Live from Cairoston

إن أفراد مجتمع إذا ما تعارفوا واتفقوا على أن يحفظوا ما من شأنه الحفاظ على أنفسهم أموالهم وأنسالهم وأنسابهم وأعراضهم وعقولهم وما إلى ذلك من أشياء يعتبرونها ضرورة، فذلك يكون حينئذ المعروف المتعارف عليه بينهم، ولكن هذا الحفظ يبقى منسوبا إلى عرف الناس وليس إلى شرع الله. إلا أن الله وجّه المؤمنين إلى الأمر بالمعروف المتعارف عليه والذي يكون من شأنه حفظ نظام المعيشة والمعاشرة وضرورات الحياة، وتركنا نحن لنصنع ذلك العرف ولنطوره في ظل الإيمان والإحسان والقرآن وتقوى الله.

فما نُسب إلى الشريعة من مقاصد تحفظ الضرورات هي في الحقيقة تُنسب إلى العرف الذي يتعارف عليه الناس، أما شريعة الله فتهدي الناس إلى سبل اجتياز ابتلاءات الحياة وتحدد لهم الحدود التي حَكَم بها الحَكَم العدل.

فلا ينسب إلى الشريعة حفظ الضرورات، وإنما ينسب إليها مقصد إفراد الله بالعبودية والربوبية ومقصد إخراج الناس من الظلمات إلى النور. فتبقى النوازع والمقاصد البشرية منسوبة إلى البشر، وتبقى المقاصد السامية التي نزل الوحي من أجلها منسوبة إلى الشريعة.

كما أن أفراد مجتمع إذا ما تعارفوا واتفقوا على أن في شيء ما مصلحة لهم جميعا، فهذه مصلحة معتبرة، ولكنها لا تنسب إلى الشريعة ولا إلى الله، وإنما تنسب إلى العرف المعروف، وكلما انتشر روح التقوى والإحسان، كلما بَعُد المصلحة المتعارف عليها عن الحرام، والمؤمن إذا شعر بأن المعترف به كمصلحة تشتمل على، أو تؤول إلى تعدي حدود الله، سعى بالحكمة والموعظة والجدال الحسن إلى تطوير هذا المعروف لينكر الحرام ويصحح المصلحة، وكل ذلك يتم دون قهر أو اعتداء أو تسلط أو تجبر، فهذا يدل على الطغيان، والذين آمنوا يكفرون بالطاغوت.

وتحديد العرف لا يتم بزعم زاعم أو قول قائل، وإنما من خلال عملية مخاض اجتماعي يظهر بعده العرف واضحا يعرفه الناس ويعترفون به. هذا هو العرف الذي يكتسب صفة استحسان المسلمين فيستحسنه الله.* وهناك فرق كبير بين أن يستحسن الله ما يستحسنه المسلمون ويتعارفون عليه، وبين أن يكتسب ما استحسنه المسلمون صفة التشريع الإلهي. فالقول الثاني هذا مرفوض وفيه كذب على الله، وكان هذا هو أساس اعتراضنا على منظومة مقاصد الشريعة، إذ أنها تأخذ ما تعارف عليه الناس نظرا لطبائعهم البشرية، فيسبغون عليها صفات شرعية ويصبغونها بصبغة إلهية، فيقولون أن الله أمر بهذا، وهو لم يأمرنا إلا بما نص عليه في وحيه. فلننسب عرفنا إلى أنفسنا ولنتبعه، ولننسب شرع الله إلى الله، ولنحتكم إليه ولنلتزم به.

فلنأمر بالمعروف ولننه عن المنكر، ولكن دون أن ننزلق في فخ الطغيان، فالسلطان القاهر باب إلى الذل والهوان، والإنسان الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر والمؤمن بالله، ذلك هو العزيز، لأن حاكمه الأوحد هو الله، الملك الرحمان.

والله أعلم.

*اشارة إلى قول ابن مسعود رضي الله عنه، ما رآة المسلمون حسن، فهو عند الله حسن.

Comments on: "العاصمة (10/10) – الخلاصة والختام" (2)

  1. ما أجد إلا أن أفهم أنك كاتب هذه العاصمة بدون أنت تصرح بذلك
    وسأطبعها لأقرأها إن شاء الله وكنت أتمنى لو وجدت فى ملف واحد

  2. Asmaa Azm said:

    بدأت القراءة من المدونة مباشرة ولكن وجدت أن المكتوب لا يمكن قراءته قراءة عابرة، فنسخت كل الأجزاء وحفظتها في ملف خاص وسوف أقوم بطباعتها حتى أقرأها بالتركيز والتأني الذي تستحقه . أنني متأكدة من أنني سأستفيد كثيرا من قراءة أفكارك وتتبع منطقك، فإلى لقاء أخر بعد القراءة.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: