Live from Cairoston

أشرنا في المقدمة إلى أن الفقه الموروث يخلط بين ثنائية الحلال والحرام وثنائية الواجب والمحرم، وسنفصل في طبيعة هذا الخلط في هذا المبحث إن شاء الله.
إن الله هو رب العالمين، وهو الملك، ولكل ملك حمى، وحمى الله في الأرض محارمه، كما ورد في الحديث «ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله في الأرض محارمه».  فأما ما بَعُد عن الحمى، فللإنسان الانتفاع به، ولكنه كلما اقترب من الحمى، أوشك أن يقع في الممنوع عنه. فما كان خارجا عن الحمى فهذا هو الحلال، وما كان داخل الحمى فتلك محارم الله، وهو الحرام. ذلك مَثَل الحلال والحرام، ونسمي ثنائية الحلال والحرام هذه بثنائية «أحكام الانتفاع»، لأنها أحكام تتناول تنظيم انتفاع الناس بما استخلفهم الله فيه. وموضوع أحكام الانتفاع: ملك الله.
وخلق الله الناس أمما، وأرسل لكل أمّة نذير، ومن بين تلك الأمم أمّة، خرج منها خاتم النبين وأوتيت آخر الكتب، هي أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – وكتابها القرآن. وكلف الله هذه الأمّة، أفرادا وجماعات بواجبات، ليقوموا بدورهم بين أمم الأرض. ولأن الإنسان من طبعه إما الإفراط في تأدية الواجبات أو التفريط فيها، نهاهم عما يؤدي إلى الإفراط أو التفريط في تأدية تلك الواجبات، ليستقيم أداء التكليف في حده المقصود. فهو بذلك أوجب على أمّة محمد – صلى الله عليه وسلم – أشياء ونهى عن سبل الإفراط والتفريط فيها. ذلك مَثَل الواجب والمحرم، ونسمي ثنائية الواجب والمحرم هذه بثنائية «أحكام التكليف»، لأنها أحكام تتناول ما كلف الله به أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – من واجبات، والمحرمات التي تنظم أداء تلك الواجبات. وموضوع أحكام التكليف: فعل العبد.
فقوله صلى الله عليه وسلم: «الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات»،  يتناول الأمور الداخلة في نطاق أحكام الانتفاع، فمن ضمن «ملك الله» أشياء يحل الانتفاع بها، وأشياء يحرم الانتفاع بها، وبين هذه وتلك أشياء يشتبه على المرء هل هي من الحلال أم الحرام. فالمسألة برمتها في نطاق ثنائية الحلال والحرام. ولكن المنظومة الأصولية الموروثة دمجت هذه الثنائية وأدخلتها في نطاق أحكام التكليف، الذي يتناول ما كلف الله العبد القيام به، فصار ما يحرم الانتفاع به هو ما كلف الله العبد بتركه، وما يحل الانتفاع به هو ما كلف الله العبد بفعله، كما أشار ابن حجر رحمه الله. ولأنه واضح وبيّن أن الحلال ليس هو الواجب، إذ أن المرء لا يأثم بعدم فعل الحلال، تداركت المنظومة الأصولية هذه المفارقة من خلال اعتبار أن كليات الحلال واجبة، وجزئياتها مستحبة أو مباحة أو مكروهة. فأكل الطيبات مثلا، في أصله حلال، وأكل الطيبات بشكل عام (كلي) واجب، لحفظ حياة المرء، أما تفاصيل أكل الطيبات (الجزئية) فإما مستحب أو مباح أو مكروه تبعا للظروف المحيطة بالفعل وما يؤول إليه. وهذا كله – في نظرنا – محاولة لتصحيح السلبيات الناتجة من دمج ثنائية الحلال والحرام في ثنايا ثنائية الواجب والمحرم، وهي تصحيحات أخطأت الهدف ولم تصبه، بل ترتبت عليها جملة من التعقيدات الأخرى.
إذا فمنظومة أصول الفقه – في تحليلنا – يعاني من خلل يظهر أعراضه في عدم التمييز بين أحكام الانتفاع التي تتناول ملك الله وتدور بين الحل والحرمة، وأحكام التكليف التي تتناول فعل العبد وتدور بين الوجوب والتحريم. فبدلا من التمييز بين مجموعتين من الأحكام، الأولى تتمحور حول ملك الله، والثانية حول فعل العبد، سادت أحكام التكليف وصار فعل المكلف هو بؤرة الاهتمام. وأصبح الحرام مرادفا للمحرم، والحلال مرادفا لمجموعة الواجب والمندوب والمباح، مع اشتباه موقع المكروه، فلا هو حرام فيلحق به، ولا حلال فتطمئن إليه النفس وتنتفع به، وهذا كله مخل وفاسد. فكما أن الحلال يختلف عن الواجب كما اشرنا، فإننا نميز بين الحرام والمحرم،  إذ أن الحرام هو ما يشير إلى محارم الله في الأرض. الحرام هو ما دخل في حمى الملك كما ورد في الحديث. الحرام هو ما يقيد انتفاع الإنسان بما في الأرض. أما المحرم في سياق أحكام التكليف، فهو الإفراط أو التفريط في أداء الواجبات، فالمحرم ليس مرتبطا بحمى الله في الأرض، وإنما لإرشاد أمّة محمد – صلى الله عليه وسلم – إلى كيفية أداء ما كُلِفَت به من واجبات على أكمل وجه دون إفراط أو تفريط.ـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: