Live from Cairoston

وهذا يأتي بنا إلى «حقيقة الخلل»، وهي أعمق من مجرد «أعراض الخلل»، فحقيقة الخلل – في تحليلنا – هو تمحور منظومة أصول الفقه حول «فعل العبد» الدائر بين الواجب والمحرم، أي أن دمج ثنائية الحلال والحرام في ثنايا الواجب والمحرم وعدم التمييز بين أحكام الانتفاع وأحكام التكليف هي من ضمن أعراض خلل تمحور منظومة أصول الفقه حول «فعل العبد»، والذي لا يصلح كمحور لتلك المنظومة.
فالتعريف الاصطلاحي للفقه هو «العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية»،  أما علم أصول الفقه، فهو «المناهج التي تحد وتبين الطريق الذي يلتزمه الفقيه في استخراج الأحكام الشرعية من أدلتها».  أي أن علم أصول الفقه يتناول منهج معرفة الحكم الشرعي، أما الحكم الشرعي هو «الوصف الذي يعطيه الشارع لما يتعلق بأفعال المكلفين، كأن يقال أنه حرام أو مكروه و مطلوب أو مباح ».  وهذا كله يعني أن الفقه هو «العلم بالوصف الذي يعطيه الشارع لأفعال المكلفين». فالمسألة في النهاية تهتم بمعرفة وصف الشارع لفعل الملكف، هل هو واجب أو مستحب أو مباح أو مكروه أو محرم، وهذه المعرفة تكون إما معرفة مباشرة من النصوص، أو معرفة غير مباشرة من خلال القياس على ما له حكم شرعي منصوص. هذا هو هم علم الفقه. أم أصول الفقه، فيهتم بالمناهج التي بها يعرف هذا الوصف.
هذا ما نعنيه بتمحور منظومة الفقه وأصوله حول «فعل العبد». ومن سلبيات هذا التمحور، فتح المجال للمخارج والحيل وسطحية أداء التكليف، كما نزع التكليف بشكل عام من سياقه، فصار الاهتمام منصبا على «الفعل» دون الاهتمام بالصورة الكلية التي يجب أن يتم في سياقها هذا الفعل. وإن كانت نظرية مقاصد الشرعية طُورت لسد هذه الثغرة، إلا أنها، كغيرها من سبل تدارك هذا الخلل، أخطأت الهدف ولم تصبه.
ونحن نذهب في هذه الأطروحة إلى أن الخطوة الأولى لإصلاح خلل تمحور منظومة أصول الفقه حول «فعل العبد» هو اعتبار أن المحور الصحيح لمنظومة أصول الفقه هو «مسؤولية العبد». ذلك بأن لكل عبد مكلف نطاق يستطيع أن يؤثر فيه خلال الحياة الدنيا وسيسأله الله عنه يوم القيامة. فعن عبد الله بن عمر – رضى الله عنهما – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته…».
فكل عبد مكلف له نطاق يعمل من خلاله على حماية حمى الله، وهذا النطاق هو نطاق «مسؤوليته». فمن خصائص العبد المكلف أنه مستخلف وأنه «مسؤول أمام الله عما استخلف فيه». وهذه المسؤولية تشمل الإعانة على إقامة أحكام التكليف والحماية من دخول الحمى وانتهاك حرمات الله.
ومن الأحاديث الجامعة التي تظهر نموذج مسؤولية العبد قوله – صلى الله عليه وسلم –: «علموا أولادكم الصلاة إذا بلغوا سبعا، واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا، و فرقوا بينهم في المضاجع».  فالصلاة من أحكام التكليف كما سنبين، والتفريق في المضاجع راجع إلى تنظيم العلاقة بين الجنسين وهو من اختصاصات أحكام الانتفاع كما سنوضح، والنبي – صلى عليه وسلم – ينبّه الآباء إلى مسؤوليتهم عن أبناءهم وأن عليهم إعانتهم على إقامة أحكام التكليف من خلال التعليم، وحمايتهم من انتهاك حرمات الله من خلال الوقاية. فمسؤولية الراعي عن الرعية تشمل، ولا تنحصر في، الإعانة على إقامة أحكام التكليف والانتفاع.
وهذه «المسؤولية»؛ مسؤولية العبد عن نفسه ورعيته، فيحميههم من الدخول في حمى الله، ويعينهم على إقامة تكاليف الله، نراها جديرة بأن تكون محورا لمنظومة أصول الفقه. ومن ثم فإننا نطرح في هذه الأطروحة نموذجا أصوليا خلاصته أن كل عبد مسؤول عن رعية من حيث مراعاتهم لأحكام الانتفاع والتكليف. فبدلا من تمحور منظومة أصول الفقه حول «فعل العبد» فالأحرى أن يتمحور حول «مسؤولية العبد». ونرى أن هذه أولى خطوات إصلاح الخلل الذي يعاني منه منظومة أصول الفقه الحالية وهو خلل تمحوره حول «فعل العبد» مما يخرج التكليف عن سياقه. وأثار هذا التصحيح يتجاوز تغيير المسميات، حيث يصحح منظومة أصول الفقه تصحيحا جذريا يؤتي ثمره في تسديد عملية الاجتهاد. ـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: