Live from Cairoston

زفتى مدينة مصرية يقال أن أصل اسمها “ذو الفتى”، كانت شرارة لثورة 1919 عندما أعلنت استقلالها عن المملكة المصرية وسمت نفسها جمهورية زفتى. في زفتى اليوم حضانة كان يضرب مدرسها أطفالها بشكل مهين فحوّله النائب العام للتحقيق، ولكن أهالي  الأطفال المضروبين خرجوا بدعمون الاستاذ المعتدي، فأبناء الريف يحتاجون للضرب – بزعمهم – والضرب ضروري من أجل التعليم … ساء ما يحكمون. وقد كتب علاء الأسواني مقالا قبل الثورة بشهور يعرّف فيها بمتلازمة ستوكهولم، حيث يتعاطف الضحية مع الجاني، وازعم أننا اليوم عرضة لـ((متلازمة زفتى))، وهي أشد وأنكى، إذ أنك لا تتعاطف مع الجاني فحسب، وإنما تخشى فراقه فتهون عليك نفسك وتهين أبنائك من أجله.ـ

 يقول العلماء أن “الحكم على الشيء فرع عن تصوّره”، يعني لازم تقدر تتخيل الحاجة قبل ما تحكم عليها.  قل لي، كيف يرى من عاش مقهورا الفرق بين التربية والترويض؟ كيف يحكم الإنسان على تجريم ضرب الأطفال وهو لم يعرف إلا هذا الإسلوب في المدارس؟ والإنسان عدو ما يجهله.ـ

ونحن الآن كمصريين، نخوض عالما لم نعهده من قبل، يعني في حاجات كثيرة لم نمر بها فلا نقدر على تصورها وبالتالي لا نستطيع الحكم عليها، وإنما نرجم بالغيب أو بالحدس أوالفهلوة، اللهم إلا من كانت له تجارب في بلاد أخرى أو من خلال الإنغماس في خبرات الغير المدونة في الكتب، وحتى هؤلاء، عليهم أن يكيفوا ما خبروه وتصوروه مع واقع مصر وصورتها لكي يصح القياس.ـ

 خذ عندك مثلا الحكم على كل مصري له علاقة بجهة خارج مصر بأنه عميل (من خلال الصورة المحفوظة من الاستعمار وأفلام وقصص الجاسوسية ونظرية المؤامرة)، أو الحكم على الإخوان والسلفيين و”من على شاكلتهم” بأنهم خطر على الحياة السياسية (من خلال الصورة المحفوظة والناتجة عن تخيّر جميع سقطاتهم على مر التاريخ)، أو الحكم على المجلس العسكري بأنه “حكم عسكر” دكتاتوري (من خلال الصورة المحفوظة في الذاكرة الجمعية منذ ثورة يوليو)، أو الحكم على الليبراليين بأنهم ضد الدين (من خلال الصورة النمطية لليبرالي الغربي).ـ

 كل هذه الأحكام نتيجة لتجربتنا المصرية المحدودة (وأي تجربة محدودة بالضرورة)، ولن نتخطى هذه الحدود إلى مساحات أبرح وتصورات أوضح إلا إذا أنهينا تعاطفنا مع أهم الجناه: الخوف من التغيير. نعم، لقد طغى خوف التغيير على أنفسنا فصرنا له ضحايا، بل إننا تعاطفنا معه وأوجدنا له المبررات “فاللي تعرفه أحسن من اللي مانعرفوش”. نحن ضحايا “الخوف من التغيير” ونضحي بأنفسنا وأبناءنا من أجله. والثقافة التي أشعلت فتيل ثورة يناير واجهتها صعوبة إقناع الثقافة السائدة برفض هذا الجاني القابع داخل نفوسنا، فنجحت بعد عناء ثم فشلت باستفتاء. والجدلية لا تزال قائمة بين ثقافة “جمهورية زفتى” الثائرة وثقافة “متلازمة زفتى” الراضية.ـ

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: