Live from Cairoston

سنستعرض في هذا المبحث جملة من اجتهادات الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم من أجل اختبار مدى قدرة نموذج «مسؤولية العبد» على تفسير هذه الاجتهادات ورؤية ما إذا كانت عناصر الاجتهاد كما بيّناها موجودة بها أم لا. وقد فضلنا أن نناقش اجتهادات الخلفاء الراشدين بدلا من اجتهادات النبي – صلى الله عليه وسلم – لضمان عدم مساهمة الوحي في العملية الاجتهادية، فهناك فارق كبير في منهجية الاجتهاد المدعومة بالوحي والغير مدعومة. كما آثرنا اجتهادات الخلفاء الراشدين لأنها اجتهادات تمت في نفس الإطار؛ إطار الإمام والرعية، مع تعدد واختلاف نوع هذا الإمام (أبو بكر، عمر، عثمان وعلي رضى الله عنهم أجمعين).ـ

المطلب الأول: قتال مانعي الزكاة في عهد أبي بكر الصديق
روى البخاري عن أبي هريرة قال: «لما توفي النبي – صلى الله عليه وسلم – واستخلف أبو بكر، وكفر من كفر من العرب، قال عمر: يا أبا بكر، كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله. قال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم على منها، قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق».
المسؤول: أبو بكر الصديق، خليفة رسول الله.
الرعية المجتهد لها: صنف من المسلمين استمروا على الإسلام لكنهم جحدوا الزكاة وتأوّلوا بأنها خاصة بزمن النبي  – صلى الله عليه وسلم – لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصلى عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ (التوبة 103)، فقالوا: «فلسنا ندفع زكاتنا إلا إلى من صلاته سكن لنا».
سبب الاجتهاد: رأى أبو بكر أنه مسؤول عن الأمّة كخليفة لرسول الله، وأن مجموعة من رعيته قد فرّطوا في أحد أحكام التكليف وهو الزكاة.
استفراغ الجهد: شاور أبو بكر صحابته فيما أراد أن يقرره، وهو قتال من فرط في الزكاة، فعارضه عمر بأن ذلك مخالف لقول النبي – صلى الله عليه وسلم – بأن من قال لا إله إلا الله قد عصم ماله ونفسه إلا بحقه، فرد أبو بكر بأنه لا مخالفة، بل إن الزكاة حق المال، فلا بأس من مقاتلتهم من أجل ردهم عن تفريطهم.
التنفيذ: لم يكتفي أبو بكر رضي الله عنه بالتأكيد الشفهي والنظري على ضرورة دفع الزكاة، بل أرسل الجيوش لرد هؤلاء المانعين عن تفريطهم، وحقق ما كان يصبو إليه.
هنا اجتهد الخليفة المسؤول عن أولئك المسلمين الذين فرّطوا في أحد أحكام التكليف، ويقرر أن القتال هو أنسب وسيلة لردهم عن هذا التفريط، فيعترض عمر بن الخطاب على الاجتهاد بحجة مخالفته للسنة، فيثبت الصديق – رضى الله عنه – أنه ليس مخالفا، فينتهي الاعتراض وينفذ القرار. واعتبر أبو بكر أن الوسيلة التي توصل إليها باجتهاده كانت أنسب وسيلة في هذه الظروف وهذه الحالة. والوسائل قد تختلف تبعا لاختلاف الظروف، فانظر كيف تعامل خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز مع من منع الزكاة؛ روى الإمام مالك أنه بلغه أن عاملا لعمر بن عبد العزيز كتب إليه يذكر أن رجلا منع زكاة ماله فكتب إليه عمر: «أن دعه ولا تأخذ منه زكاة مع المسلمين». قال: فبلغ ذلك الرجل فاشتد عليه وأدى بعد ذلك زكاة ماله فكتب عامل عمر إليه يذكر له ذلك فكتب إليه عمر أن خذها منه.
فقد رأى عمر بن عبد العزيز آنذاك، كما رأى أبو بكر من قبله، أن من مسؤوليته كأمير للمؤمنين أن يعين رعيته على إقامة أحكام التكليف ويحميهم من التفريط فيها، ولكن اجتهاده أدى إلى وسيلة مختلفة عن وسيلة أبي بكر تتناسب مع الظروف الخاصة بهذه الحالة، فآثر التعريض والتوبيخ الغير مباشر، فلم يكن الأمر بالخطورة التي تحمله على مقاتلة هذا الفرد.ـ

المطلب الثاني: جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق
عن زيد بن ثابت: «أُرسل إلي أبو بكر، مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر رضي الله عنه: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه. فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال».
المسؤول: أبو بكر الصديق، خليفة رسول الله.
الرعية المجتهد لها: أمّة المسلمين بشكل عام، إذ أن القرآن هو دستورهم إلى يوم القيامة، ويتطلب حماية أحكام الانتفاع وأحكام التكليف حماية القرآن، بل إن سلامة الإسلام في الأرض يحتاج إلى القرآن.
سبب الاجتهاد: أراد أبو بكر الحفاظ على القرآن الذي هو أساس معرفة أحكام الانتفاع والتكليف.
استفراغ الجهد: تلقى أبو بكر الصديق نصيحة عمر بن الخطاب وشاروه في الأمر حتى رأى أنه أنسب اجتهاد للحفاظ على القرآن بعدما استشهد الكثير من حفاظه. ورغم أن النبي – صلى الله عليه وسلم –لم يفعل هذا الإجراء إلا أن الشيخين اتفقا على أنه خير.
التنفيذ: أمر أبو بكر زيد بن ثابت بتنفيذ ما قرره اجتهاده، حيث أنه رأى زيدا أقدر الناس على أداء هذه المهمة لما يتميز به من عقل ونزاهة وخبرة في كتابة الوحي.
هنا اجتهد الخليفة من أجل الحفاظ على الكتاب الأهم لرعيته، وهو القرآن الكريم، فقرر جمع القرآن بعد أن كان مفرقا، رغم أن النبي – صلى الله عليه وسلم –لم يفعل ذلك، إلا أن مسؤوليته اقتضت أن يتخذ الإجراء الذي يحافظ به على القرآن الذي به تعرف أحكام الله. وكان أصل هذا الاجتهاد نصيحة وجهها عمر، وهو آنذاك ليس المسؤول عن الأمة، ثم شاوره أبو بكر للتأكد من أن هذا الاجتهاد لا يتعارض مع الدين ثم أمر بتنفيذه.ـ

المطلب الثالث: جمع المصلين على التراويح في عهد عمر بن الخطاب
عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري: «خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه».  وفي بعض الروايات أن عمر بن الخطاب «كتب الى سائر الامصار يأمرهم بالاجتماع في قيام شهر رمضان».
المسؤول: عمر بن الخطاب، أمير المؤمنين.
الرعية المجتهد لها: أمة المسلمين بشكل عام.
سبب الاجتهاد: رأي عمر المسلمين يقيمون صلاة التراويح – وهي نافلة – أثناء شهر رمضان، فرأى أن جمعهم خلف إمام واحد إعانة لهم على إقامة هذا التكليف المندوب.
استفراغ الجهد: لم نقف على أي روايات تدل على أنه استشار الصحابة في ذلك، وإن كانت الصيغة تدل على أنه صرح برأيه وما ينويه قبل التنفيذ.
التنفيذ: حوّل عمر بن الخطاب الرأي («إني أرى…») إلى عزم وتنفيذ وأرسل إلى سائر الأمصار يأمرهم بالاجتماع في قيام شهر رمضان.
المتدبر لهذه الواقعة يرى كيف اعتبر عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أن مسؤوليته كإمام للمسلمين تشمل إعانتهم على إقامة أحكام التكليف حتى ولو لم تكن واجبة، وإنما مستحبة فقط. فلعله رأى أن في جمعهم على إمام واحد تشجيع لهم على القيام وتقوية للروابط التي تجمع المجتمع المسلم.ـ

المطلب الرابع: منع الزواج من الكتابيات في عهد عمر بن الخطاب
تزوج حذيفة يهودية فكتب إليه عمر أن خل سبيلها. فكتب إليه «إن كان حراما خليت سبيلها»، فكتب إليه «إني لا أزعم أنها حرام ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن».
المسؤول: عمر بن الخطاب، أمير المؤمنين.
الرعية المجتهد لها: المسلمون في سن الزواج.
سبب الاجتهاد: وصل إلى عمر بن الخطاب أن نائبه على المدائن حذيفة بن اليمان تزوج من كتابية، فخاف عمر من عواقب تلك الزيجة على المجتمع المسلم إن قلده سائر الرجال، فأمره بمفارقتها، ففارقها.
استفراغ الجهد: لم نقف على أي روايات تدل على أنه استشار الصحابة في ذلك.
التنفيذ: أمر عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – حذيفة بمفارقة الكتابية التي تزوجها ففارقها.
إن الزواج من الكتابيات حلال، لقول الله تعالى: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أتوا الكتاب من قبلكم﴾ (المائدة 5). ولكن عمر بن الخطاب خاف من مثل هذا الزواج، خاصة إن أتى من صحابي ينظر إليه كقدوة في مدينة فتحت منذ عهد قريب. وقد نفي عمر كون مثل هذا الزواج محرما، وإنما جاء عزمه على حذيفة بن اليمان – وهو بالمدائن – أن يفارق الكتابية التي تزوجها، كإجراء صادر عن الحاكم من منطلق مسؤوليته عن رعيته. وهو لم يحرم حلالا، وإنما منع الانتفاع به لما رأه من ضرر – مؤقت – على رعيته سيسأل عنه يوم القيامة. فمن الأسباب التي وردت تبرر طلب عمر، أنه خشي أن يحذو المسلمون حذو حذيفة ويقبلوا على الكتابيات على حساب المسلمات فيفتن، أو لخشيته أن يتهاون المسلمون في شروط الإحصان المذكورة في القرآن «فيتعاطوا المومسات منهمن»، أو لخوفه من أن يتزوجوا المجوسيات قياسا على أهل الكتاب وما هن منهم.  فهو بذلك خاف أن يصاحب انتفاع رعيته بهذا الحلال انتفاع بالحرام (التزوج من مجوسيات أو غير محصنات) أو أن يؤدي الانتفاع بهذا الحرام إلى الإضرار برعيته بشكل غير مباشر (عزوف الشباب عن المسلمات). فجاء هذا الإجراء من واقع مسؤوليته عن رعيته أمام الله تعالى.ـ

المطلب الخامس: إمضاء الطلاق ثلاثا في عهد عمر بن الخطاب
عن عبد الله بن عباس: «كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة. فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة. فلو أمضيناه عليهم! فأمضاه عليهم».
المسؤول: عمر بن الخطاب، أمير المؤمنين.
الرعية المجتهد لها: المسلمون المتزوجون.
سبب الاجتهاد: رأى عمر كيف أن الرجال استخفوا بأمر الطلاق، فصاروا يطلقون بالثلاث دفعة واحدة، ثم يعتبرونها كأنها كانت واحدة فقط، فأراد عمر أن يردعهم عن هذا الفعل لما فيه من استهانة بالطلاق، فأمضاه عليهم.
استفراغ الجهد: لم نقف على أي روايات تدل صراحة على أنه استشار الصحابة في ذلك، وإن كانت الصيغة تدل على أنه صرح برأيه وما ينويه قبل التنفيذ.
التنفيذ: أمر عمر بن الخطاب أنه من طلق امرأته ثلاث تطليقات دفعة واحدة، تحسب ثلاثا، بدلا من مجرد طلقة واحدة.
رأى عمر أن الناس تساهلوا في الطلاق وصاروا يثلّثونها ويعتبرونها واحده، فأراد أن يردعهم عن ذلك فأصدر قرارا بأن الطلاق ثلاثا يمضي ثلاثا ولا يجوز للرجل العودة إلى زوجته إلا بعد أن يطلقها زوج ثان. وفي واقع الأمر، فإن الطلاق المثلّث لا تحسب إلا واحدة، ولكنه في ذات الوقت سوء خلق وسوء أدب مع الله. انظر إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – عندما سمع أن رجلا طلق أمرأته ثلاثا دفعة واحدة، إذ قام غاضبا وقال: «أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟!» حتى قام رجل فقال: «يا رسول الله! ألا أقتله؟!».  ومع ذلك، فعندما طلق ركانة – رضي الله عنه – زوجته ثلاث تطليقات دفعة واحدة وندم على ذلك ندما شديدا فلما حلف بأنه لم يرد إلا تطليقة واحدة ردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروي أن عمر أنه كان يوجع ظهر من فعل ذلك.  فكان سبيل عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – لتقويم سوء الخلق هذا هو إمضاء الطلاق المثلّث تأديبا للرجل، وعبرة للآخرين.ـ

المطلب السادس: عدم تقسيم الأرض المفتوحة في عهد عمر بن الخطاب
قال عمر بن الخطاب: «لولا آخر المسلمين، ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر».
المسؤول: عمر بن الخطاب، أمير المؤمنين.
الرعية المجتهد لها: المسلمون المجاهدون.
سبب الاجتهاد: فتحت البلاد في عهد عمر بن الخطاب، وتوقع الجنود أن تقسم عليهم الأرضي المفتوحة كما قسم النبي – صلى الله عليه وسلم – أرض خيبر. ولكن عمر بن الخطاب رأى أن تترك دون تقسيم.
استفراغ الجهد: لم نقف على أي روايات تدل صراحة على أنه استشار الصحابة في ذلك.
التنفيذ: أمر عمر بن الخطاب سعدا ألا يقسم الأرض على الجنود، فنفذ سعد الأمر.
«كتب عمر إلى سعد حين افتتح العراق: أما بعد، فقد بلغني كتابك تذكر أن الناس سألوك أن تقسم بينهم مغانمهم وما أفاء الله عليهم، فإذا أتاك كتابي هذا فانظر ما أجلب الناس به عليك إلى العسكر من كراع أو مال، فاقسمه بين من حضر من المسلمين، واترك الأراضين والأنهار لعمالها ليكون ذلك في أعطيات المسلمين فإنك إن قسمتها بين من حضر لم يكن لمن بقي بعدهم شيء».
فقد أمر عمر سعدا ألا يقسم الأرض المفتوحة مثل سائر الغنائم، بل تبقى كوقف. وقد ذكر ابن الجوزي ما رواه إبراهيم التيمي: «لما افتتح المسلمون السواد، قالوا لعمر بن الخطاب رضوان الله عليه: اقسمه بيننا، فأبى، فقالوا: إنا فتحناه عنوة، قال: فما لمن جاء بعدكم من المسلمين؟ فأخاف أن تفاسدوا بينكم في المياة، وأخاف أن تقتتلوا».  فأقر أهل السواد على أرضهم، وضرب على رءوسهم الضرائب، يعني الجزية، وعلى أرضهم الطسق، يعني الخراج، ولم يقسمها بينهم» (انتهى).  فعمر بن الخطاب هنا ينظر من موقع مسؤوليته عن المسلمين المجاهدين فيمتنع عنهم ما قد يتسبب في فسادهم، كما يفكر في مسؤوليته عن المسلمين الذين لم يأتوا بعد ونصيبهم في هذه الأرض المفتوحة كذلك.ـ

المطلب السابع: حد شرب الخمر في عهد عمر بن الخطاب
عن أنس بن مالك: «أن نبي الله صلى الله عليه وسلم جلد في الخمر بالجريد والنعال. ثم جلد أبو بكر أربعين. فلما كان عمر، ودنا الناس من الريف والقرى، قال: ما ترون في جلد الخمر؟ فقال عبدالرحمن بن عوف: أرى أن تجعلها كأخف الحدود. قال: فجلد عمر ثمانين».
المسؤول: عمر بن الخطاب، أمير المؤمنين.
الرعية المجتهد لها: النواب والقضاة الذين يحكمون في قضايا شرب الخمر.
سبب الاجتهاد: رأى عمر أن الناس استخفوا حد شرب الخمر وكان حينئذ أربعين جلدة، فقرر تغليظها.
استفراغ الجهد: استشار عمر جملة من الصحابة كما دلت بعض الروايات وكان لعبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبي طالب أرائهم التي استفاد منها عمر.
التنفيذ: أمر عمر بتغليظ عقوبة شارب الخمر ونفّذ هذا الأمر.
عن ابن وبرة الكلبي قال: «أرسلني خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى عمر رضي الله عنه، فوجدته وعنده عثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير رضي الله عنهم، فقلت: أرسلني إليك خالد يقول: إن الناس انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة، فقال: هم أولاء عندك فسلهم، فقال علي رضي الله عنه: إنه إذا سكر هذي وإذا هذي افترى وحد المفتري ثمانون. وكان عمر رضي الله عنه إذا أتي بالرجل الضعيف يكون منه الزلة جلده أربعين، قال: وجلده عثمان ثمانين وأربعين».  وقال علي بن أبي طالب: «جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين وكل سنة، وهذا (أربعين) أحب إلي».
إن عمر بن الخطاب نظر في هذه القضية من واقع مسؤوليته عن الأمة ودوره في منع المسلمين من انتهاك حرمات الله، فأمر بتغليظ العقوبة على الذين يصرون على تناول المسكرات.ـ

المطلب الثامن: كتابة المصحف ونسخه في عهد عثمان بن عفان
عن أنس بن مالك: «أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن ابن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القريشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق».
المسؤول: عثمان بن عفان، أمير المؤمنين.
الرعية المجتهد لها: أمة المسلمين بوجه عام.
سبب الاجتهاد: رأى عثمان بن عفان – رضي الله عنه – أن تعدد أحرف القرآن تحول من رخصة تيسر تلاوته إلى سبب للاختلاف بين القراء. فأراد أن يجمع الأمة على حرف واحد ليسد باب الاختلاف أمام القراء الجاهلين بأصل وحكمة تعدد أحرف القرآن.
استفراغ الجهد: روى علي بن أبي طالب أن عثمان استشارهم في الأمر وأن قراره اتخذ على ملأ منهم.
التنفيذ: أمر عثمان زيد بن ثابت بقيادة فريق لنسخ المصحف، وأرسل النسخ إلى الأمصار، وأمر بحرق كل المصاحف الأخرى أو محوها.
«قال علي: لا تقولوا في عثمان إلا خيرا، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا، قال: ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كفرا، قلنا: فما ترى؟ قال: أرى أن نجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف. قلنا: فنعم ما رأيت».
أراد عثمان بن عفان أن يتخذ قرارا يجمع فيه الناس على حرف واحد من حروف القرآن، فشاور الصحابة «في ذلك ورأى أن يكتب المصحف على حرف واحد وأن يجمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به دون ما سواه لما رأى في ذلك من مصلحة كف المنازعة ودفع الاختلاف»  فوافقوه، فأمر زيد بن ثابت ومن معه بتنفيذ هذا التشريع «فكتب لأهل الشام مصحفا ولأهل مصر آخر وبعث إلى البصرة مصحفا وإلى الكوفة بآخر وأرسل إلى مكة مصحفا وإلى اليمين مثله وأقر بالمدينة مصحفا».  ثم أتبع ذلك بقرار ثان وهو حرق جميع المصاحف الأخرى أو محوها والرجوع إلى النسخ «العثمانية» فقط، وأرسل إلى نوابه لتنفيذ ذلك. وقد روى أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه اعترض على هذا القرار لتمسكه بمصحفه، ولكنه عاد في النهاية ونفذه وسمح بحرق مصحفه الخاص.
فالملاحظ أن عثمان بن عفان كما كان الحال مع أبي بكر، رأى أن من منطلق مسؤوليته عن الأمة أمام الله، عليه أن يعمل على حفظ كتابها الذي هو مصدر معرفة أحكام الله، سواء أكانت أحكام انتفاع أو أحكام تكليف، فاجتهد واتخذ الإجراء الضروري لحفظ هذا الكتاب كمرجع لا اختلاف فيه، وإن تطلب ذلك تضييق واسع على الأمة. فالقرآن نزل على سبعة أحرف ليشمل لهجات العرب لكي يثبت اعجازه لهم جميها وليس لقريش فقط، وكان لهذا التعدد في أحرف القرآن أثر على تمكين العرب بمختلف لهجاتهم من حفظ القرآن واعتباره موجها إليهم من رب العالمين. ولكن مع مرور الأعوام، صار العرب أقلية في الأمة المسلمة، وصار معظم القراء من العجم الذين تعلموا اللغة العربية مع دخولهم في الإسلام، حفظوا القرآن على يد قارئ من القراء ولم يتعلموا أصل تعدد الأحرف. فكان هذا سببا في حدوث اختلافات بينهم. فآثر عثمان أن يضيّق هذا الواسع حفظا لوحدة الأمة. ولم يكتفي بإصدار قرار شفهي لا يجيز فيها إلا حرف واحد أو قراءة واحدة، وإنما أمر بكتابة المصحف على حرف واحد وتوزيعه على الأمصار وحرق أو محو جميع المصاحف الأخرى.ـ

المطلب التاسع: تضمين الصانع في عهد علي بن أبي طالب
عن خلاس بن عمرو: «أن عليا كان يضمن الأجير».
المسؤول: علي بن أبي طالب، أمير المؤمنين.
الرعية المجتهد لها: أرباب الصنائع.
سبب الاجتهاد: رأى علي بن أبي طالب ضرورة وجود نظام يضمن للمنتفع حقه إذا ما أفسد الصباغ لبسه، أو الأجير ماله، أو الصائغ حليه وما إلى ذلك. فقرر أن الصانع أو الأجير مسؤول عن الأموال التي بين يديه وعليه تعويضه إذا لم يقدم بينة على أن ما هلك إنما هلك بغير سبب منه.
استفراغ الجهد: لم نقف على أي روايات تدل صراحة على أنه استشار الصحابة في ذلك.
التنفيذ: أمر علي بن أبي طالب بتضمين الصانع.
رأى علي بن أبي طالب وجود ثغرة في نظام تعامل الناس مع أرباب الصنائع تسمح للصانع بالتهرب من مسؤوليته عن أموال الناس التي بين يديه. فكأن الصناع كانوا يتحججون بأن تلفها خارج عن إرادتهم. فأراد علي بن أبي طالب أن يسد هذه الثغرة فضمَّن الصناع ما يكون بأيديهم من أموال، إذا لم يقدموا بيّنة على أن ما هلك إنما هلك بغير سبب منهم. وقال: «لا يصلح للناس إلا ذلك».ـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: