Live from Cairoston

 ضمّها وقبّلها مرة أخرى، قبل أن يخرج لبرد ليل لا يعبأ بمن فيه. نزل رضوان في ظلمة موحشة لا يضيئها إلا بوادر بدر لم يكتمل. سار بجوار جدار متعال من أحجار صلبة خشنة، على طريق مرصوف بآلاف الأحجار. حجر أحمر مرصوص. شعب أحمق ينداس بطول طريق ضيق بين الجدار والبيوتات. ومع خطواته انتبه للصمت الثقيل من حوله حتى أن طوب الأرض ابتلع وقع أقدامه فلا يسمعها … ظلمة وصمت. سواد وسكون. وبرد. توقّف وركّز في انتظار صوت يؤكّد أنّه لم يصب بالصمم … فطال الوقوف وازداد القلق. صمت ثقيل يبتلع المرء ويعصره. تَرَقُبٌ يتسمّر معه الزمان في مكانه ولا يتتعتع. شعر، وإن لم ير أو يسمع شيئا، كأن لعنة أو تعويذة سحر تلفه وتصبغه لتعلّم عليه وتحوّله فريسة لوحوش جائعة. ومن خوف الصمت لخوف الموت انتقل رضوان، يا حول الله. ريق لا يبلع، وعينان تمسحان المكان ولا ترى إلا ظلاما وشرا. وبما بقي فيه من غريزة الأرض، اشتم رائحة الدم. علت ضربات قلبه وأنفاسه، فأراد تسكيتهما كي لا يكشفان مكانه. ثم ميّز صوت جلبة من الناحية الأخرى، فالتلفت بسرعة نحو المنعطف فإذا بضوء أصفر يتراقص، وظلال طويلة تمتد ولا تلبث أن تقصر، ثم تمتد وتقصر … ظلال على الطريق تفضح وحوشا  تشير لبعضها بالصمت والهدوء. تحجّر في مكانه فإذا بجسم يبرز فجأة وفي يده شعلة وفي اليد الآخرى خنجر مخيف. وقف الجسم يدقّق النظر في رضوان، ورفع الشعلة عاليا، ثم صرخ بأعلى صوته …

هون هون!! هجوووم!!

وفي لحظة اندفع ريح ساخن عفن نحو رضوان يسبق طوفان من السباع قد ظهر فجأة من فضاء دامس … نيران، وسيوف، وخناجر ووجوه ملطخة بالدماء، وصريخ وعويل، وقرون خرفان … تدفقوا جميعا نحو رضوان الذي خر على الأرض من هول المنظر … هجم عليه أحدهم وشدّه إليه والكل من حوله يكشفون عن أنياب وتسيل من أفواههم خيوط الدم. شد رضوان من شعره ليقوم من على الأرض ثم وضع الخنجر على رقبته وفحّ فحيحا في وجهه، ورضوان تدور أعينه كالذي تيقن النهاية. وفي حركة سريعة ترك الضبع شعره وضم منصور ضمة جحظت معها عيونه، وفح كالثعبان في وجهه:

إني أرى في المنام أني أذبحك!!!

ثم تركه وأمسك بتلابيبه كي لا يهرب … وقف رضوان مصعوقا، فضمّه الثانية وقال بصوت بطيء عميق كأن جانّا يهذي على لسانه

إني أرى في المنام أني أذبحُكَ!! … فماذا ترى؟!

ثم تركه وهو يمسك شعره كي لا يفلت … ورضوان بين انهيار واغماء ولا يرد، فأخذه وضمه الثالثة يحطم صدره ورذاذه يمتزج بدموع الرعب على خد رضوان … إنننييي أاارى فللل منااامييي أنننييي أذباحوكا … مااااذااا تراااى؟

هنالك انفجر رضوان بالبكاء والعويل وانفرط منه كلمات على الأرض: حرام، أنا، لأ، ليه، بس، مش، حرام … فكأن القوم اشمئزوا فرماه سجّانه ولاذوا بالفرار.

سقط على الأرض  يبكي ويرتعش، ينظر من بين الدموع إلى الطوب المُنفحش، يسأل أسئلة بلا ماذا أو كيف، مجرد ألف الف فرد ينحني في قهر، يسقط من كل حدٍ دمعة ذُل.

***

طاح الباب وانهمر رضوان تسبقه دموعه.

الحقني يا استاذ … بسسووورعة … بررردان … بررردان… غطيني … بررردان…

رضوان!!

قفز نحوه يضمه ويخلع عباءته ويلفّه، يزمل ويدثّر. يتفحص وجهه يبحث عن أثر يدل على ما حدث.

إيه اللي حصل يابني..؟ في إيه؟؟!

ورضوان يرتجف ويتمتم بمقاطع تتداخل في بعضها لارتعاش شفتيه وتخبط اسنانه.

لا حول ولا قوة إلا بالله… لا حول ولا قوة إلا بالله! اقعد يابني اقعد … لا حول ولا قوة إلا بالله!

جلس يهدئه ويمسح العرق عن جبينه علّه يستقر، يطمئنه أنه لا خطر وألا يخشى شيئا، ورضوان يرتجف، ينظر نحو النافذة يتخيل أن أحدهم سيهجم عليه من ناحيتها … أن زجاج النافذة سيتحطم فجأة فيهجم جيش من الدمويين شاهرين سيوفهم ليذبحوه…. ثم يلتفت نحو الباب ويحاول التأكد من أنه موصد جيدا … يرتجف وتتسارع أنفاسه … حاول أن يصرخ … ثم كتمها. كان يراقب نفسه ويدري أنه على حافة الجنون … شعر بأنه فعلا على وشك الإنفلات من بين عالم العقل ويهوي إلى دركات الجنون والخبل … ظل يردد لنفسه أنه بخير وعليه بالصبر … فالتقطها منه أحمض ورددها على مسامعه.

خلاص يا حبيبي خلاص …  بس يا رضوان خلاص … مافيش حاجة خلاص … بس يا بني خلاص.

ومع اطمئنان الهدوء وعودته لرضوان بدأ يسرد في جمل مفيدة مشاهد مما حدث، ففهم أحمض من فوره ما وقع، فاطمئن هو كذلك لعلمه بالموضوع، والإنسان يخاف ما يجهله. وبدأ يحكي لرضوان أنه منذ أكثر من عشرين سنة، عندما بدأت روح الربانية تسري في الرياض، وبدأ الناس في الاهتمام بكتاب الرب وتعليمه للأبناء، أراد بعضهم أن يحموا أولادهم من الروضانيّة من خلال تطعيم دروس الرياضة بالربانيّة. وبعد عناء وشقاء، وافقت بعض المراوض على الاحتفال بالحجّ من خلال تنظيم نموذج تمثيليّ لمناسكه. يبنى الطلاب نموذجا للكعبة ويأتون في يوم بفوط الحمام البيضاء ويطوفون كأنهم حجّاج. أما ما كان يسلب لبّ الأطفال ويسعدهم للغاية فرجم إبليس! كانت المروضة تنصب لهم ثلاثة أعمدة قصيرة فيدور الأطفال بينها يرجمونها بسبعة حصيات صغيرات. وبذلك تفائل الآباء بإمكانيّة إثراء المقررات الرياضيّة بمحتوى ربانيّ. من ناحية أخرى أراد بعض الروضيّين الاحتفال بعيد عندهم للملائكة وتعليمه للأبناء وتحبيبهم فيها. فطرّزوا لهم أزياء على صورة الملائكة ذوي الأجنحة ليبلسها الأطفال يوم العيد. ولكن الأطفال عزفوا عنها … خاصة الأولاد الذي رأوها قدحا في ذكورتهم النابتة. هنالك فتق في ذهن أب غيور على ربانيّة أبنائه فكرة جهنميّة – بمعنى الكلمة – فطرّز أزياء على صورة الشيطان، واتفق مع الآباء أن يمثل أبناءهم الصراع بين الخير والشر من خلال انتصار الملائكة على الشيطان، فنعم الاحتفاء بالملائكة أن نحتفل بانتصارهم على بثور الشر. وكان هذا الصراع كالسكّر في الطعام … فتحمس الأطفال لعيد الملائكة وصاروا ينتظرونه طوال العام. ولكن مع مرور السنين تحول عيد الملائكة تدريجيّا إلى عيد الشياطين والجان والأرواح الشريرة. والنفس أمارة بالسوء. إلا ما رحم ربي.

أما أبناء الربانييّن الذين نشأوا على تمثيل الحجّ كل عام، فعندما كبروا وعرفوا أصل قصة رجم الشيطان وقصة ابراهيم وذبح ابنه، أرادوا أن يمثلوها كذلك. فطالما نمثّل الطواف والسعي والرجم، وكله مجرد تمثيل بغرض التحبيب، فلماذا لا نمثل شروع ابراهيم في ذبح ابنه .. واستعداده للتضحية بالغالي من أجل الرب، في أسمى دلائل الإخلاص الإيمانيّ والعشق الإلهيّ. فصار الصبيان والشباب – بعيدا عن الأطفال – يمثلون هذه المحنة وهذا الاختبار، ليستشعروا هول الامتحان ورعب اسماعيل. ورغم رفض العديد من الآباء إلا أن لألأة الفكرة وبريقها كانت أمضى من لاآت الأباء.

وفي سنة من السنين توافق عيد الأشباح – الملائكة سابقا – مع الحجّ، فالأولى تقويمها شمسيّ والثاني قمريّ فيتوافقان كل ثلاثة عقود وسنتين. فخطر ببال أحدهم أن يتعانوا على البر والتقوى وبث روح الربانيّة المشتركة من خلال الاحتفالات في هذا العام. فتداخلت الأشباح والجان والأرواح الشريرة مع الشيطان الرجيم الموسوس لإبراهيم، وصار الرعب الذي شعر به ابن ابراهيم بسبب قرب الذبح مضافا إلى الرعب الناتج عن تمثل الشياطين. وارتدى بعضهم زي الملائكة وسائر الأبرار والصالحين، ولبس الآخرين زي الشياطين والصعاليك وسائر المفسدين، ورفعوا الخناجر والسيوف وصبّوا عليها دم الدواب. وطاردوا بعضهم بعضا في طرقات المدينة، ومنهم من حمل معه دجاجة حية أو يمامة أو أرنبا، فإذا ما أمسك بأحد يرتدي لبس الأخيار هدده قائلا “إني أرى في المنام أني أذبحك!! فماذا ترى؟!” وهنالك فالممسوك بين أمرين، إما أن يفدي نفسه من خلال بعض الحلوى التي يعطيها للماسك، وإما أن يستسلم ويرد “افعل ما تؤمر! ستجدني من الصابرين” وهنالك يذبح الماسك ما معه من طير في حركة مسرحية دموية. والأصل أن يفدي المرء نفسه بالحلوى، أو أن يفديه من معه، ولا يقبل الذبح إلا من تعب وأراد الراحة والمرواح.

كانت سنة يؤرخ بها. فلم ترى الروضة مثلها من بهجة روضانية-ربانية! ورغم أن العيدين افترقا في السنة التالية، إلا أنهم قرّروا أن يحافظوا على التقليد الجديد ليكون من مقدمات عيد الأضحى. فمن لحظات اللقاء العابر ما أفضى لحب، ومن الحب … ما قتل.

دول شباب بهرجوا يا رضوان … مافيش دبح ولا حاجة … دول بيحتفلوا بوقفة عرفات وإن بكرة العيد. معلهش يابني… أنت جديد على روضة أبو أيل … كان حقي نبهتك… بس ماكنتش أتخيل إن الموضوع يوصل لكده …المفروض يكون فرحة وتهريج.

هذا بزراميط يا استاذ! بزراميط ورب إبراهيم! مولد وصاحبه غائب!

عاد إلى رضوان تمام هدوءه واحتفظ بعباءة استاذه على أكتافه … اتفاق سكوتي بينهما على أن تظل معه الليلة، فلا الاستاذ طلبها منه ولا الطالب حاول إعادتها. ومع أكواب الشاي والدردشة، سهر الإثنان يتجاذبان أطراف الحديث، في انتظار صلاة الفجر، واحيانا يضحك رضوان على حاله وما حدث وعلى ما خطر بباله من يقين الموت … من شريط الحياة الذي مر أمام عينيه … ثم تمسح الابتسامة فور اجتراره ما شعر من ذل وقهر أمام الخوف والرعب، فيتغير الموضوع وتملأ الأكواب ويستمر السمر.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: