Live from Cairoston

ملحوظة:ـ كتبت هذه التدوينة يوم 15 يناير ولسبب ما لم أنشرها. ـ

سفينة نوح والنبطي آخر روايات كل من خالد الخميسي ويوسف زيدان، ورغم اختلاف كل عناصر العملين إلا أنهما يشيران في نفس الاتجاه. فسفينة نوح رواية تتناول قضية الهجرة من مصر من خلال عدة شخصيات تتلامس قصص هجرتهم. فأحداث الرواية قريبة تقع في العقد الأخير، وهي رواية تُروَى على لسان كل من هؤلاء الأشخاص وكأنهم يحكون للكاتب – لا القارئ – والتي نكتشف رويدا أنها ليست خالد الخميسي وإنما امرأة تعمل في جمعية لخدمة المجتمع.
وفي مقابل احداث قريبة ورواه متعددين تقع رواية النبطي في احدى كفور مصر الصغيرة وفي طريق السفر عبر سيناء إلى طرف الجزيرة العربية والتوقيت هو العقد السابق للفتح الإسلامي لمصر وأثناء تلاطم القوى الكبرى – الفرس والروم – واجتذابهم لها، والرواية كلها مروية على لسان مارية، قبطية مسيحية شابة من إحدى كفور النملة.
وقد نوّع الخميسي في الحكي على لسان رواة سفينة نوح من حيث الأحداث وصبغها لتناسب خلفياتهم الثقافية والاجتماعية وحتى لهجاتهم المحلية، وقد طعّم الرواية بتفاصيل الحياة في مصر بصورة تجعلها مغرية للترجمة، فبجانب دغدغة القارئ المصري الذي يتعرف على هذه التفاصيل التي احتك بها، فإنها تنقل ملامح من المجتمع المصري للأجنبي الذي يريد التعرّف عليه بصورة واقعية دون أن يبتلعه – بالضرورة – تشاؤوم قاتم.
أما يوسف زيدان، فقد داعب – مرة أخرى –  قضية إيمانية حساسة، وهي قضة الوحي والإخبار عن الله. فرغم أن الرواية تحكي قصة مارية على لسانها، إلا أن بطل الرواية هو النبطي، وهو لقب أخي زوج مارية. وهذا النبطي رجل روحاني يؤمن بأنه على وصال واتصال بالحق – سبحانه وتعالى – وإن لم يؤمَر بتبليغ ما ينزل عليه من وحي وإلهام. والبراعة هنا تكمن في التعامل مع ظاهرة الوحي كما تظهر للمراقب مع ترك مسافة بينه وبين المتلقي للوحي. فالكاتب لم يتوغل ويحكي على لسان النبطي تفاصيل هذه العملية وإنما حكى على لسان مارية – البسيطة – التي رأت النبطي وما كان يحكيه ويجيب به على سائليه. وتتضاعف البراعة بمضاعفة المسافة بين الكاتب وبين النبي القرشي، الذي آمنت به مارية لأسباب غاية في البساطة، فزوجها أسلم  – لأسباب براجماتية عملية – واتبعته هي بتلقائية قبل أن تتيقن من صواب قرارها بعدما اختفت رائحة فمه الكريهة لتوقفه عن شرب الخمر الذي حرمه الدين الجديد. وذروة الرواية في نظري هي حيرة النبطي إزاء رسالة النبي القرشي، فهو معجب بالقرآن ولكنه محتار من كم القتل الذي يتم في سبيل هذه الرسالة “يقول كلام كهذا، ويسيل الدماء؟” وفي نهاية القصة يرفض النبطي إطاعة أوامر عمرو بن العاص الذي أمر بتهجيرهم إلى مصر لدواعي أمنية ولخدمة الفتح الإسلامي مقررا البقاء وحيدا في الصحراء طاعة لضميرة.
أما ختام رواية سفينة نوح فعلى لسان المروي لها كاتبة النص التي أطاعت ضميرها ورفضت هي الأخرى الهجرة وتتأمل واقع الهجرة وتعتبره نبضاً مختلفاً سيعيد تشكيل العالم على صورة لا نستطيع التكهن بطبيعة أحواله. ومع نهايتهما يكتمل التقاء الروايتين المعبرين عن ريح خفية سارية بيننا ومياة باطنية توشك أن تظهر. فحيرة النبطي إزاء ما يسمعه بوضوح ويراه رأي العين من همس الضمير وتجربة الروح في ظل عالم  يتلاطم بين أمواج القوى العظمى وفي ظل قوى سياسية جرّارة تملي عليه كيف يعيش، هي هي حيرة المصري إزاء ما يسمعه من نداء الضمير ويراه رأي العين من آلام العيش في ظل تلاطم نداءات التاريخ والثقافة والدين ومتطلبات الحياة الكريمة في عالم وجد نفسه فيها مفعولا به مصلوبا ومنصوبا عليه قبل أن يجر بعيدا ويلقى بلا محل من الإعراب. وفي بؤرة هذا الالتقاء تتحول الأشياء نظرا لضغوط الظروف وينفط الإنسان متخذا قرارات لا رجعة فيه وإنما تمضي به في اتجاه واحد كمضي الزمان ابتعادا عن الماضي. فزماننا زمن فيضان، فقد طفحت مصر فأفاضت بأبناءها على العالم من حولها – غرين خصب لا يشقى حارثه. وفي موسم الفيضان تختلف الحياة فيحتار الإنسان ويقلب وجه في السماء متسائلا أين المفر ومنتظرا لفيض الله الذي يدله على الطريق. ووسط دعوات كل داع ومغريات كل ساحر يهمس الضمير وينظر لصاحبه منتظرا… أيستسلم للتيار العام، أم يتشبث بطوقه الخاص؟

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: