Live from Cairoston

مقدمة
تطور علم أصول الفقه في القرون الأولى للأمة الإسلامية وقنن ودون ونقل إلينا. والمتأمل في تراثنا الأصولي يكتشف خللا أساسيا في بنية هذا العلم ينجم عنه توابع منهجية سلبية. فمن أعراض هذا الخلل، تمحور الفقه حول معرفة الحكم الشرعي لأفعال المكلفين،  وهل هو واجب أم مستحب أم مباح أم مكروه أم محرم. وأصل هذه الخماسية أن الفقهاء عرّفوا الحكم الشرعي التكليفي بأنه «الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء (الطلب) أو التخيير».  أي أن الحكم التكليفي عند الفقهاء يتلخص في ثنائية الإقتضاء والتخيير. ثم قسموا الإقتضاء إلى طلب فعل وطلب ترك، وميزوا بين الطلب الجازم وغير الجازم، مما نتج عنه أربع احتمالات وهي: الواجب (طلب فعل جازم) والمحرم (طلب ترك جازم) والمستحب (طلب فعل غير جازم) والمكروه (طلب ترك غير جازم). وأما التخيير فهو الإباحة.  فتمّت أحكام شرعنا خمسة أحكام تكليفية.
والواجب كما رأيت، يقابله المحرم، فيشكلان ثنائية متقالبة وهي ثنائية «الواجب والمحرم»، أي أن أقسام الحكم الشرعي التكليفي كما استقر عليه العلماء يفترض ثنائية متقابلة وهي ثنائية الواجب والمحرم، ولكن التحريم داخل في ثنائية أخرى وهي ثنائية «الحلال والحرام»، وإذا كان الشيء حراما فهو بذلك محرم، ولكن إذا كان حلالا فلا يعني ذلك أنه واجب، فقد يكون مباحا أو مستحبا أو حتى مكروها. فالثنائيتان؛ ثنائية الواجب والمحرم، وثنائية الحلال والحرام غير متماثلتين، ولا تتفقا، إلا أن المنظومة الفقهية الموروثة تخلط بينهما باستمرار.
ومن أشكال الخلط بين الثنائيتين، ما قاله الحافظ ابن حجر  في شرحه لحديث النعمان بن البشير – رضى الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم –: «الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهة» إذ يقول:
«قوله: الحلال بيّن والحرام بيّن … فيه تقسيم للأحكام إلى ثلاثة أشياء، وهو صحيح لأن الشيء إما أن ينص على طلبه مع الوعيد على تركه، أو ينص على تركه مع الوعيد على فعله، أو لا ينص على واحد منهما. فالأول: الحلال البيّن، والثاني: الحرام البيّن.» انتهى.
فكأن ابن حجر بذلك قد عرَّف الحلال بأنه ما «نص على طلبه مع الوعيد على تركه»، وهذا بعيد عن الحقيقة، فإنما ذلك تعريف الواجب وليس الحلال. فابن حجر هنا يجعل ثنائية الواجب والمحرم مرادفا لثنائية الحلال والحرام، في حين أنهما لا يستويان.
وهذا الخلط بين هاتين الثنائيتين من «أعراض» الخلل الكامن في منظومة أصول الفقه، أما «حقيقة» هذا الخلل فهو تمحور الفقه حول «فعل العبد» كما سنبين في المبحث الثاني. أما «السبب» وراء هذا الخلل فهو انفصال الاجتهاد عن الآلية التنفيذية، كما سنبين في المبحث الخامس من الفصل الثاني.ـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: