Live from Cairoston

سعدت كثيرا عندما عرفت أن الدكتور مختار الشنقيطي قد نشر مقالة جديدة على الجزيرة.نت. والدكتور الشنقيطي من المفكرين الذين أحترمهم كثيرا، وهو من كنوز المجتمع المسلم في أمريكا، وقد شرفت بلقاءه خلال زيارته لبوسطن منذ بضعة أعوام.
قرأت المقالة، وأعجبت بالأفكار التي فيها، وكان ختامها مسك بفقرة بليغة للغاية:
“نحن المسلمين أمة تأنف من التقليد وتعجز عن الاجتهاد.. وهذا سر محنتنا الحالية. وقد آن الأوان للخروج من هذا المأزق. أما الأنفة من التقليد فهي عزة لا يجوز التنازل عنها، وأما العجز عن الاجتهاد فهو ذلة وضعة. وإذا كان الإصلاح في أوروبا بدأ بتحرير الدولة من سلطة الدين، فإن الإصلاح عندنا يجب أن يبدأ بتحرير الدين من سلطة الدولة. فحرية الضمير هي أساس كل التزام أخلاقي حق، وحرية التفكير هي أساس كل إبداع.”
هذه الفقرة أحدثت “ماسا كهربائيا” في ذهني… فعرفت أنها تحتاج للهضم. فجلست وفكرت… “إذا كان الإصلاح في أوروبا بدأ بتحرير الدولة من سلطة الدين، فإن الإصلاح عندنا يجب أن يبدأ بتحرير الدين من سلطة الدولة”…. هل هذا مجرد لعب بالألفاظ أم تركيز بديع لحقيقة مهمة؟

— وبعد تفكير وكتابة وشخبطة –ـ

الآن اتضح الأمر!… لا فرق بين “تحرير الدولة من سلطة الدين” و”تحرير الدين من سلطة الدولة”. المقصود في كلا الحالتين فك للإشتباك بينهما. أوروبا حررت الدولة من الدين من أجل حرية الضمير والتفكير. والكاتب يدعو إلى تحرير الدين من الدولة من أجل حرية الضمير والتفكير. فكأن المحصلة هي فك الاشتباك بين الدين والدولة من أجل تحرير الضمير والتفكير.

أظن أنه يمكن توصيف حالنا في السطور التالي:
انتصروا علينا وأمرونا قائلين: أفعلوا مثلنا وحرروا الدولة من الدين!
قلنا في نفس واحد: لا لا لا… فالإسلام دولة ودين!
ثم بعد ورطة وتفكير قلنا: لن نقلدكم ونحرر الدولة من الدين! بل سنجتهد ونحرر الدين من الدولة!
وفي النهاية انفصلت الدولة عن الدين (عندهم)، وانفصل الدين عن الدولة (عندنا)، والكل سعيد

نحن كمن يقول لجلاده… “أتركني! لا تجرني! سأذهب حيثما تريد أنت ولكن برغبتي أنا!”
والجلاد هنا، أيها القارئ العزيز، ليس الغرب… لا… بل هو القدر. نحن نقنع أنفسنا بأننا نجتهد، ولكننا في الحقيقة نعيد صياغة ما يمليه القدر علينا… والمحصلة في النهاية واحدة، فك الارتباط بين الدولة والدين. لتحرير الضمير والتفكير.

صدق الكاتب إذ يقول: “مراحل الانتقال في أعمار الأمم لا تخلو من عنف وألم”. ولذلك فأنا أتألم… فهذا عالم غريب لم أعهده، بل وتربيت على إنكاره!
ثم فكرت في ما قاله: “أما الأنفة من التقليد فهي عزة لا يجوز التنازل عنها، وأما العجز عن الاجتهاد فهو ذلة وضعة.”
فكان سؤالي: كيف نميز بين “الأنفة من التقليد” التي هي عزة لا يجوز التنازل عنها، وتلك التي هي عند وتكبر لا يجوز التمادي فيها؟

أقولها كلمة لجيلي…. نحن نحفظ ماء وجهنا، بعد سنوات من المقاومة والرفض… اليوم نقول… “سنظل مصرين على عدم تحرير الدولة من الدين، ولكننا توصلنا إلى أهمية تحرير الدين من الدولة!” ألا إن الدين والدولة سينفصلان، فماذا أعددنا لهذا العالمالجديد؟

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: