Live from Cairoston

ما وراء الدستور

إن المراقب لتصريحات فقهاء الدستور حول القيود التي تفرضها المواد 76 و77 و88 و139 على المرحلة الراهنة من منعها لنائب الرئيس طلب تعديل الدستور أو حل مجلس الشعب ثم رد آخرين بكيفية تلافي هذه القيود من خلال بعض الاجتهادات التي تفسح المجال لصيغة يتم فيها تنحية الرئيس بعد تكليفه لنائبه بإجراء هذه الخطوات والاشراف عليها، أقول من يراقب هذه التصريحات والاجتهادات يتأكد لديه أن الدستور كأي نص يتم تفسيره هو حمّال أوجه ولن يغلب راغب في حمله على وجه بعينه في تحقيق ذلك إذا ما أعمل خياله واستغل فضفاضية أي نص لغوي أيا كان.
ولا يضبط هذه السيولة الفقهية إلا المزاج العام الذي يضع إطارا للفقه المعروف والفقه المنكر، ولذا كان هناك ما هو أهم من الدستور، وهو ما وراء الدستور من تحيزات أولية تشكل المزاج العام وأعراف المجتمع والتي بدورها تضع إطارا لفقه النص. ونحن إذ ندخل مرحلة حساسة في تاريخ بلادنا علينا أن نفهم أن التحيزات المرتبطة بفقه الدستور هي من إفراز ثقافتنا السياسية والتي تشهد إنشقاقا بين ثقافة أمنية عسكرية متأصلة وأخرى تحررية تعددية وليدة.
والتدافع بين هاتين الثقافتين من شأنه إيجاد صيغة ثالثة تتميز بملامح كل منهما مع تمايزها عنهما في ذات الوقت، ولكن شرط ولادة هذه الثقافة الوسط بصورة سليمة هو تذكر أمرين: أولهما ضرورة ان تكون النية الأصلية لجميع الأطراف هي إصلاح البلاد والتصالح بين الثقافتين المتدافعتين، لا دحر واحدة للأخرى وطمسها بالكلية. والأمر الثاني هو ألا تصل حرارة التدافع إلى درجة يطغى فيها طرف على آخر بتقييد لحرية التعبير أو تعدٍ مادي أو بدني، وإنما ينحصر التدافع في التدافع القولي والإستنكار الشفهي ليتمكن المجتمع من إفراز ثقافة جديدة تعبر عن المزاج العام الذي يحدد إطار فقه الدستور الجديد
والله أعلم

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: