Live from Cairoston

جمال يأبى مكر الزمان (قطعة تجريبية في مطاوعة ظروف الزمان)
دخلت علينا أيام كنا سفهاء… لتشرح لنا درسا في اللغات. كنا يومئذ نحول دروس اللغة لمجالس لغو… خلف ظهر المعلمة ورغم أنفها. رأيناها خالة أو جدة… ورغم ذلك لم نراع صلة رحم أو مكانة قريب… فضحكنا وسخرنا وسكرنا على هيافة عقولنا وخفة قلوبنا. تشرح… فنهملها… تسألنا فنجادلها. تعلوا أصواتنا فتنادي فينا أن اسكتوا واسمعوا… “أوجعتم قلبي… لماذا؟ لما كل هذا؟ اصبروا قليلا فالدرس قد أوشك على الانتهاء”… ولكن لا صبر لنا فشياطيننا ركبت ظهورنا وطبلت على رؤوسنا.
وقفت منهكة تنظر في انكسار… سكتت. نظرت نحونا ولكن ليس إلينا… بل عبرنا إلى أيام كانت مثلنا… في سننا. صبية جميلة في حضن أبيها وعيشة هنية. قد ممشوق ونهد منصوب وضحكة عالية وعيون ساحرة. نظرت عبرنا إلى بيت العائلة وشجرة الجوز المائلة… تتسلقها مع أخيها… ليأكلان اللوز ويقزقزان اللب فوقها. نظرت عبرنا إلى سريرها وقد صفت عليها عرائسها… رأت فساتينها فارتدت إحداهما ورقصت… رقصت ودارت ووقفت على قدمي أبيها يراقصها على أنغام غربية… يرفعها ويقبلها. نظرت عبرنا فرأت جمالها.
“اسكتوا واسمعوا!”… فتعلوا أصواتنا… تيئس منا فتسقط على كرسيها في استسلام لتسرح في يوم جلست على كرسي عرسها… أميرة متوجة في فستان أبيض مرصع… تزف إلى فارسها. أغمضت عينيها فرأت على ظهر جفونها ليلة عرسها وما تلاها من ليال. استسلمت لهياجنا وقبلت انتصارنا… وهربت منا لذكريات وأيام استسلمت فيها لقبلات الحبيب… لذالك الذي ظفر بها… لذاك الذي سمحت له بـ… تنهدت في تعب… رفعت أيديها لتسد اذنيها ولكنها عدلت من مسارها لتمسح جبينها من حبات العرق… ثم لتعدل من شعرها الذي سقط معظمه مع مرور السنين. مسحت شعرها مسحة أخرى لتذكر ضفائر الطفولة وتصفيفات العروسة… تمادينا في هياجنا فسقط أحدنا على الأرض وصاح… فانتبهت من خيال لتدخل في ذكرى… ذكرى حادث زوجها وفراقهما. يوم صارت أرملة وصار السواد لباسها. كنا نسخر من لبسها للأسود كل يوم… لم نكن نعلم أن خلف الأسود ألم سرمدي… وكنا صغار فلم نلحظ أن خلف السواد اليومي.. وتحت الشعر المتساقط الرمادي… جمال يأبى مكر الزمان.
ضرب الجرس فطرنا من الباب ومن الشبابيك… وتركناها وحدها مع ذكرياتها وآلامها. نظرت إلى المكاتب الخالية… فتذكرت حياتها بعد زوجها… نظرت إلى الحائط الأبيض أمامها وقد لوثه نعال أحذيتنا… فتذكرت أحلامها وفعل الزمان بها. انصتت إلى السكون فتخيلت بيتها وقبرها. خرجت دمعة فسرحت بين تجاعيدها. نظرت من النافذة إلى السماء نحو ربها. نظرة رجاء وعتاب ورضا كل في آن واحد. هدأ قلبها فابتسمت. لملمت أوراقها وتجهزت للانصراف. فالغد يوم جديد تدخل فيه صف السفهاء.
تذكرتها اليوم وقد وهن عظمي وهجرني أولادي… هي ماتت منذ سنين… ولكني تذكرتها اليوم. لا أدري لماذا… ربما لأنني نظرت اليوم نحو السماء… نظرة رجاء وعتاب ورضا.. كل في نفس الآن… فتذكرتها.. أغمضت عيني وحاولت جاهدا أن اتذكر ملامحها… فاكتشفت أنها كانت جميلة.. كنت أتمنى لو كانت ابنتي أرقص معها… تقف على قدمي فأدور بها على نغمات غربية. تركب على كتفي وأجري بها.. ألقفها في الهواء ثم أمسكها. تمنيت لو كنت أخاها.. أتسلق معها شجرة عتيقة… أتشاجر معها ثم أصالحها بوردة من حديقتنا… بعد أن أنزع عنها أشواكها… تمنيت لو كانت رفيقتي اتسند عليها في شيخوختي… وأختم بقبلتها عمري. تذكرتها… واكتشفت كم كانت جميلة… فتفائلت.. مددت يدي نحو عكازي وقمت… مشيت رويدا مترددا يقودني عكازي الذي حل محل بصري ليخبرني بما وجد أمامي. وصلت إلى سريري.. ومددت يدي اتحسس مكان الفرشاة… وجدتها… رفعتها لرأسي… الذي كاد يخلو من الشعر… سرّحته إلى الوراء… وسرحت في أيام شبابي وهندامي… وعقدت العزم على أن أظل جميلا… تماما كما عملتني معلمتي الجميلة.ـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: