Live from Cairoston

مقدمة
الاجتهاد في عرف الفقهاء والأصوليين هو «استفراغ الجهد وبذل غاية الوسع من أجل استنباط الأحكام الشرعية». أو بمعنى آخر فإن المنظومة الفقهية المتمحورة حول «فعل العبد» يعتبر الاجتهاد عملية بذل الجهد لمعرفة «الوصف الذي يعطيه الشارع لما يتعلق بأفعال المكلفين».  وقد سبق أن أشرنا إلى ضرورة إزاحة محور الفقه عن «فعل العبد» واعتبار «مسؤولية العبد» بديلا عنه. ومن ثم فإن الاجتهاد في المنظومة الفقهية المتمحورة حول «مسؤولية العبد» هو: «قيام المسؤول باستفراغ الجهد وبذل غاية الوسع من أجل أداء المسؤولية تجاة رعيته على أتم وجه ممكن».
ومن خلال هذا التعريف، فإن التأسيس للاجتهاد من خلال نموذج «مسؤولية العبد» يتطلب الحديث عن: 1- تعيين الراعي المجتهد 2- استفراغ الجهد وبذل غاية الوسع، 3- تعيين الرعية موضوع الاجتهاد 4- متطلبات أداء المسؤولية على أتم وجه ممكن.

المطلب الأول: عناصر الاجتهاد في نموذج «مسوؤلية العبد»
أولا: المسؤول المجتهد والرعية المجتهد لها
إذا كان كل عبد مكلف راع ومسؤول عن رعيته، فإن الاجتهاد في المنظومة الفقهية المتمحورة حول «مسؤولية العبد» تتطلب أن كل عبد مكلف مجتهِد، وكل رعية مجتهَد لها. ونعرض هنا أربعة أمثلة لثنائية «المسؤول والرعية» ومسار الاجتهاد بينهما:
المثال الأول هو المسؤول ونفسه، إذ أن كل عبد مكلف مسؤول بالدرجة الاولى عن عمله هو وإقامته هو لأحكام الانتفاع وأحكام التكليف. والمسؤول في هذه الحالة يجتهد من أجل التأكد من أنه لا ينتهك حرمة من حرمات الله وأنه يؤدي ما كلفه الله به على أتم وجه ممكن. وعلى المسؤول مراعاة نفسه عند الاجتهاد فلا يحملها أكثر مما تطيقه وأن يتدرج معها ويخطط لها من أجل الارتقاء بمستوى مراعاتها لأحكام الله.
المثال الثاني هو المسؤول وأسرته، فالرجل سواء أكان زوجا أو أبا؛ مسؤول عن أهله، والمرأة كذلك، سواء أكانت زوجة أو أما؛ مسؤولة عن بيتها «والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته ، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم»،  وعلى المسؤول في هذه الحالة أن يجتهد من أجل حماية رعيته من انتهاك حرمات الله ومن أجل إعانتهم على أداء تكاليف الله. ووصايا لقمان لابنه (لقمان 13 – 19) وحديث النبي – صلى الله عليه وسلم – حول تعليم الأبناء الصلاة والتفريق بينهم في المضاجع أمثلة على ذلك. وعلى المسؤول مراعاة طاقة أفراد أسرته وخصوصية كل حالة عند الاجتهاد، وأن يتدرج معها ويخطط لهم من أجل الارتقاء بمستوى مراعاتهم لأحكام الله.
المثال الثالث هو المسؤول ومال سيده، فالعبد المكلف المؤتمن على مال سيده – بالمعنى الحقيقي أو المجازي لكلمة «سيد» – مسؤول عن هذا المال «وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه»،  وعلى المسؤول في هذه الحالة أن يجتهد من أجل حماية هذا المال من التبديد أو اختلاطه بما حرم الله الانتفاع به أو من زيادته بطرق حرمها الله.
المثال الرابع هو الإمام الحاكم والناس، فالحاكم مؤتمن على من يحكمهم «فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته»،  وعليه أن يجتهد من أجل حمايتهم من انتهاك حرمات الله ومن أجل إعانتهم على أداء تكاليف الله، والخلفاء الراشدون نجوم يهتدى بها في هذا المجال.
فالاجتهاد في نموذج «مسؤولية العبد» هو عملية يقبل عليها المسؤول من أجل أداء مسؤوليته تجاة رعيته على أكمل وجه، ومن أجل ذلك فإن هذا النموذج يشترط أن يصدر الاجتهاد من مجتهد مسؤول عن الرعية المجتهد لها. أما ما يصدر عن غير المسؤول، فلا يعتبره نموذج «مسؤولية العبد» اجتهادا، وإنما يعتبره نصيحة موجهة من الناصح إلى المسؤول.
ثانيا: استفراغ الجهد وبذل الوسع عند الاجتهاد
وإذا كان المجتهد هو المسؤول عن الرعية موضوع الاجتهاد، فهذا لا يعني أن يقبل على الاجتهاد بمفرده. فإن «استفراغ الجهد وبذل غاية الوسع» قد يتطلب من المجتهد استشارة أهل العلم وذوي الخبرة سواء أكانوا من الرعية نفسها أو من خارجها، من أجل التأكد من هذا الاجتهاد هو أفضل ما يمكن التوصل إليه، فيغلب الظن أنه سيعينه حقا على أداء مسؤوليته على أتم وجه ويدعم إقامة رعيته لأحكام الله بما لا يخرج عن طاقتهم.
فالشورى من دعائم الاجتهاد في نموذج «مسؤولية العبد»، إذ من خلال الشورى يتعرض المجتهد لجوانب متعددة مختلفة من المسألة قد تكون غائبة عنه، ويتأكد من أن هذا الاجتهاد لا يتعارض مع كتاب الله ولا سنة رسوله – صلى الله عليه وسلم –، وأن هذا الاجتهاد غالبا ما سيجلب الثمار المرجوة دون تحميل الرعية فوق طاقتها. وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو إمام الأمّة ﴿وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين﴾ (آل عمران 159). فتحقيق هذه الجوانب؛ النظر في جميع البدائل المطروحة، والتأكد من أن الاجتهاد لا يتعارض مع الدين، وأنه يغلب الظن بأنه سيؤتي الثمار المرجوة، وأنه لن يحمل الرعية فوق طاقتها، من أهم معايير «استفراغ الجهد وبذل غاية الوسع عند الاجتهاد».
ثالثا: آلية تنفيذ الاجتهاد
إذا استفرغ المسؤول جهده وبذل غاية وسعه للوصول إلى ما يعينه على أداء دوره تجاه رعيته، فإن هذا الاجتهاد يظل قاصرا ما لم يقترن بالتنفيذ ليتحول من الرأي النظري إلى تطبيق العملي. ولذلك فإن الأمثلة الأربعة التي ذكرناها لثنائية المسؤول والرعية، تفترض تمكن المسؤول من تنفيذ اجتهاده في رعيته. فالعبد المتمكن من تصرفات نفسه هو العبد العاقل المكلف، والأسرة إذا كانت مترابطة وسليمة استطاع المسؤول فيها أن يحول اجتهاده إلى واقع. والمسؤول عن مال سيده مؤتمن في هذا المال ويستطيع التصرف فيها، فهو بذلك قادر على تنفيذ اجتهاده في إطار ما لديه من حرية تصرف. وفي حالة الدولة القوية، تستطيع الجهة الحاكمة أن تحول الاجتهاد إلى تشريع تنفذه السلطة التنفيذية، أما في حالة الدولة الضعيفة، فإن هذا الارتباط بين التشريع والتنفيذ ينحل فلا يطبق الاجتهاد أو يطبق بشكل جزئي فلا يؤتي ثمره.ـ

المبحث الثاني: التأسيس للاجتهاد في إطار نموذج «مسؤولية العبد»

مقدمة

الاجتهاد في عرف الفقهاء والأصوليين هو «استفراغ الجهد وبذل غاية الوسع من أجل استنباط الأحكام الشرعية». أو بمعنى آخر فإن المنظومة الفقهية المتمحورة حول «فعل العبد» يعتبر الاجتهاد عملية بذل الجهد لمعرفة «الوصف الذي يعطيه الشارع لما يتعلق بأفعال المكلفين».[1] وقد سبق أن أشرنا إلى ضرورة إزاحة محور الفقه عن «فعل العبد» واعتبار «مسؤولية العبد» بديلا عنه. ومن ثم فإن الاجتهاد في المنظومة الفقهية المتمحورة حول «مسؤولية العبد» هو: «قيام المسؤول باستفراغ الجهد وبذل غاية الوسع من أجل أداء المسؤولية تجاة رعيته على أتم وجه ممكن».

ومن خلال هذا التعريف، فإن التأسيس للاجتهاد من خلال نموذج «مسؤولية العبد» يتطلب الحديث عن: 1- تعيين الراعي المجتهد 2- استفراغ الجهد وبذل غاية الوسع، 3- تعيين الرعية موضوع الاجتهاد 4- متطلبات أداء المسؤولية على أتم وجه ممكن.

المطلب الأول: عناصر الاجتهاد في نموذج «مسوؤلية العبد»

أولا: المسؤول المجتهد والرعية المجتهد لها

إذا كان كل عبد مكلف راع ومسؤول عن رعيته، فإن الاجتهاد في المنظومة الفقهية المتمحورة حول «مسؤولية العبد» تتطلب أن كل عبد مكلف مجتهِد، وكل رعية مجتهَد لها. ونعرض هنا أربعة أمثلة لثنائية «المسؤول والرعية» ومسار الاجتهاد بينهما:

المثال الأول هو المسؤول ونفسه، إذ أن كل عبد مكلف مسؤول بالدرجة الاولى عن عمله هو وإقامته هو لأحكام الانتفاع وأحكام التكليف. والمسؤول في هذه الحالة يجتهد من أجل التأكد من أنه لا ينتهك حرمة من حرمات الله وأنه يؤدي ما كلفه الله به على أتم وجه ممكن. وعلى المسؤول مراعاة نفسه عند الاجتهاد فلا يحملها أكثر مما تطيقه وأن يتدرج معها ويخطط لها من أجل الارتقاء بمستوى مراعاتها لأحكام الله.

المثال الثاني هو المسؤول وأسرته، فالرجل سواء أكان زوجا أو أبا؛ مسؤول عن أهله، والمرأة كذلك، سواء أكانت زوجة أو أما؛ مسؤولة عن بيتها «والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته ، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم»،[2] وعلى المسؤول في هذه الحالة أن يجتهد من أجل حماية رعيته من انتهاك حرمات الله ومن أجل إعانتهم على أداء تكاليف الله. ووصايا لقمان لابنه (لقمان 13 – 19) وحديث النبي – صلى الله عليه وسلم – حول تعليم الأبناء الصلاة والتفريق بينهم في المضاجع أمثلة على ذلك. وعلى المسؤول مراعاة طاقة أفراد أسرته وخصوصية كل حالة عند الاجتهاد، وأن يتدرج معها ويخطط لهم من أجل الارتقاء بمستوى مراعاتهم لأحكام الله.

المثال الثالث هو المسؤول ومال سيده، فالعبد المكلف المؤتمن على مال سيده – بالمعنى الحقيقي أو المجازي لكلمة «سيد» – مسؤول عن هذا المال «وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه»،[3] وعلى المسؤول في هذه الحالة أن يجتهد من أجل حماية هذا المال من التبديد أو اختلاطه بما حرم الله الانتفاع به أو من زيادته بطرق حرمها الله.

المثال الرابع هو الإمام الحاكم والناس، فالحاكم مؤتمن على من يحكمهم «فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته»،[4] وعليه أن يجتهد من أجل حمايتهم من انتهاك حرمات الله ومن أجل إعانتهم على أداء تكاليف الله، والخلفاء الراشدون نجوم يهتدى بها في هذا المجال.

فالاجتهاد في نموذج «مسؤولية العبد» هو عملية يقبل عليها المسؤول من أجل أداء مسؤوليته تجاة رعيته على أكمل وجه، ومن أجل ذلك فإن هذا النموذج يشترط أن يصدر الاجتهاد من مجتهد مسؤول عن الرعية المجتهد لها. أما ما يصدر عن غير المسؤول، فلا يعتبره نموذج «مسؤولية العبد» اجتهادا، وإنما يعتبره نصيحة موجهة من الناصح إلى المسؤول.

ثانيا: استفراغ الجهد وبذل الوسع عند الاجتهاد

وإذا كان المجتهد هو المسؤول عن الرعية موضوع الاجتهاد، فهذا لا يعني أن يقبل على الاجتهاد بمفرده. فإن «استفراغ الجهد وبذل غاية الوسع» قد يتطلب من المجتهد استشارة أهل العلم وذوي الخبرة سواء أكانوا من الرعية نفسها أو من خارجها، من أجل التأكد من هذا الاجتهاد هو أفضل ما يمكن التوصل إليه، فيغلب الظن أنه سيعينه حقا على أداء مسؤوليته على أتم وجه ويدعم إقامة رعيته لأحكام الله بما لا يخرج عن طاقتهم.

فالشورى من دعائم الاجتهاد في نموذج «مسؤولية العبد»، إذ من خلال الشورى يتعرض المجتهد لجوانب متعددة مختلفة من المسألة قد تكون غائبة عنه، ويتأكد من أن هذا الاجتهاد لا يتعارض مع كتاب الله ولا سنة رسوله – صلى الله عليه وسلم –، وأن هذا الاجتهاد غالبا ما سيجلب الثمار المرجوة دون تحميل الرعية فوق طاقتها. وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو إمام الأمّة ﴿وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين﴾ (آل عمران 159). فتحقيق هذه الجوانب؛ النظر في جميع البدائل المطروحة، والتأكد من أن الاجتهاد لا يتعارض مع الدين، وأنه يغلب الظن بأنه سيؤتي الثمار المرجوة، وأنه لن يحمل الرعية فوق طاقتها، من أهم معايير «استفراغ الجهد وبذل غاية الوسع عند الاجتهاد».

ثالثا: آلية تنفيذ الاجتهاد

إذا استفرغ المسؤول جهده وبذل غاية وسعه للوصول إلى ما يعينه على أداء دوره تجاه رعيته، فإن هذا الاجتهاد يظل قاصرا ما لم يقترن بالتنفيذ ليتحول من الرأي النظري إلى تطبيق العملي. ولذلك فإن الأمثلة الأربعة التي ذكرناها لثنائية المسؤول والرعية، تفترض تمكن المسؤول من تنفيذ اجتهاده في رعيته. فالعبد المتمكن من تصرفات نفسه هو العبد العاقل المكلف، والأسرة إذا كانت مترابطة وسليمة استطاع المسؤول فيها أن يحول اجتهاده إلى واقع. والمسؤول عن مال سيده مؤتمن في هذا المال ويستطيع التصرف فيها، فهو بذلك قادر على تنفيذ اجتهاده في إطار ما لديه من حرية تصرف. وفي حالة الدولة القوية، تستطيع الجهة الحاكمة أن تحول الاجتهاد إلى تشريع تنفذه السلطة التنفيذية، أما في حالة الدولة الضعيفة، فإن هذا الارتباط بين التشريع والتنفيذ ينحل فلا يطبق الاجتهاد أو يطبق بشكل جزئي فلا يؤتي ثمره.


[1] ما بين علامتي الاقتباس هو تعريف الحكم الشرعي

[2] سبق تخريجه

[3] سبق تخريجه

[4] سبق تخريجه

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: