Live from Cairoston

وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ * وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (الأعراف 46 – 47)

أصحاب الأعراف قوم عرفوا فالتزموا بما عرفوه فلم يدخلوا النار، وفي نفس الوقت لم يدخلوا الجنة لأن قلوبهم خلت من حرارة إيمان أهلها.

العارف يعجز عن التديّن الموّصل للجنة، فقد أكل من الشجرة وهبط ولم يقدر على اتباع الهدى لعجزه عن الاتباع. العارف لا يقبل المرشد لأنّ في تيهه سياحة وزيادة. العارف يؤمن بالله ايمان فطري لا يشوبه تكبر أو مغالاة ولكنه يقف أمام النبي ندا… النبي بوحييه والعارف بعمق حبه للطريق ورب الطريق. يقف ندا … النبي معه جبرائيل والعارف معه نفسه التوّاقة. العارف يقف ندا أمام النبي إذا ما خلا المكان من العوام. أما إذا ما خرج الناس من وكناتهم، فإن العارف يرجع خلف النبي مع سائر الخلق ويفعل بجوارحه كما يفعلون؛ صلّى كما يصلون، وصام مثلهم وناجى ربه بلسانهم… حتى إذا ما حلّ الليل وعادوا لبيوتاتهم وقف وحده على قمة جبله ندا لموسى وعيسى ومحمد.

العارف صديق للنبي ورفيق، فهو يعرف معنى الوحي ومعضلته. العارف يعلم أن ادعاء الوحي أمر لا يقبل صدق ولا كذب، وإنما يقع بين الاخلاص والنكوص. العارف لا يقف عقبة أمام النبي ولا أمام أتباعه، ويمد يد العون لأخيه الإنسان مؤمنا كان أم كافرا.

العارف ينظر للحياة بصبابة، إذا ما أغمض عينيه وهو يتأمل زهرة تتفتح أو يمامة تطير، فإنما يغمضهما  ليتذوق طعم الحياة الحُلْوُمُر. يعرف أن كل من عليها فان، ولكنه لا يفكر في ذلك. هو يستحضر الموت، ولكن يستحضرها ليحسن الحياة. العارف هو ذلك الذي عرف الموت تمام المعرفة حتى صار زوجا له … حتى اندمج في باله فلم يعد يفكر فيه بقصد وإنما انطبع حقيقة الموت عليه فأثّر على طبعه فأحسن الحياة. العارف يحب الحياة لأنه عرف كيف يتمتع بها. عرف أن سر سعادته في أن يعي أن هناك جسد باسمه. أن هناك مسافة بينه وبين نفسه، وأن لذة الحياة في مراقبة تلك المسافة حتى يموت الجسد.

العارف دوما محلق في تلك المسافة الغير موجودة ولا حتى في خياله – فكلما تخيل المسافة اختفت – وإنما يعرفها معرفة تأتي بتكرار المحادثة مع النفس ولومها ومحاولة فهمها. العارف موجود في المنطقة التي لا يفكر فيها فإذا فكر فيها اختفت المسافة واختفى العارف. تحليق بين الجنة والنار.

الفرق بين العارف والمنافق أن الثاني يضمر الشر والحقد والغل. أما العارف فلا يضمر إلا حبا للمؤمنين الذين شاركوه حب الله.

العارف من نفس خامة الأنبياء ولكن الله يصطفى من يشاء. العارف لا يبحث عن أتباع. وإنما يسعى للتعرف على غيره من العارفين. دليل كذب العارف أن يتبع عارفا آخر أو أن يقبل أن يتبعه أحد.

إن العارف إذا ما خر ساجدا باكيا حامدا شاكرا فلربما سمعته يقول “الحمد لله الذي قبل صدقي فلم يجعلني في كتابه من أصحاب النار”. وإذا ما رفع يديه بالدعاء ربما سمعته يقول “اللهم ارزقني إيمانا كإيمان العوام” وإذا ما انتهى قال: “اللهم لا تستجب، اللهم لا تستجب”.

فالعارف يطمع في الجنة أحيانا (ومن لا يطمع فيها من بني آدم؟) ولكنه في ذات الوقت لا يتخيل أن يعيش دون لذة المسافة بينه وبين نفسه. لا يطيق أن يتخيل حرمانه من الوقوف على الأعراف… تلك القمة التي ينظر إلى الدنيا من فوقها. لا يطيق أن يسلب منه تلك المعرفة أن السر قائم لم يفصح عنه.. أن الغموض سيد الموقف… أن لا حقيقة إلا حقيقة أن هناك شيئا لطيفا يشعر ويدرك وأن ذلك الشيء يدرك نفسه .. وأن هذا الادراك الذاتي لذيذ… فهو يؤنس الشيء في وحدته الكونية الناتجة عن نفس ذلك الادراك! فبدون ذلك الادراك صمت تام وشلل وتام ولامبالاة تامة. العارف يقبل فظاعة الموقف ويختار الاستحتسان على التقبيح… أن ادراكه سُم وهو ترياق نفسه. العارف يعي فرط فقره وفرط وضاعته … يعي أنه “نتيجة” … “أثر” … ويقبل أن يكون دون “المؤثر”. لذة العارف هي لذة العبودية… لا عبودية القائمين والراكعين الساجدين … وإنما عبودية العارفين. يا ويلي!

العارف يعي أن ادراكه كالفجر  … يسبقه ظلام تام ثم انفجار شعاع يدرك من خلاله. هذا الانفجار الادراكي … هذه اللذة التي تأتي بمحض الادراك هي الحقيقة الوحيدة وما عداها فأعراف الناس يتعارفون عليها. وهو لا يستنكر ما تعارف الناس عليه، وإنما يأبى أن يحل العرف محل تلك الحقيقة الوحيدة، فهَول هذه الحقيقة من اللذة بمكان … لو علم الملوك ما فيها لقاتلوا العارفين عليها بالسيوف!

والعارف إذا ما رأى تلك الحقيقة عمي عن غيرها. فهو أعمى ولكن ما هو بضال. هو أعمى عن طريق الناس ولكن سيره سياحة كونية. الضال هو من ضل الطريق ولكن بالنسبة للعارف الأرض كلها طريق فكل الطرق تبدأ من الانفجار الادراكي وتنتهي بانتهائها.

العارف لا ينكر وجود الادراك بعد موت الجسد، بل يتمناه… فكما استلذ الحياة لما لها من ادراك للمسافة بين ذاته وادراكها، فإنه يتمنى أن تمتد هذه اللذة لما بعد موت الأبدان.

العارف لا يفعل خوفا من نار، ولا طمعا في جنة ولا حياء من إله أو رغبة فيه … فهو “ما بعد الثواب والعقاب” .. الأعراف “ما بعد الجنة والنار”.

هدف العارف أن يكون ما ينبغي أن يكون. أي أن يصل لمنتهاه… أي أن يبلغ قمة الأعراف أي أن يصل لمستوى من الادراك يحكم من خلالها حكما غير محصور بين الثواب والعقاب وإنما منطلقه: هذا يليق بي كعارف أسعى لقمة الأعراف. ولكي يصل إلى تلك القمة يمر بمراحل … مرحلة: هذا الفعل فيه مصلحة لي، ثم يرتقي فتقل اشتيقاته المادية فيصل لمرحلة: هذا الفعل جميل، استحسنه واستلذه … ثم يرتقي إلى مرحلة: هذا فعل عادل يحفظ الميزان … ولا يصدق في تلك المرحلة إلا إذا ما انتفت احتياجاته وافتقاراته … ثم يصل إلى القمة: هذا فعل أفعله لا مفر منه.

وهو إذا ما وصل إلى تلك القمة وصل إلى “ما بعد الفعل” وهو ذاته مرحلة “ما قبل الفعل”. فقبل الفعل كان الاسم الذي لا يقترن بزمان. اسم دون حركة، وإنما دال على حال. فقمة الأعراف لا تعرف الأفعال وإنما حالة العارف. وأهم حالاته أنه “عارف”.

العارف على قمة الأعراف يعود إلى لوحة الخلق كما كان عند نقطة الادراك الأولى .. عند الانفجار الادراكي الذي أدرك فيه نفسه لأول مرة وقبل أن يتعارف مع غيره على أعراف أخرى فوق الحقيقة. على قمة الأعراف ادراك حالة الذات دون فعل وتمام ذلك الادراك: ادراك الادراك دون ألوان الحالات.

فالحمد لله الذي اعترف بصدق أصحاب الأعراف في كتابه. اللهم نسألك إيمانا كإيمان سائر الخلق. اللهم لا تستجب.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: