Live from Cairoston

بداية أنبه القارئ إلى أنني لا أؤمن بفكرة الدولة، واعتبرها مقلب شيطاني يهدف إلى تفريق أبناء آدم. والدولة في اعتقادي ثمرة من ثمرات الطغيان، فلا يوجد أي حق لا إلهي ولا أرضي يسمح لإنسان بأن يقهر إنسانا آخر ويتسلط عليه. كما أؤمن بأن لا قيود تحكم أفعال الإنسان إلا ما يتعارف عليه المجتمع، فالعرف هو المعروف الذي يؤمر به وينهى عما يخالفه. والعرف يتغير بتغير أمزجة الناس، ولا يفرض بالقهر، وإنما باعتراف الناس به وتأنيبهم وهجرانهم للمخالف. أما “سن القوانين” وتهديد المخالفين بالحبس أو الغرامة أو الضرب، فطغيان مرفوض مرفوض مرفوض. ولذلك فإنني أرى أن فكرة الدولة بشكل عام هي فكرة مرفوضة بالأساس، لأنها تركز “السلطة الآمرة” في منصب محدد يتداول (أو لا يتداول)، بينما الأصح – في نظري – أن السلطة الآمرة لا ترتكز بهذا الشكل، إذ أن ذلك يفضي إلى الطغيان، وإنما يجب أن يشاع بين أفراد المجتمع. فبقدر نضوج المجتمع تكون قدرتهم على إفراز عرف ينظم أمورهم، وبقدر إيمانهم – الصادق – يكون عرفهم قريبا من هدي الوحي، وبقدر فهمهم لأهمية العرف سيكون أمرهم به ونهيهم عن مخالفته دون قهر أو إيذاء أو طغيان. والأعراف تتطور وتتغير، بتغير الأمكنة والأزمان.

ولهذا كله، فإنني أنظر للانتخابات القادمة عام 2011 بعين التهكم، إذ لا يهمني كثيرا من هو رئيس الدولة، إذا كنت لا أعترف أصلا بفكرة الدولة (مع اعترافي أن في هذا الموقف قدرا من التطرف الفكري). إلا أنني أعترف أن في مسألة ترشيح البرادعي فائدة مهمة بغض النظر عن اختلافي مع فكرة الدولة من اساسها. رأينا مهزلة “الوطنية المشرفة” التي حلت بمصر خلال مباراتيها مع الجزائر. هذه المهزلة الوطنية المشرفة لا تعبر – في رأيي – عن حب “لمصر”، بقدر ما تعبر عن رغبة مميتة ويائسة في الأمل. الحالة الشعبية كانت كمن يمسك بأعواد القش لكي لا يغرق. في قلب المصري (والعربي والمسلم) حالة من البؤس واليأس ورغبة دفينة في بارقة أمل. نحن أمة أصابتها شيخوخة حضارية، وننظر من حولنا إلى الأمم الفتية وهي تأخذ بأيدينا وتضعنا حيثما شاءت، منتظرة وفاتنا لكي تلتهم ما تركنا من خلفنا. نحن أمة نتألم، وداخلنا رغبة في استبدال الألم بالأمل… أمل بأن هناك حياة أخرى نستطيع أن نعيشها. نحن كمن استلقى على فراش الموت ويريد أن يؤمن بأن هناك بعثا جديدا سيعيده إلى الحياة.

ولذلك اجتاحت البلاد هيستريا التأهل لكأس العالم، ولذلك أيضا صرنا كالجسد الميت الذي لا يستجيب للمؤثرات الخارجية… كنا منذ عقد من الزمان بالكاد نرفع أصواتنا بالشجب والاستنكار إذا ما أصابنا مكروه… ولكن الأمة واصلت الشخوخة وامتد العجز فصرنا غير قادرين حتى على رفع الصوت… فقط ننظر بأسى متحملين للألم. أمتنا تموت.

أصدقك القول… لا بأس من موت أمتنا… فالكل إلى زوال. كلنا سنموت. ولكن المشكلة أنني كتب علي أن أولد في هذا الجسد العجوز. وهذا العجز والضعف يسبب لي ألما. أنا لا أريد أن أحيا متألما. نعم سأعيش بضعة عقود ثم أموت، أنا لا أرفض الموت، وإنما أرفض الحياة متألما، طالما كان بيدي أن أحيا دون ألم. وهذا يتطلب أمل. ـ

أنت – وإن كنت شابا – ولدت في جسد مستلق على فراش الموت. أنت – وإن كنت في عشريناتك – تعاني آلام الروماتزم والسكر والضعط وضعف البصر والعجز الجنسي، لا لأنك كذلك، وإنما لأن جسد أمتك كذلك. أمتنا تموت، وهي – مع أنفاسها الآخيرة – تنظر إلى الجانب الآخر بخوف ويأس. ولكننا نحتاج إلى استبدال هذا اليأس بأمل. أمل في حياة أخرى. والأمل لا يأتي وقتما تريده، وإنما يجب تربيته. الأمل كالشعلة، قد تقضي مدة وتبذل مجهودا في توليد الحرارة اللازمة لإشعالها، ثم ينبغي عليك أن تراعيها وإلا انطفأت. نحن انطفئت لدينا شعلة الأمل. صرنا ننام دون أحلام، وصرنا نمشي دون أهداف. يجب أن نربي ونشعل شعلة أمل من جديد… لماذا؟ لكي نعيد إحياء أمتنا من جديد… لماذا؟ ألأننا نرفض الموت ونتمنى الخلود في الدنيا؟ لا… لكنا نريد أن نحيا ما تبقى من أعمارنا دون ألم، فوجب استعادة الأمل.

ولذلك، فبدلا من محاولة استعادة الأمل من خلال التأهل لكأس العالم، رأيت في ترشيح البرادعي فرصة للإرتقاء بمحاولات بعث الأمل في نفوسنا. فوصوله إلى رئاسة الجمهورية يتطلب أكثر من رفع الأعلام ودهان الوجه بثلاثة ألوان والمرابطة في الاستاد منذ الصباح وقولهم في نفس واحد “يا رب”، ليتركوا بعد ذلك مصير حلمهم في أرجل أحد عشرة لاعبا وجهازهم الفني… لا لا… هذا هراء. توصيل البرادعي إلى رئاسة الجمهورية يتطلب قائمة طويلة من المتطلبات من تخطيط وإصرار وتحمل للصعاب وما إلى ذلك من أمور هي قادرة على توليد الحرارة اللازمة لإشعال الأمل من جديد. أنا لا أتوهم أن في البرادعي مهديا أو مسيحا منزلا سيأخذ بأيدينا إلى الأرض الموعودة… لا لا، ولكنه فرصة لتحويل الألم إلى أمل.

البرادعي فرصة لكي نصدق أن اليوم غير البارحة. قد يفز في الإنتخابات ويتولى الرئاسة، لتنهي حقبة من المشاكل والمهازل وتبدأ حقبة جديدة من الصعاب والتحديات (والدنيا في النهاية دار ابتلاء)، ولكننا سنقبل على هذه التحديات بأمل كنا نفتقده من قبل. أنا أكره فكرة الدولة، ولكني أعشق الأمل.

Comments on: "حول القيمة النفسية وراء ترشيح البرادعي" (3)

  1. wow, i am speechless and impressed

  2. Mohamed el-Meshmeshy said:

    Excellent piece Ahmed 🙂
    Where can we start…. what can we do to revive the hope
    I know i need to start with myself first!

    • Thanks ya Mohamed!
      I think its really important to try hard and come up with some type of dream. It has to be a dream that gets you excited and is doable. Dream it, plan it, do it, then enjoy the feeling. That’s what I tend to do in order to re-kindle the flame of 2mal. The hope is that you’ll then be able to come up with a dream that gives structure to your life in general.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: