف. وفي كل الأحوال، لا يجوز أن يصعّد النهي إلى الإضرار البدني ولا المادي، فذلك يتطلب قهرا وتسلطا، ويدل على طغيان طرف على آخر، وما من مجتمع ظهر فيه الطغيان، إلا واستبطن الذل والهوان.

أما إذا لم يقدر العرف على حل التنازع دون الإضرار بالغير، فيرفع إلى الله ليحكم فيه. فيحكم رسول الله بين الناس بما أنزل الله في كتابه ﴿وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (المائدة:49). ثم يحكم بين الناس بكتاب الله من يخلف رسول الله من بعده. فلا يجوز لأحد أن يفصل في تنازع بما يضر بالإنسان، إلا الله الملك الديان.

فمهمة الخليفة ليس حكم الناس، وإنما الحكم «بين» الناس. ﴿يَدَاودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (ص:26). فهو ذو دور قضائي يقضي بين الناس فيما يرفع إلى حكم الله مما لم يقدر العرف على حله دون إضرار. وليست مهمة الخليفة بالضرورة أن يدبر شؤونهم ويحدد نظام معيشتهم. فالناس يدبرون شؤونهم وينظمون أمورهم بالمعروف، بشرط ألا يفضي هذه ذلك إلى قهر وطغيان، وإنما ينحصر في التدافع القولي والنفسي، حتى يتشكل المعروف من خلال الشورى، فيلتزمه الناس بحكم كونه عرفا متعارفا عليه معترفا به.

فإذا ما برز من داخل المجتمع من يريد التسلط على الناس والطغيان عليهم، فهنالك يجب على الناس أن يدفعوه ليبقى الحكم لله وحده، وليحفظ النظام من خلال العرف الذي لا يؤدي إلى قهر أو إضرار. وإذا ما ظهر من خارج المجتمع من يريد أن يبسط عليهم نفوذه وسلطانه، فعلى الناس دفعه والجهاد في سبيل إثبات عرفهم وحكم الله.

فالمجتمع المؤمن لا يقبل إلا الله حَكما، ورسوله ينوب عن الله في الحكم بين الناس في النزاعات التي لا تفصل بالمعروف، ويخلف الرسول خليفة يحكم بين الناس في هذه النزاعات، وفي كل الأحوال، فالأصل أن الناس تتعارف على ما ينتظم من خلاله معيشتهم دون قهر أو طغيان، فإذا ما وافق هذا العرف مع الحلال، فبه ونعمة، وإذا تعدى حدود الله، فإن المؤمن يسعى بالحكمة والموعظة والجدال الحسن إلى تعديل هذا العرف ليستنكر الحرام، فإن تغير فبه ونعمة، وإن لم يتغير، نأى المؤمن بنفسه عنه وواصل دعوته إلى سبيل ربه.

والأعراف تتطور وتتغير، وكل ذلك بالتدافع القولي ودون قهر أو طغيان أو إضرار بدني أو مادي. فالمؤمن لا يقهر غيره، ولا يقبل أن يقهره إنسان. وليس لأحد أن يدعي أنه قاهر ومتسلط نيابة عن الله، إلا في حالة الحكم بحكم الله في النزاعات المعدودة التي لا يفصل فيها بالمعروف، فعندئذ للحاكم أن يقهر من خلال القتل أو الجلد أو القطع أو النفي، لا من أجل الطغيان، ولكن لأن الناس عيّنوه للحكم بحكم الله الواحد الديان. وسنفصل حالات هذه الأحكام المعدودة في الفصل القادم.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: