Live from Cairoston

إن العرف قادر على تنظيم معيشة الناس دون أن يضر إنسان أخاه أو يجهل أو يطغى عليه. وما هذا إلا لأن الله قد أحاط العرف بحدود واضحة منصوصة يحصر التدافع بين الناس في إطار التدافع القولي والتأنيب النفسي. فإذا ما طغى إنسان على أخيه وتعدى تلك الحدود، نزل عليه حكم الله نكالا له وخزيا.

فالعرف – مثلا – ينظم تبادل الأموال بين الناس، والمجتمع الذي يغلب على أهله تقوى الله ستصطبغ أعرافه بالعدل في المعاملات بدلا من أكل الأموال بالباطل، فإذا ما أراد شخص ما بيد شخص آخر، أخذه منه بالمعروف. أما إذا تعدي ذلك الإنسان وأخذ مال غيره بالمنكر، ورفض رد ذلك المال، فهنالك يحدث تنازع لا يقدر العرف على حله دون إضرار. فالسارق يرفض إصلاح خطأه بإعادة المال، إما لعناده أو اختفائه، والمتضرر ليس له إلا أن يدفعه دفاعا قوليا دون أن يضر به إضرارا ماديا أو بدنيا. هنالك إن استحكم الخلاف ورفع إلى الحاكم، نزل حكم الله على السارق بقطع يده. ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ۝ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (المائدة 38 – 39).

فإن سرق إنسان، فالأصل الإنابة والتوبة والتصالح ورد المال إلى أصحابه، أو أن يعفو صاحب المال لعلمه بفاقة السارق. أما إذا لم يتم تدارك الأمر، ورفع إلى الحاكم ليحكم، فلا حكم إلا لله، وتقطع يد السارق نكالا من الله على اعتداءه على مال غيره.

وأي خلاف يحدث بين شخصين، فالأصل فيه التصالح ورد الحقوق لأصحابها، فإن بغى أحدهما على الآخر فاعتدى عليه وأضره، ينزل عليه حكم الله. وشرع الله الذي أنزله على نبيه محمد – صلى الله عليه وسلم – يختلف عن الشرائع التي أنزلت على الذين من قبلنا، فقد جاء رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بشرعة التخفيف والرحمة. فكانت أحكام العقوبات في التوراة قاسية، فقد كتب الله عليهم فيها ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ (المائدة:45). أما في شرعة التخفيف والرحمة فالأمر مختلف. فإذا كانت عقوبة القتل عندهم هو قتل القاتل، فإن الله شرع لنا القصاص وجعل فيه الحياة. قال تعالى: ﴿يَايُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْاُنثَى بِالْاُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأدَاءٌ اِلَيْهِ بِاِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ الِيمٌ ۝ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاُوْلِي الْالْبَبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:178).

وقد درج في كتب الفقه تفسير القصاص على أنه قتل القاتل، وهو عندنا غير ذلك، والقرآن يفسر بعضه بعضا، وقد فسر معنى القصاص عند عرضه لأحكام العقوبات في التوراة، حيث يقول الله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. فالقصاص هو أدنى عقوبة في التوراة، وجعلها الله في شرعة الرحمة التي أنزلها علينا عقوبة الإعتداء على النفس، وسياق الآية تدل على أن القصاص عوض مادي، حيث أن الجارح إذا ما تصدق به فهو كفارة له على ذنبه.

وقد اختلف المفسرون حول تفسير ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ فهل المقصود كفارة للجارح أم المجروح، وسرد الطبري الآراء بما فيها رأي عبد الله بن عمرو أنه عائد على المجروح ورأي ابن عباس أنه عائد على الجارح، ورغم أن الطبري رجح الرأي الأول إلا أننا نرى أن الأنسب لسياق الآية أن الجارح إذا دفع القصاص فقد كفّر بذلك عن ذنبه.

هذا القصاص، أي العوض المادي الذي يدفعه المعتدي، كتبه الله على المسلمين وجعل فيها الحياة، فلا تزهق نفس مقابل نفس في شرعة التخفيف والرحمة. ويوضح المولى عز وجل: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْاُنثَى بِالْاُنثَى﴾، والاختلاف في تفسير هذا المقطع مشهور، وهو عندنا تأكيد على أن القصاص/الدية تقدر بناء على المقتول، فلا تستوي دية رجل يعول أسرة بامرأة غير عاملة، وهكذا، فالدية تعويض لأهل المقتول على الخسارة المادية التي تلحق بهم لفقدان المقتول، ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأدَاءٌ اِلَيْهِ بِاِحْسَانٍ﴾، ولا يوجد تعويض على الخسارة النفسية إلا الصبر على ما أصابهم، والإنسان مبتلى.

ثم يبين الله بعض التفاصيل الخاصة بالقصاص/الدية، بعد مقدمة ما أبلغها! فيلغي الله من أحكام العقوبات فكرة أن المؤمن قد يقتل أخاه المؤمن عمدا، فيقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَئا﴾ (النساء:92)، فإذا قتل مؤمن أخاه المؤمن فلا يحاكم إلا على أنه قتل بالخطأ، فلا يعقل أن يتعمد مؤمن قتل أخيه المؤمن، فهو لا محالة مخطئ أو خلع إيمانه قبل الإقدام على هذا الإثم المبين، فالله هنا ينزه المؤمنين عن هذا الفعل، فيضفي جوا من الحياء أو حسن الظن في مخاطبته للمؤمنين، فالله يريد أن يؤسس علاقة ذات ملامح معينة بينه وبين عباده.

فإذا ما تفاقم خلاف بين إثنين ووصل إلى حد قتل أحدهما الآخر خطئا، فيحكم فيه بكتاب الله، ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطئا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء:92) فهذا هو تفصيل القصاص من القاتل الذي شرعه الله في شرعة الرحمة والتخفيف و﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾، بدلا من قسوة العقوبة المقررة في شرعة التوراة.

أما إذا تبين أن القاتل كان يقصد قتل أخيه المؤمن وكان يسعى إليه ويخطط له بإصرار وترصد، فهنالك ينتفي عنه الإيمان لأن المؤمن لا يقتل مؤمنا إلا خطئا، وحينئذ ينزل عليه حكم الحرابة والسعى في الأرض بالفساد ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (المائدة:33). فهذا القاتل العامد المتعمد قد حارب الله ورسوله وأفسد في الأرض عندما أزهق روح عبد من عباد الله. أما إذا لم تكن نيته مبيتة، أو لو شعر بعظم ما قام به من جرم فعاد إلى رشده، وتاب إلى ربه فهنالك يكون حكم الله ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (المائدة:34). وعندئذ يحاكم على أنه قتل أخاه خطئا، فيدفع الدية ويحرر الرقبة فإن لم يجد فيصوم الشهرين المتتابعين.

وقد يحدث تنازع بسبب استمتاع رجل بزوجة رجل آخر، أو بسبب خيانة زوجة لزوجها، ولفداحة هذه الفاحشة، قد يعجز العرف عن حل هذا التنازع بالمعروف ودون إضرار بالناس، فإذا ما رفع هذا الخلاف إلى الحاكم، حكم فيه بكتاب الله.

قال تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَتٍ بَيِّناَتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۝ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ۝ الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ۝ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَسِقُونَ ۝ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ۝ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ ۝ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَت اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ ۝ وَيَدْرَؤا عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَدَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ ۝ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ ۝ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ (النور:1-10)

كانت عقوبة فعل فاحشة الزنا في شرعة التوراة الجلد للبكر والرجم للمحصن. أما في شرعة التخفيف والرحمة، فلم يجعل الله حدا إلا إذا زنا رجل بإمرأة متزوجة، فهنالك يجلدا مائة جلدة، وتفرق الزانية عن زوجها والزاني – إن كانت متزوجا – عن زوجته.

ومفتاح فهم حد الزنا في القرآن هو فهم معنى «المحصنات» الواردة في بداية سورة النور، وقد اختلفت الأقوال حول معنى «المحصنات» اختلافا كبيرا، والقرآن يفسر بعضه بعضا، فالمحصنة هي تلك التي ارتبطت برجل من خلال عقد زواج نافذ، أو تلك التي إذا تزوجها الرجل أُحصن. ويجب التفريق بين «المحصَنة» – بفتح الصاد – «والمحصِنة» – بكسر الصاد – حيث أن الأولى هي المتزوجة بالفعل فأحصنها زوجها، والثانية هي التي لها القدرة على إحصان الرجل من خلال الزواج. وقد وردت الكلمة بالقرائتين.

فالمرأة الواحدة قد تكون «محصَنة محصِنة» لكونها متزوجة من رجل قادر على إحصانها وقادرة على إحصانه كذلك، أو «محصَنة غير محصِنة» لكونها متزوجة من رجل قادر على إحصانها مع عدم قدرتها على إحصانه لدواعي مرضية أو عجز بدني مثلا، أو «محصِنة غير محصَنة» لكونها قادرة على إحصان الرجل ولكنها غير متزوجة فهي غير محصَنة، أو «غير محصَنة غير محصِنة»، لكونها غير متزوجة وغير قادرة على إحصان زوجها إن تزوجت لأسباب مرضية مثلا.

وتأويل آيات سورة النور ومتعلقاتها من سورة النساء أن المرأة المتزوجة (المحصَنة) إذا ثبت أنها زنت تجلد مائة جلدة، كما يجلد من زنا بها. أما إذا زنت أمَة متزوجة (محصَنة) فعليها ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ﴾ (النساء:25)، أي خمسين جلدة. ولم يرد في كتاب الله حد للبكر إذا زنت، كما لم يرد حد للثيب إذا زنت حال كونها غير متزوجة في حين الواقعة. فكأن حد الزنا هو عقوبة للإعتداء على حرمة عقد الزواج وميثاقه الغليظ. وكذلك لا يوجد حد للرجل إذا زنا بغير متزوجة وإن كان هو محصَنا، وذلك لصعوبة ضبط ما إذا كان قد اتفق مع المرأة على الزواج أم لا، بعكس حال المحصَنة، إذ لا مجال لها لتعدد الأزواج.

وأما قوله تعالى ﴿وَالاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (النساء:15)، فهو خاص بغير المتزوجات من الثيبات والأبكار الاتي يرتكبن الفواحش من زنا أو سحاق. أما ﴿الَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنْكُمْ﴾ (النساء:16) فإشارة إلى فاحشة اللواط، وعقوبة هذه الفواحش تختلف عن عقوبة زنا المتزوجة أو الزنا بها، حيث تشير الآيات إلى أن عقوبة الذكور الإيذاء، وهو لا يصل إلى الإضرار البدني ولا المادي، وإنما هو تدافع قولي وتأنيب نفسي وفراق جماعي، أما النساء فعقوبتهن الحبس في البيوت حتى الموت أو إلى أن يجعل الله لهن سبيلا، وقد يكون هذا السبيل هو التوبة والصلاح كما هو الحال مع الذَين يأتيانها من الذكور.

وهذه العقوبات من حبس في البيت أو إيذاء غير بدني فيه إحالة من الله إلى عرف الناس، بعكس عقوبة الجلد. فانظر إلى الفارق بين حد الله المنصوص الواضح ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ وبين ﴿فَآذُوهُمَا﴾، فالأول حكم الله البيّن القاهر للزانية والزاني فلا يأتي إلا من قِبَل القهار، أما الثاني فهو إحالة لعرف المجتمع في الإيذاء دون أن يطغى إلى مستوى الإضرار البدني أو المادي.

فإن قيل، ومن أين قلت أن الزانية في سورة النور يقصد بها المتزوجة (المحصَنة)؟ قلت بأن سياق الآيات من أول السورة وحتى ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ تشير إلى ذلك. أنظر معي إلى عناصر هذه الآيات، تجد افتتاحية السورة ثم حد الزنا ثم تحريم نكاح الزاني أو الزانية من المؤمنين وعقوبة الذين يرمون المحصنات بلا شهود، وبيان كيفية الحكم فيمن اتهم زوجته بالزنا ولم يأت بشهداء وختام الآيات تذكير بصفات الله عز وجل. إن أحكام اللعان تنبهنا إلى أن المحصنات المقصود بها «المتزوجات»، فكأن الله يقول «إن الذين يرمون المتزوجات بتهمة الزنا ولم يأتوا بأربعة شهداء يجلدون، أما إذا جاء الإتهام من الزوج ولم يكن لديه شهداء إلا نفسه، فحينئذ يلجأ إلى اللعان». وإذا كان الأمر كذلك فهمنا أن المقصود بالزانية في أول السورة هي التي تزني رغم كونها متزوجة. خاصة بأن هذا التخصيص يسمح لنا بالجمع بين آيات سورة النور والنساء دون لجوء إلى النسخ الذي لا نؤمن بحدوثه في القرآن.

فإن قيل، كيف تقول ما قلت حول حد الزنا ومن الثابت أن النبي رجم الزناة؟ قلت، أما ما ورد عن الرجم، فلعلها – إن صحت – وقائع حدثت قبل نزول الآية عندما كان المسلمون يحكمون في بعض القضايا بشرع من قبلنا. فعندئذ أنزل الله القول الفصل ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَتٍ بَيِّناَتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۝ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ﴾ فنسخت هذه الآية ما جاء في شرائع اليهود الثابت في كتبهم إلى اليوم، وشرعة الإسلام مصدقة لما قبلها ولكنها مهيمنة عليها. ونسخ القرآن لما أنزل من قبله نؤمن به ونسلم له.

فعند تنازع رجل مع امرأته بتهمة الزنا، يحال الأمر إلى حكم الله، فلا يجوز لإنسان أن يحكم بالإضرار بإنسان آخر، إذ أن هذا يتطلب قهرا وتسلطا، والعرف الذي يسمح بقهر الإنسان أو الإضرار به، هو عرف شابه الطغيان. ففي حال هذه التهمة فحكم الله أن يأتي الرجل بالشهود، فإن لم يأت فيجلد لقذفه لها، أو يتلاعنا، فإن نفت عن نفسها التهمة تركت، وإن اعترفت أو توفر أربعة شهود، جلدت مائة جلدة مع من زنا بها.

هذا، ولم يفرض الله حدا دنيويا على من ارتكب الفاحشة ما لم يفعلها بمتزوجة أو فعلتها متزوجة، بل أحال الأمر إلى عرف المجتمع الذي لا يصل إلى مرتبة الإضرار البدني ولا المادي. والزنا من أبشع الجرائم الأخلاقية، إنه كان فاحشة وساء سبيلا، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ۝ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ۝ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّآتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الفرقان:68-70).

وقد يتعدى الخلاف الأفراد ليشمل الجماعات، فيحدث تدافع جماعي قد يتفاقم ويصعّد إلى مستوى الإضرار البدني والمادي. هنالك يرشدنا الله تعالى إلى الإصلاح بين الطائفتين، فإن طغت وبغت إحداهما على الأخرى، فحكم الله عندئذ يكون: ﴿فَقاَتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الحجرات:9). فالأصل أن المؤمنين أخوة وأن ما يحدث بينهم من خلاف يتم تداركه بإصلاح ذات البين، أما إذا بغى أحد الطرفين على الآخر، فينزل عليه حكم الله ويقاتل حتى يعود إلى رشده، وإلى أمر ربه.

وقد يكون الاعتداء من قبل طائفة خارجية تريد أن تطغى على جماعة المؤمنين وتفرض عليهم طاغوتها، فإذا كان الاصل في علاقة المسلمين بغيرهم أنه قائم على المعروف والبر والإحسان، فإن الطغيان يرد بحكم الله الذي أنزله في كتابه ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا اِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة:190).

فهذه هي أحكام الله المنصوصة المعدودة التي تفصل بين الناس عند عجز العرف عن حل المنازعات بالمعروف.

والله أعلم.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: