Live from Cairoston

ـ”هل سأتعامل مع الزمن بالطريقة “ص” أم “إكس” هذه المرة؟” هكذا سألت نفسي وأنا محشور في مترو بوسطن في طريقي لمحطة القطار في آخر مرحلة من رحلة العودة من القاهرة. القطار يغادر المحطة في التاسعة صباحا ليصل إلى مدينتي في العاشرة والنصف. الساعة الآن الثامنة والنصف، يعني بقي نصف ساعة على موعد القطار، وأنا في مترو الذروة أتشكك في إمكانية الوصول قبل فوات الأوان. وفي حالات قلة الحيلة، أستسلم لرحلة أفكاري وأتفلسف.ـ

أعرف طريقتين للتعامل مع الزمن، الطريقة “ًص” والطريقة “إكس”. الأولى ثمرة مجتمع بدوي أو رزاعي بسيط، والثانية انتاج مجتمع صناعي معقد. الأول يعتبر الإنسان في حوار وجدال مع الغيب، وهذا الغيب رحم رحيم، والثاني يعتبر الإنسان في حوار مع الآلة وهذه الآلة لا تعرف إلا واحد زائد واحد يساوي إثنان. الطريقتان مختلفتان ولكل مزايا وعيوب.ـ

أن يقطع المترو المسافة المتبقية في نصف  ساعة، فهذا أمر صعب، ولكن ليس مستحيلا. وجدت نفسي أقول “إن شاء الله حوصل في الميعاد”. أنا لا أجيد الحساب وأخْذ كل المتغيرات في الاعتبار، ولكن بالفقاقة والفهلوة قلت إن احتمال الوصول في الميعاد  42في المية، وإن شاء الله حيحصل.ـ

تريد نموذجا لالتقاء الطريقة “ص” والطريقة “إكس” في التعامل مع الزمن؟ خذ عندك بداية شهر رمضان والفرق بين انتظار رؤية الهلال والحساب الفلكي. الطريقة “ص” حينما تفكر في الزمن تفكر في “الأوان” و”الحين” فتفكر في الزمن من خلال علامات تظهر فتؤذن لحدوث شيء ما. مثلا نقول “حان الآن موعد صلاة الظهر” أو “حين يرتفع منسوب المياة إلى مستوى كذا، افعل كذا”. فالزمن ظرف لحدوث وظهور علامات ننتظرها لكي نقوم بعد ذلك بالمطلوب. وقيل أن الهلال سمي هلالا لأن الناس حين تراه تهلل تهليلا (تقول لا إله إلا الله) وتفرح وتتهلل أساريرها فرحا لظهور علامة بدء الشهر. هذه طريقة للتعامل مع بداية شهر رمضان: انتظار “متى” يحين وقته(؟) وقد وضعت علامة استفهام لأن “متى” هنا أداة استفهام.ـ

أما الطريقة “إكس” فحينما تفكر في الزمن تفكر في “العدّ” و”الحساب” وبالتالي، فبدلا من انتظار أوان علامة ما تظهر في ظرف زمني، الطريقة “إكس” تقسم هذا الظرف الزمني إلى أجزاء، والأجزاء إلى أجزاء أصغر منها وهكذا وتبدأ في عدّ الوقت “الباقي” قبل حدوث المنتظر. والمنتظر في هذه الطريقة لا يكون غائبا، وإنما معلوم ويكون الزمن وسيلة لحساب الوقت المتبقي على حدوث المنتظر. وفي حالة التعامل مع أشياء لا تعرف وقت حدوثها نتعامل معها من خلال أجزاء الزمن المعلومة والمحسوبة.ـ

دعني أعطيك مثالا تطبيقيا على الطريقتين. تخيل نفسك في أتوبيس تنتظر مغادرة المحطة. وقارن بين حالة ينتظر فيه وصول عدد “مناسب” من الركاب وبين حالة ينتظر فيها ساعة بعينها. في الحالة الأولى يعتبر العدد الكافي علامة على أوان المغادرة، وهي علامة غائبة لا نعلم متى تحدث. أما في الحالة الثانية فـ”متى” وصل عقرب الساعة إلى الرقم كذا سيغادر الأتوبيس. و”متى” هنا ليست أداة استفهام.ـ

نظرت في الساعة فوجدتها التاسعة إلا ربعا… يعني بقي ربع ساعة على موعد القطار، والمترو بطيء. ثم تنبهت إلى أن النظر في الساعة كل دقيقة لا معنى له، فهو لن يغير في شيء إلا ضغط دمي. فقررت ألا أنظر في الساعة مرة أخرى، “ولو في نصيب حوصل في المعاد”. ثم وصلت أخيرا إلى محطة يجب أن انتقل خلالها لخط مترو ثان حتى أصل إلى محطة القطار. كان ذلك في التاسعة إلا خمس دقائق… الوصول في الموعد صعب ولكن ليس مستحيلا… سيتطلب جريا وتفادٍ للسلالم الإلكترونية المزدحمة وأخذا للسلالم العادية – البدائية – حيث أحدد أنا سرعة وصولي لا الآلة والزحام. وصلت. جريت. قفزت. تعثرت. ثم تسمرت أمام لوحة المواعيد. الساعة التاسعة ودقيقة. نظرت إلى الرصيف. القطار غادر. فرق دقيقة.ـ

عدت بذاكرتي… لو كنت ركبت المترو الأسبق لكنت وصلت… لو كنت أخدت تاكسي ودفعت عشرين دولارا لكنت وصلت. لكني أردت التوفير فقامرت وخسرت. كانت الخطة أن أصل مدينتي في العاشرة والنصف ولكني تأخرت. رجعت ببصري إلى لوحة المواعيد لأرى موعد القطار القادم فما وجدت شيئا يوصلني لمدينتي. فاللوحة لا تسع إلا رحلات الساعات الثلاث التالية. فذهبت تسحبني قدماي إلى شباك التذاكر. “متى يحين موعد القطار القادم إلى وُوستر؟”ـ

نظرت إلي بإشفاق وردت، “الواحدة بعد الظهر” .فأخرجت المبلغ ولا حول لي ولا قوة وطلبت تذكرة. فنصحت: “لماذا لا تسأل في محطة الأتوبيسات؟ ربما يغادر أتوبيس في موعد أقرب” ـ

أتوبيس؟؟ “هو في كدة؟” مشيت بهدوء وروية، وصعدت إلى محطة الأتوبيسات. “هو في أتوبيس لوُوستر؟” جاء الجواب بنعم، وقطعت التذكرة، وركبت أتوبيس التاسعة والنصف، ولأن الأتوبيس المباشر أسرع من القطار متعدد المحطات، فموعد وصولي في العاشرة والنصف إن شاء الله (نفس الموعد). “لو في نصيب حوصل” ـ

تذكرت الآن أنني قررت إبدال أول حرفين من اسم مدينتي… بدلا من ووستر، سأسميها أُستر (بضم همزة القطع). أسهل على اللسان وأطرى على القلب. ـ

كم سنرتاح لو تكاملت الطريقتان للتعامل مع الزمن. الطريقة “إكس” أنسب لإنجاز الأعمال والاتفاق على أهداف وتحقيقها. ولكن الطريقة “ص” أوقع من حيث أنها تؤصل لمبدأ “إن شاء الله”. الطريقة “إكس” من الشفافية والدقة بحيث يسهل الاتفاق دون لبس (تخيل الفرق بين إعطاء موعد يوم الخميس وأول الشهر الهجري). الطريقة “ص” من الحكمة أنها تعي أن تأثير مجهودنا محدود في سياق التدبير الكوني. ـ

الطريقة “إكس” نتاج حضارة فتية تضرب وتلاقي. الطريقة “ص” نتاج حضارة عاشت وشافت. لا أدعي أن إحدى الطريقتين أفضل على طول الخط. ولكن أدعي أننا لو عرفنا كيف ندمج بين الإثنين سنستفيد كثيرا.ـ

الساعة الآن العاشرة الربع وخمس ثوان. لو لي نصيب حوصل… أُستر.ـ

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: