Live from Cairoston

المطلب الأول:التأسيس من النصوص
تستند أحكام الانتفاع إلى ثنائية الحلال والحرام ويقصد بها ما هو خارج أو داخل في حمى الله، ومثال عليها قوله تعالى: ﴿فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون ۝ إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم ۝ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون﴾ (النحل 114 – 116).
وهي المشار إليها في قوله – صلى الله عليه وسلم –: «الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهة»،  وقوله – صلى الله عليه وسلم –: «الحلال ما أحل الله والحرام ما حرم الله وما سكت عنه فهو مما عفا عنه»،  وقوله – صلى الله عليه وسلم –: «إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته».  فعماد أحكام الانتفاع ثنائية الحلال والحرام.
أما أحكام التكليف، فتستند إلى ثنائية الواجب والمحرم ويقصد بها التكاليف التي كلف الله بها أمّة محمد – صلى الله عليه وسلم – بلا إفراط ولا تفريط، ومثال عليها قوله تعالى: ﴿وأتمو الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب﴾ (البقرة 196).
وهي المشار إليها في قوله – صلى الله عليه وسلم – وقد سئل هل الحج في كل عام؟ قال: «لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم»، ثم قال: «ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه».  وهي المشار إليها في قوله: «سددوا وقاربوا، وأبشروا. فإنه لن يدخل الجنة أحدا عمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا. إلا أن يتغمدني الله منه برحمة. واعلموا أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل».  وفي وصية النبي – صلى الله عليه وسلم – لمعاذ – رضى الله عنه – لما بعثه إلى اليمن إذ قال: «إنك تأتي قوما أهل كتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم».
والحديث الجامع بين الثنائيتين – ثنائية الحلال والحرام وثنائية الواجب والمحرم – هو قوله – صلى الله عليه وسلم –: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها».
فقوله – صلى الله عليه وسلم –: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعدوها»، إشارة إلى ما كلف الله به عباده مع نهيه عن الإفراط أو التفريط فيها (ثنائية الواجب والمحرم – أحكام التكاليف).
وقوله: «ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها»، إشارة إلى حمى الله في الأرض، والمحارم التي ينبغي ألا تنتهك، فالخارج عنها حلال، والداخل فيها حرام (ثناية الحلال والحرام – أحكام الانتفاع).
وقوله: «وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها» فأدب المكلف مع الله بصفة عامة – أثناء زمن النبوة ونزول والوحي – فيما يخص أحكام التكليف وأحكام الانتفاع.
ويجب على العبد النظر إلى أحكام الانتفاع والتكليف من خلال منظور استخلافه في الأرض بشكل عام، ومسؤوليته عن رعيته بشكل خاص. وهذه الخلافة والمسؤولية هي المشار إليها في قوله تعالى: ﴿وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم﴾ (الأنعام 165). فإن الله استخلف الإنسان في الأرض، وجعل الناس درجات، لا تفضيلا، وإنما من حيث المسؤولية، فالراعي فوق رعيته، أي أنه مسؤول عنهم أمام الله. وهذه المسؤولية فرع من فروع الابتلاء والاختبار الذي هو أصل سبب وجود الإنسان في الحياة الدنيا ﴿الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور﴾ (الملك 2). فالحياة الدنيا دار ابتلاء واختبار، ومن فروع هذا الابتلاء المسؤولية عمن تحتك من رعية، ومن أهم أشكال هذه المسؤولية إعانتهم على طاعة الله من خلال إقامة أحكام التكليف وأحكام الانتفاع.
وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في قوله: «ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته ، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».  وشدد – صلى الله عليه وسلم – على أهمية أداء هذه المسؤولية في قوله «ما من عبد استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصيحة، إلا لم يجد رائحة الجنة».  وسبق الإشارة إلى حديث النبي الموجه إلى الآباء المسؤولين عن أبناءهم والذي حضهم فيها على إعانة أبناءهم على إقامة أحد أحكام التكليف وهو الصلاة، وأحكام الانتفاع المنظمة للعلاقة بين الجنسين، وذلك في قوله: «علموا أولادكم الصلاة إذا بلغوا سبعا، واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا، و فرقوا بينهم في المضاجع».
ومن النصوص التي ذكرناها وغيرها كثير اسقرأنا هذا التمييز بين أحكام الانتفاع وأحكام التكليف وعلاقتهما بمسؤولية العبد عن رعيته كفرع من فروع الابتلاء. وهذا النموذج؛ نموذج «مسوؤلية العبد» هو جزء من صورة كلية نتصورها لعلاقة العبد بربه ودوره في هذه الدنيا وعلاقته بالآخرين من حوله وعلاقة الأمّة بغيرها من الأمم وما إلى ذلك من مسائل وأسئلة كبرى، إلا أننا نكتفي بهذه الإطلالة على نموذج «مسؤولية العبد» على أن نتناول سائر تفاصيل الصورة الكلية في كتابنا «منّة الله الباقية»، بإذن الله.ـ

المطلب الثاني: نماذج من أحكام الانتفاع

أحكام الانتفاع هي التي تتناول وتنظم الأمور التي يقوم بها الإنسان بغض النظر عن إيمانه بالله، وذلك مثل الأكل والشرب والزواج واللباس  والتجارة والصناعة والزراعة. وأصل هذه الأحكام النهي عن الدخول في حمى الله وتناول الحرام، وبالتالي فأيا كانت صيغة الأمر أو النهي فلُبّ الموضوع منع الناس من دخول الحمى. فكأن المقصد من أحكام الانتفاع تنظيم أمور المعاش لمنع الدخول في الحمى وانتهاك المحرمات.
أمثلة على أحكام الانتفاع
أولا: الأطعمة واللباس
أطلق الله للإنسان حرية الانتفاع بما في الأرض من أطعمة ولكنه حرم عليه أصنافا معينة من الأكل كالميتة والدم ولحم الخنزير (إلا في حالة الضرورة وتقدر بقدرها). كما أطلق الله للإنسان الانتفاع بما استخلف فيه من زينة، بل واستنكر على من حرم أشياء منها ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعبادة﴾ (الأعراف 32). ويجب التفريق بين موقف أنواع اللباس المختلفة من الحل والحرمة، وبين موقف أعضاء الجسد من حيث وجوب التغطية. فالأول يدخل في أحكام الانتفاع كقوله – صلى الله عليه وسلم –: «أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها»،  أما الثاني فيدخل في أحكام التكليف كقول الله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ (الأحزاب 59).
ثانيا: التجارة
فطن الانسان إلى أنه قد يريد شيئا في حوزة غيره فيطلبه منه ويعوضه عنه بعوض مناسب، وقد يشتري شيئا بسعر أقل مما يبيعه به فيربح  من جراء ذلك، وأطلق الله للإنسان هذا التبادل ولكنه حرم عليه انتهاك حرمة أموال الآخرين أثناءها. فحرم الله السرقة والربا والغش في الكيل والميزان، وما إلى ذلك. فأطلق الله الانتفاع بما في الأرض من أموال مع تحريم طرق معينة في تحصيل هذه المنافع.
ثالثا: العلاقة بين الرجل والمرأة
العلاقة بين الرجل والمرأة من الأمور الغريزية، وقد من الله على الناس بها ﴿ومن أياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾ (الروم 21). وأطلق الله للإنسان حرية السعي في ملك الله واختيار من أراد ليستأنس معه. ولكن الله، وهو الملك، حرم على الإنسان أصناف من البشر لا يجوز الارتباط بهم (المحارم)، كما حرم أشكالا من هذا الارتباط، فحرم مثلا أن تكون مجرد علاقة عابرة بلا زواج (وهو تحريم الزنا)، وحرم كذلك الزيادة على عدد معين من الأزواج. وإن كان الهدف من هذا الارتباط الاستئناس وبناء الاسرة، إلا أن الله لم يحرم انهاء هذا الارتباط (الطلاق) ولكنه حرم أن يكون في هذا الإنهاء ظلم لأحد الطرفين. فأنت ترى أن الله ترك للإنسان وللمجتمع حرية الانتفاع والتمتع بهذا الميل الطبيعي وتحويله إلى علاقة حقيقية بين الرجل والمرأة تبعا لما تعارفوا عليه، ولكنه وضع حدودا لا يجوز تعديها لأنه هو الملك، ولكل ملك حمى، وحمى الله محارمة.
ومن الآيات الجامعة لأحكام الانتفاع وما دخل في الحمى قوله تعالى: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياكم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ۝ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون ۝ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون﴾ (الأنعام 151 – 153). فاشتملت هذه الآيات على أهم المحارم الداخلة في الحمى، وهي محارم على الإنسان الابتعاد عنها، وتشمل: الشرك بالله وعقوق الوالدين، والقتل، والفواحش وأكل مال اليتيم والغش وشهادة الزور والابتداع في الدين واتباع السبل المضلة عن سبيل الله. فكل هذه المحارم داخلة في الحمى، وعلى العبد الابتعاد عنها.ـ

المطلب الثالث: أحكام التكليف
وهناك أحكام تنشيء أفعالا للمؤمنين، وذلك مثل العبادات والدعوة إلى الله والتعاون على البر والتقوى، وأصل هذه الأحكام طلب شيء خاص من المؤمنين. وبالتالي فأيّا كانت صيغة الأمر أو النهي فلُبّ الموضوع هو طلب الذين آمنوا أن يقوموا بمهمة كلفوا بها على أتم وجه ممكن ودون إفراط أو تفريط.
أمثلة على أحكام التكليف
كلف الله أمّة محمد بالدعوة إلى الله، وإمام دعاة هذه الأمّة هو رسولنا الكريم محمد – صلى الله عليه وسلم –، قال تعالى: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا﴾ (الأحزاب 45 و46). والأمّة المسلمة شريكة النبي – صلى الله عليه وسلم – في أداء هذا التكليف، ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين﴾ (يوسف 108).
وكلف الله عباده المؤمنين بعبادته من خلال طرق مختلفة، فكلفهم بالصلاة خمسا والصيام شهرا وزيارة البيت حجا، فضلا عن تزكية أموالهم بإخراج نصيب الآخرين منها. كما كلفنا الله بعبادات أخرى من خلال تكليف عام كلي، مثل التكليف بالتوبة والذكر والشكر، وندبنا إلى نوافل العبادات الواجبة مثل الصلاة والصيام في غير أوقاتها الواجبة والصدقة إلى جانب الزكاة، والعمرة دون الحج.
وكلف الله المؤمنين قائلا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (المائدة:2). وأمرهم باجتناب ما يؤدي إلى التفريط في هذه الأحكام مثل الخمر والميسر؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۝ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ (المائدة 90-91).ـ

المطلب الرابع: محور المسؤولية
ويجب النظر إلى أحكام الانتفاع والتكليف من خلال منظور «مسؤولية العبد»، إذ أن كل عبد موكول برعية سيسأل عنها يوم القيامة. ولذلك فقول الله تعالى: ﴿ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ (البقرة 220) وقوله: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا﴾ (النساء 5) وقوله: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ (النساء 11) و قوله: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم﴾ (النساء 34)، كلها آيات تدل على أصل «مسؤولية العبد»، ومكانتها في التشريع.ـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: