Live from Cairoston

قد هلّ زمان جديد

كان من حيثيات مزاجي الديني بُعيد تخرجي من الجامعة هو أن أمتنا في الحَضيض ولا سبيل لنهوضها إلا بالرجوع إلى منابع هويتها، من أجل إنهاء حالة التيه التى نحن فيه. وكان هذا الرجوع يتطلب عودة إلى كتاب الله من أجل فقهه وإنزاله في الواقع المعاش. ولكن بعد جهد جهيد لتحقيق هذا الهدف (وتوالي المصائب علينا)، أصابني الإجهاد وبدأت أتشكك في جدوى هذا النهج، وشيئا فشيئا تحول التركيز إلى محاولة الإنفلات من أسر الماضي وركوب موجة الحاضر في أعلى نقاطها. ومن هذا المنطلق نجحت في تفكيك قيود التراث والتحرر من تاريخي والزحف على شاطئ العالم في زيه المادي الحديث، وسرعان ما وجدت نفسي وجها لوجه أمام قصور هذا العالم المادي، إلا أنني آثرت مواصلة “جهاد ما بعد الحداثة” من أجل اكتشاف شاطئ جديد للإنسان. وكلما انتابتني الشكوك تبددت سريعا ليقيني أن عودتي للتراث والهوية الأصلية محال، فالحسابات المنطقية تشير إلى أن القوة اليوم لها وسائل، وأن هذه الوسائل نابعة من حب الدنيا والرغبة في الفلاح فيها، وأن هذه الرغبة تجعلنا نطوّع نصوص الشرع لتناسب مقاصد (الإنسان) الكبرى وهي حفظ نفسه وأسباب سعادته، فننسب هذه المقاصد إلى الشريعة لنركبها ونقودها إلى حيث أردنا نحن، لا حيث أراد الله. أي أنني وجدت تعاملنا مع شرع الله قد صار استغلالا  من أجل تحليل رغبانتا الدنيوية، ومن ثم فالعودة للأصل والتراث أصبح في أحسن حالاته فشلا في اكتساب أسباب الفلاح الدنوي وفي أسوء حالاته تحريفا لشرع الله. أي أن كتاب الله والتراث المحيط به صار مشروعا فاشلا لاستحالة تحقيق الغرض المطلوب وهو القيام بما كُلفنا به إما لأن ذلك القيام يصعّب العيش ويحمّلنا ما لا طاقة لنا به، أو يكون خسفا لتكاليف الله في حضيض رغباتنا البشرية الطينية. فمن ناحية ابستمولوجية بحتة، هو مشروع يطلب المستحيل ويضر ولا ينفع.ـ

ولكن ثورة 25 يناير وتوابعها في المنطقة نبهتني إلى ما علمني إياه شيخي الدكتور طه العلواني، إذ كان يؤكد على أهمية اتخاذ البعد الغيبي في الحسبان. نعم، بالورقة والقلم، أمتنا ماتت ولا يمكن إحياءها إلا برضا وموافقة المجتمع الدولي (العازف على أنغام غربية) مما يتطلب إجهاض كل مشاريع إيحاء الهوية الإسلامية والعربية. وبالورقة والقلم، لابد أن نتبعهم شبرا بشبر وذراع بذراع حتى نصل معهم إلى الأرض الموعودة. ولكن الثورة غرست في قلبي إيمانا بالبعد الغيبي والذي يكون بمثابة الهدف الذي يسجل في آخر ثانية… بعد أن كان الناس قد همّوا بالرحيل منكسي الرؤوس قائلين “مافيش نصيب”. نجحت الثورة نجاحا لا يقل عن درجة المعجزة… أنا لا أنكر المجهود البشري الهائل الذي تم، ولكن في ذات الوقت لا أملك إلا التعجب من كيف أن العواقب جاءت سليمة وبأفضل مما توقع أكثرنا تفاؤلا، وفي ضربة واحدة، خرّت جبال راسيات لم أكن أتخيل زحزحتها… ذهب الرئيس وصار المصريين أبطال العالم في التحضر والأمل، بعد أن كنا قد ألقينا في قمامة الإرهاب والبطالة والفساد. الدرس الأساسي هو أنه لا دايم إلا وجه الله، وأن الذي يحسب بالورقة والقلم يغفل عن مفاجئات القدر. تذكرت آية سورة يوسف: حتى إذا استئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصر الله. المؤمن يحسب بالورقة والقلم ولكن بعد علامة “=” والنتيجة المتوصل إليها يكتب “والله أعلم”. هذا الاستدراك لا يجعله يتشكك في حساباته… لا! وإنما يضعها موضعها، فلا يمكن أن يؤدي حسابا بالورقة والقلم إلى شك في الله أو في وعده.ـ

إن الله قد أنعم علينا بطوفان أغرق الإحباط ونجى الأمل، فأشرقت الأرض بثقة مصدرها الرؤية والمشاهدة. ألا إن قلبي قد اطمئن. عندما رأيت شخصية مثل الشيخ القرضاوي ينشد فرحا ويخطب الجمعة، فين؟ في أم ميدان التحرير، بعدما كان قد منع لعقود من الخطابة في مصر، تعاطفت معه بوصفه إنسان ثابر حتى خر الجبل ووقف هو يخطب في المصريين. قلت في نفسي اللهم إنني مستعد للصبر والمثابرة ثلاثين سنة طالما أن النهاية فرحة ونصر كهذا. ثم رجعت إلى نفسي وقلت، إنني مستعد للصبر والمثابرة والعمل طيلة عمري إلى أن أموت، طالما أن الآخرة فرحة وفلاح. كان الإحباط قد جعلني أنظر للحياة الدنيا بدهرية متواصلة سرمدية. ولكن مُنحنى الاستضعاف ثم النصر يجعل للحياة بداية ونهاية ومستقر ومستودع. وهذا الحضور للآخرة والنهاية في بال الإنسان يجعله راسخ المبدئ ثابت القدم، فلا يغتر بوضع راهن، لأنه يراهن على الثابت الذي الا يتحول: الله .ـ

مرة أخرى، كان لمزاجي الديني (في زيه الإسلامي) حيثيات، وهي حيثيات نابعة من صميم وجودي الإنساني الرافض للإهانة والوضاعة والراغب والنهوض والكرامة. ثم شككت في جدوى الإسلام كوسيلة لهذا النهوض والكرامة بسبب استحالة التمييز بين مراد الله ورغبات الإنسان. أما الآن فقد تم فض الاشتباك، إذ أن الله قد جبلنا على رفض الوضاعة وإهانة النفس – وإن غفلنا عن ذلك واستمرأنا الذل أحيانا – وكرّمنا وغرس فينا الكرامة. وهذا النزوع للنهوض والسمو أصل إلهي مغروس فينا. التحدي هو الاستجابة لهذا النداء الداخلي دون نسيان الله وواجباتنا تجاهه كما أوضح نبيه. إن تزاوج الإيمان بالله (وهو متأصل في الشخصية المصرية) والعمل بمقتضى الوحي (وهو المضاف من خلال نبوة سيدنا محمد) يوفر للإنسان أساسا صلبا يقف عليه وينهض ويسمو من فوقه. أما في غياب مثل هذا الأساس المزدوج فإن فطرة الإنسان الداعية إلى النهوض والكرامة تبقى ولكنها تنحصر في إطار مادي/طبيعي (كما شرح الدكتور المسيري) وتكون لذلك فقيرة تفتقد للعناصر الوجداني التي لا غنى عنها للإنسان.ـ

إن زمن تقلب الوجه في سماء الشك والاحتمالات قد ولى… وهلّ زمان اليقين والصبر. إن زمن تبرير التخلف بالتسلّف قد انقضى وطلع علينا نهار النهوض والسمو تحت سقف العبودية لله وتكريم الإنسان.
والله أعلم

مرة أخرى، كان لمزاجي الديني (في زيه الإسلامي) حيثيات، وهي حيثيات نابعة من صميم وجودي الإنساني الرافض للإهانة والوضاعة والراغب والنهوض والكرامة. ثم شككت في جدوى الإسلام كوسيلة لهذا النهوض والكرامة بسبب استحالة التمييز بين مراد الله ورغبات الإنسان. أما الآن فقد تم فض الاشتباك، إذ أن الله قد جبلنا على رفض الوضاعة وإهانة النفس – وإن غفلنا عن ذلك واستمرأنا الذل أحيانا – وكرّمنا وغرس فينا الكرامة. وهذا النزوع للنهوض والسمو أصل إلهي مغروس فينا. التحدي هو الاستجابة لهذا النداء الداخلي دون نسيان الله وواجباتنا تجاهه كما أوضح نبيه. إن تزاوج الإيمان بالله (وهو متأصل في الشخصية المصرية) والعمل بمقتضى الوحي (وهو المضاف من خلال نبوة سيدنا محمد) يوفر للإنسان أساس صلب يقف عليه وينهض ويسمو من فوقه. أما في غياب مثل هذا الأساس المزدوج فإن فطرة الإنسان الداعية إلى النهوض والكرامة تبقى ولكنها تنحصر في إطار مادي/طبيعي (كما شرح الدكتور المسيري) وتكون لذلك فقيرة تفتقد للعناصر الوجداني التي لا غنى عنها للإنسان.
إن زمن تقلب الوجه في سماء الشك والاحتمالات قد ولى… وهلّ زمان اليقين والصبر. إن زمن تبرير التخلف بالتسلّف قد انقضى وطلع علينا نهار النهوض والسمو تحت سقف العبودية لله وتكريم الإنسان.
والله أعلم

Comments on: "قد هلّ زمان جديد" (2)

  1. Hatem Azzam said:

    الاخ الحبيب: لا شك ان مثل هذة التجربة تخرج الانسان أقوي علي المستوي الايماني و الفكري. احمد الله اه اراد بك خيراً و ردك الي الصواب …و اظن ان هذا بفضله تعالي و بفضل صدق نيتك و نبل غايتك .
    ثبتني و ثبتك الله ….و خلي بالك مش هنقدر نعمل لك ثورة تاني :))
    🙂
    محبكم : حاتم عزام

  2. شكرا يا حاتم 🙂
    وعلى فكرة هي دي من أهم فوايد الحج… ثورة سلمية سنوية … لإنعاش الذاكرة وتجديد الإيمان

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: