Live from Cairoston

اشتركت جميع هذه الاجتهادات الراشدة في انطلاقها من مسؤول حريص على أداء ما عليه تجاه رعيته، ويمكن تأويل جميع هذه الاجتهادات كمحاولة لضمان إقامة أحكام الانتفاع وأحكام التكليف؛ فمنع الزواج من الكتابيات وتضمين الصناع لحفظ أحكام الانتفاع. وإمضاء الطلاق ثلاثا كان إجراء من عمر لكي لا يستهين الناس بأحكام الانتفاع المنظمة لعلاقة الرجل بالمرأة. وعدم تقسيم الأرض المفتوحة إجتهاد لتنظيم الانتفاع بهذه الأراضي لكي لا تكون دولة بين الأغنياء والمحاربين على حساب الأجيال التالية من المسلمين. أما قتال مانعي الزكاة وتغليظ حد شارب الخمر فحفظ لأحكام التكليف، وجمع الناس خلف إمام واحد في قيام شهر رمضان كان إعانة على إقامة حكم من أحكام التكليف، وجمع أبي بكر للقرآن وجمع عثمان المسلمين على حرف من حروفه كان لحفظ القرآن مصدر معرفة أحكام الله بنوعيها.
والوسائل المتبعة منهم لحفظ أحكام الله ترواحت بين:
•    «حفظ مصادر معرفة أحكام الانتفاع والتكليف» كما في حالة جمع القرآن ونسخه،
•    «تقييد الانتفاع بالحلال» كما في حالة منع زواج المسلم من الكتابيات وعدم تقسيم الأرض المفتوحة على المجاهدين،
•    «إنشاء عقوبة أو تغليظها» كما في حالة حد شرب الخمر وإمضاء الطلاق ثلاثا وتضمين الصانع،
•    «تقييد الفعل التعبدي المباح» كما في جمع الناس على حرف واحد من حروف القرآن،
•    «تشجيع الناس على فعل التكليف» كما في جمع المصلين خلف إمام واحد عند قيام رمضان،
•    «إزالة العقبات أمام فعل التكليف» قتال مانعي الزكاة، وتغليظ عقوبة شرب الخمر.
ونستقرئ من الوسائل التي قيدت الفعل التعبدي المباح أو شجعت الناس على فعل التكليف أو أزالت العقبات أمام فعلها، أن المقصد من الاجتهاد كان منع دواعي الإفراط أو التفريط في أداء التكليف. فإن تقييد الفعل التعبدي المباح سواء أكان من خلال جمع الناس على حرف واحد من القرآن عند استفحال الخلاف بين القراء، أو كما فعل بعض المتأخرين من جمع الناس على إمام واحد في المساجد عند استفحال التعصب المذهبي وصلاة كل مسلم خلف إمام مذهبه، فإن في كل ذلك منع للإفراط والمغالاة والتكلف في أداء التكليف. وبالمثل، فإن تشجيع الناس على فعل التكليف وإزالة العقبات أمام فعلها وسائل تشير إلى أن المقصد كان منع التفريط في أداء التكليف. فجمع عمر المسلمين على إمام واحد عند قيام رمضان تشجيع للناس كي لا يفرطوا في التراويح، وقتال أبي بكر لمانعي الزكاة وتعريض عمر بن عبد العزيز بمن رفض دفع الزكاة كان هدفه منع التفريط في أداء هذا التكليف. أي أننا نستخلص ونستقرئ من هذه الوسائل أن الاجتهادات قصدت إقامة أحكام التكليف دون إفراط أو تفريط.
كما نستقرئ من الوسائل المقيدة للانتفاع بالحلال، أو المنشئة لعقوبة أو المغلظة لها، أن تلك الاجتهادات قصدت إقامة أحكام الانتفاع من خلال منع الرعية من دخول الحمى وانتهاك المحرمات.
وبالتالي فيمكننا تطوير تعريف الاجتهاد في نموذج «مسؤولية العبد» ليصبح: «قيام المسؤول باستفراغ الجهد وبذل غاية الوسع للتوصل إلى، وتطبيق الوسائل التي تمكن رعيته من الانتفاع بملك الله دون أن تنتهك محارمه، والتي تمكن رعيته من إقامة تكاليف الله دون إفراط أو تفريط».
فالاجتهاد من أجل انتفاع الرعية بملك الله مستفاد من رفض تقسيم عمر للأرض المفتوحة لكي تنتفع بها أجيال المسلمين فيما بعد، فهذا تقييد لانتفاع مجموعة من الناس بالحلال على حساب آخرين، كما أن منعه رجال من زواج الكتابيات قد يستفاد منه تقييد انتفاع المسلمين بالحلال (الزواج) لكي لا يكون ذلك على حساب انتفاع المسلمات به.
والاجتهاد من أجل منع الرعية من انتهاك محارم الله مستفاد من تغليظ حد شرب الخمر، فهذا تغليظ لعقوبة مانعة من الانتفاع بالمحرم، كما يمكن النظر إلى تضمين الصناع كإجراء يضمن معاقبة الصانع على إتلاف مال المنتفع. كما يستفاد الاجتهاد من أجل منع الرعية من انتهاك محارم الله من خلال منع عمر المسلمين من زواج الكتابيات كي لا يقدموا على زواج المجوسيات أو غير المحصنات، وفي إمضاءه للطلاق ثلاثا منع من انتهاك محارم الله، ففضلا عن كون ذلك لعبا بكتاب الله، فإن من لم يتق الله في طلاقه لزوجته يغلب عليه أنه لا يتقه أثناء زواجه منها.
أما الاجتهاد من أجل منع التفريط في إقامة تكاليف الله فيستفاد من جمع المصلين على إمام واحد في قيام رمضان وقتال أبي بكر لمانعي الزكاة.
والاجتهاد من أجل منع الإفراط عند إقامة تكاليف الله مستفاد من جمع عثمان الناس على حرف واحد من حروف القرآن السبع – كلها شاف كاف – كما كان عمر بن الخطاب يعاقب من تكلف في تفسير القرآن وسأل عن تأويل الآيات المتشابهات.
ومن خلال تعريف الاجتهاد المتولد من نموذج «مسؤولية العبد»، ومن خلال أمثلة اجتهاد الخلفاء الراشدين، لا نجد أساسا لأي اجتهاد يزعم أن الهدف منه أداء العبد لمسؤوليته تجاه رعيته من خلال إخراج شيء من ضيق الحرام إلى رحابة الحلال. كما لا نجد أساسا لاجتهاد يزعم أن الهدف منه عبادة الله من خلال فعل ما لم يكلفنا الله به أصلا. فأي اجتهاد يخل بالحمى أو يفضي إلى الحرام يتناقض مع مسؤولية العبد عن عدم انتهاك رعيته لمحارم الله، كما أن أي اجتهاد يكلف الرعية بفعل ما لم يكلف الله به يتناقض مع مسؤولية العبد عن إقامة رعيته لأحكام التكليف، إذ أنه يكلفهم بما لم يكلفهم الله به أصلا.
وتعتبر عملية الشورى التي يتم من خلالها مناقشة الاجتهاد قبل تنفيذه صمام الأمان لضمان عدم إساءة استخدام «المسؤولية» وتحويلها إلى حجة لمخالفة أصول التشريع، كما يعتبر من ضمانات التأكد من أن الاجتهاد لا يكلف الرعية أكثر من طاقتهم ولا يبالغ في تقييد الانتفاع بالحلال أو ممارسة المباح.ـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: