Live from Cairoston

من المعاني التي وصلت لبعض الذين اطلعوا على مقالة “تحديد التحيزات قبل تجديد الفقه” أنني قصدت بأسبقية “التحيز الشخصي” في الصناعة الفقهية، أن الحكم الشرعي تبع للهوى الشخصي، أو أن العالم ينطلق من قناعة شخصية برأي ما قبل أن يطوع نصوص الشرع للتدليل على صحة مذهبه أو رأيه. ورغم تفهمي لأسباب ذهاب فهم البعض في ذلك الاتجاه، إلا أنه ليس ما أردت توصيله، ولذلك خصصت هذه المقالة للتفصيل.ـ

لا أقصد بالتحيز “الهوى”، ولا أقصد بأسبقيته على الفتوى بأن العالم يقتنع برأي ما ثم يدلل عليه بالنص. أو على الأقل، لا أقصد هذا إذا ما تحدثت عن علماء أجلاء نكن لهم الاحترام، ولا أقصد ذلك عندما سأذكر بعض النماذج من فقه الصحابة. ولبيان ما أقصده، سأبدء بتحديد ما أقصده بالتحيز. فالتحيز (الذي أعنيه) لا يكون لرأي محدد، وإنما لموقف وحالة عامة، والتحيز يكون على مستويات مختلفة، سأتحدث هنا عن بعض المستويات العليا منها وذلك من خلال عدة ثنائيات. فهناك – على سبيل المثال – ثنائية “الأخذ بالعزيمة في مقابل الأخذ بالرخصة” ، وثنائية “الحرفية في التعامل مع النص في مقابل اعتبار المقصد”، وثنائية “مصلحة الجماعة في مقابل مصلحة الفرد” وثنائية “سد الذرائع في مقابل فتححها” وثنائية “الأخذ بالأحوط في مقابل اعتماد يسر الدين” وثنائية “إيجاد العذر لأخيك في مقابل الحكم عليه”. هذه نماذج من ثنائيات التحيز والتي لا تخلو من اشتراك بين بعضها.ـ

فما استقرأته – وقد أكون مخطئا – هو أسبقية التحيز إلى أحد طرفي هذه الثنائيات (أو أطراف ثنائيات أخرى لم أذكرها) على بدء الاستدلال بالأدلة الشرعية. ولا شك أن كل طرف من هذه الأطراف لها أصل شرعي، فهي ليست من خارج النص، ولكن اختيار طرف دون الآخر، لا أحسبه نتاج عملية عقلية موضوعية، وإنما نتاج عملية قلبية ذاتية ذوقية.ـ

المتطرف هو الذي يتحيز إلى أحد طرفي ثنائية من الثنائيات أينما كانت الظروف، ويلزمها لزوما دائما. فهو يسد الذرائع باستمرار، أو يعتمد يسر الدين دوما (دون التحيز أبدا للأخذ بالأحوط)، أو هو لا يلتفت إلى قصد الشارع ويحتكم إلى حرفية النص كأنه نص لا روح له، أو بالعكس، ينطلق رافعا شعار مقصد الشارع، ضاربا بعرض الحائط ما هو واضح ومنصوص. هذا المتطرف.ـ

أما الحكيم (ولا أقول الوسطي أو المعتدل لأسباب سأذكرها لاحقا)…أقول، أما الحكيم، فهو لا يلزم طرفا لزوما دائما، وإنما يفقه كيفية التقلب بين هذه الأطراف تبعا للظروف. وهذا التقلب – في رأيي – ليس عملية منطقية، وإنما ذوقية، ومحل التقلب ليس العقل وإنما القلب. وإذا كان المنطق العقلي (الموضوعي) يؤيده شهادة ذوي العقول السليمة، فإن الذوق القلبي (الذاتي) يؤيده نور يقذفه الله في القلب، وفرقان يجعله الله لمن اتقى.ـ

أما النفعي، فهو كذلك يتقلب بين أطراف هذه الثنائيات، ولكن المحرك الذي يدير قلبه ويقلبها بين أطراف الثنائيات ليس نورا ولا فرقانا، وإنما رغبة في تعظيم النفع المادي الملموس، أو إشباع الشهوات، أو إرضاء الأطماع.ـ

والحكيم والنفعي يتشابهان ظاهريا، من حيث تقلبهم بين أطراف الثنائيات (بدلا من لزوم أحد الطرفين)، فهم تارة يتحيزون إلى طرف مصلحة الجماعة – مثلا، وتارة يتحيزون إلى طرف مصلحة الفرد. ولكن الباطن الغائب عن أعيننا مختلف اختلافا ظاهرا. فأما أحدهم فاجتهد ليتمحور حول ربه، وأما الآخر فتمحور حول ذاته. ولكن حقيقة المحور غائب عنا.ـ

خذ على سبيل المثال حبر الأمة عبد الله بن عباس (ر)، إذ روي أن رجلا جاءه يسأله عما إذا كان الله يقبل توبة القاتل، فأكد له ذلك وبشره وشجعه على التوبة. ثم جاءه آخر بنفس السؤال، فسد أمامه أبواب المغفرة لمن قتل نفسا بغير نفس. وأمام دهشة طلابه بيّن لهم أنه رأى في أعين الأول ندم وحسرة من قتل بالفعل، فرأى أن يبشره بسعة مغفرة الله، وأما الآخر فرأى في أعينه الشر، فأراد أن يثنيه عما كان ينوي فعله. (بسبب إيماني وتحيزي نحو عدالته أقول) هذه حكمة ابن عباس، إذ أنه تقلب بين طرفي ثنائية الترهيب والترغيب، فتحيز في الحالة الأولى إلى الترغيب واستدل عليها بآية قرآنية، وتحيز في الحالة الثانية إلى الترهيب واستدل عليها كذلك بآية قرآنية أخرى. وهذا التقلب يدل على صحة القلب وإضاءته بنور الله. وقد عبر الشاطبي عن هذه المقدرة قائلا ((فصاحب هذا التحقيق الخاص قد رزق نورا يعرف بها النفوس ومراميها وتفاوت إدراكها… فهو يحمل كل نفس من أحكام النصوص ما يليق بها)). وهذه الحكمة في رأيي فنا ذاتيا محله القلب، وليس علما موضوعية تلاحظها كافة العقول ولو كانت السليمة.ـ

ولذلك كان رأيي أن الفقه ليس علما موضوعيا وإنما ذاتيا، وربما كان الأصوب أن أقول (وهذا موضع أصوب فيه تطرفي السابق)، أن الفقه ليس علما موضوعيا بالكلية، وإنما جذوره ذاتية قلبية باطنة، تظهر منها أصول وفروع عقلية موضوعية. ولكن لا ينسينك ظهور الأصول والفروع العقلية وجود الجذور القلبية (الأساسية).ـ

وقد ختمت المقالة الأولى بجملة رآها البعض شطحة متطرفة وهي: “حدد ما تريد ثم اصنع فقهك، وبذلك تكون قد اكتشفت حكم الله، وهو أن تظهر باطنك”. ولكنني ما زلت أرى أن هذه هي طبيعة الفقه وعلاقتها بحكم الله. واستشهد هنا بحادثة يعرفها الكثيرون وهي حادثة صلاة العصر في بني قريظة.ـ

أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالمسير نحو بني قريظة وألا يصلوا العصر حتى يصلوا إليها. وفي الطريق خافت مجموعة من دخول المغرب عليهم وهم لا يزالون في الطريق فارادوا التوقف لصلاة العصر، وحجتهم أن “قصد” النبي هو التعجل في المسير، ولكنه لا شك لم يقصد أن نؤجل صلاة العصر إلى ما بعد وقتها. أما المجموعة الثانية فأصروا على أن النبي “قال” لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة. هنا نجد كيف أن المجموعة انقسمت بين طرفي ثنائية “حرفية التعامل مع النص في مقابل اعتبار المقصد”. وفي رأيي أن هذا التحيز نحو أحد الطرفين سبق استدلال كل فريق بدليله. وعندما وصل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وعلم ما حدث، “لم يعنف أحدا”.ـ

هذه الحادثة نموذج استدل به على أن الهدف النهائي المنتظر من الصحابة لم يكن مكان أو زمان صلاة العصر، وإنما رغبة الفريقين في طاعة أمر النبي. فقلوب الفريقين اختلفت في الطرف الذي تحيز إليه، ولكن هناك تحيزا أعمق وهو تحيزهم نحو طاعة النبي بدلا من معصيته (أو الاستهتار بأمره). وهذا تحيز لا يظهر للمشاهد، وإنما يراه الله وصاحب القلب المتحيز. فحكم الله هنا لم يكن المكان ولا الزمان الصحيح لصلاة العصر، ولكن حكمه كان كشف وإظهار جانب من بواطن الصحابة.ـ

ولكن ما الفائدة من كل هذا الكلام، الذي ربما يكون تكرار واجترار لبديهيات ولكن في قوالب مختلفة قد تكون مستفزة؟ فما هي نوايا الكاتب وما هي تحيزاته؟ السؤال في محله، والجواب سيكون في مقام آخر. ولكن ربما كان من المناسب أن أعطي ملمحا من خلال العودة إلى ما قلته في المقالة الأولى عن “المفتي”. فما قلته عن المفتي لم يكن طعنا في الشخص الذي تولى هذا المنصب، وإنما نقدا للمنصب ذاته. فنحن إذا أردنا من شخص أن يتجرد لله في فتواه، يجب كذلك أن نجرده من مسؤوليات مؤسسة ومن تبعات اجتهاده. فمسؤوليات المفتي الإدارية وتعرضه لردود فعل على رأيه (سواء من الحاكم أو العامة أو الإعلام) كل ذلك يؤثر على تقلبه بين أطراف الثنائيات المختلفة. فحكمة المفتي – بوضعه الحالي – لا يمكن أن يسمح له بإصدار فتوى إلا إذا أخذ في الاعتبار أثر تلك الفتوى على المؤسسة التي يديرها. فلم يكن كلامي انتقادا لشخص وإنما نقدا لمنصب. وسأعود إلى هذا في مقام آخر إن شاء الله.ـ

والله أعلم، وفوق كل ذي علم عليم

ملحوظة: أشكر كل من علّق على المقالة الأولى وشارك بنقده البنّاء

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: