Live from Cairoston

الشظية الأولى

الاستاذ يريد قصة. يريد أن أكتب قصة اسمها “الرضوة”. الاستاذ قال “إقرأي الروضة والربوة ثم اكتبي الرضوة”. هو كتب الروضة والربوة ويريد أن أكتب القصة الثالثة. هو يريد “ثلاثية” مثل نجيب محفوظ. يا ترى، لماذا يريد أن أكتب الرضوة؟ هو قال أن ما قرأ أحد الروضة. أظن أنه يريد أن يقرأ أحد قصته. يا حرام!
أنا قرأت الروضة. هي قصة حزينة. الولد اسمه أحمض ويعيش في الصحراء. هناك جيش من الروضة الكبيرة يريد أن يجعل الصحراء مثل الروضة. أحمض يشعر بالغربة في الروضة الجديدة ويتركها ويعيش في الصحراء البعيدة. في نهاية القصة يأتي جيش الروضة ويريد أن يجعل الصحراء البعيدة مثل الروضة. ماذا يفعل أحمض؟ أين يذهب؟
كل القصص العربية حزينة. ما قرأت أي قصة عربية سعيدة! دائما القصص تتكلم عن الهوية الضائعة. القصة العربية الحديثة هي قصة البحث عن الإنسان العربي.
الاستاذ سعيد جداً بقصة الروضة. هو اخترع فيها كلمات جديدة. هو ما قرأ الأدب العربي مثلي ولا يعرف أن موضوع الروضة قديم. هو طبيب يحب اللغة العربية مثل محمد كامل حسين ويوسف إدريس وعلاء الأسواني ولكن لا يقرأ إلا كتب الطب.
سأقرأ الربوة ثم أكتب الرضوة.ـ

***

الربوة قصة لطيفة. هي من الأدب البوست مودرن (البعد حداثي؟؟؟) عندما قرأتها بسرعة ضحكت. أشعر أن الاستاذ يظن أنه يخترع طريقة جديدة للكتابة! هو ما قرأ الأدب البوست مودرن. أحيانا يكتب بطريقة “قُنفُذِسْك” مثل ابراهيم نصر الله. عندما اقرأ أرى استاذي في خيالي وهو سعيد باختراعه! هو لطيف مثل الطفل الصغير! هو أرسل لي “فكرة الرواية”. أظن أنه يظن أنني لن أفهم الربوة لوحدي.ـ

نبدأ في روضة أبو أيل واشتداد الحركة الربانية فيها. ومن خلال إشارات إلى الظبي والغزال والمهاة والأيل ومحاولة صيدها نحدد معنى “أبو أيل”، فهي روضة تكثر فيها الأيل والظباء وأنواع الغزلان.
من أسماء الشخصيات لمعائيل وومضائيل وضوضائيل نلفت نظر القارئ إلى علاقة ‹إيل› بالله، كما في اللسان العبراني. بالتالي فهناك معنيان، فالأيل قد يشير إلى الغزال/الظبي، أو إلى الإله.
الحركة الربانية تناطح الروضة ونظامها ولكن الروضة لا تزال ممسكة بزمام الأمور، ولكن إلى حين، وهذا يفرض على الربانيين تحمل الممارسات المختلفة التي لا يرضون بها (مثل أعياد الآخرين ودور البغاء) ويكلل سعي الربانيين بالنجاح فيتفقان مع الروضة على الاندماج في الروضة الربانية وتتحول روضة أبو أيل إلى ربوة إيلياء.
أحمض كان قد هرب إلى روضة أبو أيل لأن الحركة الربانية كانت في أوجها وبالتالي كان محميا من الروضة. ولكن عند اندماجهما يُكشف. سيكون قلقا من هذا الاندماج. ولكن لن نكتشف هذا القلق إلا قرب النهاية. هو أمام الناس يحافظ على وجه طلق وتهريج. ويبدأ في التدريس ليندمج مع الربانيين.
عارف وفهمي وحلمي في انتظار غزالة عربية من نوع خاص انقرضت أو كانت وهما. يتجادلون هل انقرضت ولماذا؟ أم كانت وهما؟ هذا الثلاثي حالة اكتئاب أو عبث أو شلل ينتظرون الغزال العربي ويؤلفون أثناء جلوسهم أبيات الغزل. من خلالهم أريد تأمل فلسفة الغَزَل وكيف يكون في عصر ما بعد الحداثة. هل سنكتشف شيئا مفيدا منقذا على يدهم أم يذهبون هباء منثورا في النهاية؟
يعيش في روضة أبو أيل جماعات كبيرة من الهنود يحتفلون يوما بعيد الأنوار، من خلال الاحتفال نشير إلى علاقة أهل الروضة الأصليين بهؤلاء الذين جاؤوا عُمّالا (نقد سلبيات أبو أيل ونموذج أبو ظبي، وعلاقة الضوء بالإله والغزال والغَزَل والحبيب).
تقام عيد الجزّارين في روضة أبو أيل كما أقيم عيد الأنوار، وهذا يكون مصدر احتكاك مع الحركة الربانية. ومن خلال حكاية أصل عيد الجزّارين نتناول ابراهيم والامتحان وذبح الأيل/الكبش والربط بين قتل الإله من أجل حياة الفرد.ـ

الأدب البوست حداثيّ هو أدب اللعب. ولكن هو لعب حزين. الربوة لطيفة لأنها تلعب. ولكنها حزينة في نفس الوقت. هناك أربعة خطوط في القصة. خط الرجال الثلاثة وخط رضوان وخط “إدارة روضة أبو أيل” وخط أحمض. كل رابع فصل عن نفس الخط. هذه هي أول أربعة فصول.ـ

الفصول الأربعة الأولى

(1)

ـ*اجتمعنا تحت هذه الشجرة نتبايع على الموت. أنا عارف لمعائيل أبايعكما على الموت.ـ

– ـ+ أنا فهمي ومضائيل أبايعكما على الموت.
ـ# أنا حلمي ضوضائيل أبايعكما على الموت.ـ

ـ* نحتاج شعارا لجماعتنا. ورمزا يجسّد هدفنا.
ـ# قد رأيت في المنام غزالة عربية تهبط إلينا من ربوة شامية، وبَرَكت أمامنا في استكانة وأمان. فلتكن لنا رمزا.
ـ* والشعار؟
ـ# سيكون شعارنا “المعنى معنا”.ـ

(2)

يا رب
أيتامهم جوعى ۝ أرحامهم ثكلى ۝ وأيديهم سفلى ۝ يدعون ربنا متى الفرج ۝ فقال أنا لها وانتفض ۝قام ليستجب ۝ فنادته الدنيا أن اجلس واستمع ۝ لصوت سلاسل حلقاتها من لهو ولعب ۝ فما استطاع قياما واستسلم وقعد ۝ وناجى يا مهدي فلتأت وتقد ۝ حتى سلبه النؤام وهو باك ينتحب ۝ إن الذين صدقوا العهد لا يصيبهم نَسَيان ۝ سجودهم سرمدي بين تبارك وسبحان ۝ تتشقق أقدامهم بالليل والناس نيام ۝ تظللهم نجوم الليل وفرشهم الجبال ۝ يفقهون تسبيحهم ويردون عليكم رحمات الرب والسلام ۝ فإذا شغف الصبابة فؤاده هدهد القلب اليدان ۝ يقول إلى سدرة المنتهى أسر بي ثم ألقني أمرك قدري فأهوي السموات السبع يطوينهن صدري وفي بحورك يفنيني الذوبان ۝ فترفعني سحابا تدفعني رياحٌ، غوث الصحاري والوديان ۝ وجنود الرحمن الذين يمرشون على الأرض: يمين؛ شمال ۝ يطيعون أمر ربهم للخلف در أو للأمام ۝ يهبون إلى الصلاة متى سمعوا الأذان ۝ زاهدين في الدنيا لا تخدعهم وعود أو آمال ۝ لا يبغون إلا رضا ربهم والغفران ۝ لو قال لهم كونوا حجارة أو حديدا لتحوّلوا قبل أن يتم الكلام ۝ أو موتوا لماتوا والميم والتاء بعد يلتقيان ۝ يتقون يوم الوقوف أمام الواحد الديّان ۝ ترى في وجوهم ربوة السجود ۝ تذوب من التبيسح أناملهم والبنان ۝ وتشق أنهار الدمع سوادا فوق الخدود ۝ كأن أجسادهم يركبونها إلى منتهى الحدود ۝ حتى يصلون فتصيح إذا اخترقت احترقت اتركني وامض إلى دار الخلود ۝ ألم ترى إلى المسيح قال جئت بالسيف لا السلام ۝ لأفرق بين الابن وأمه ويكون الأهل عدو الإنسان ۝ الذين يقولون ربنا لو نصلب فنعود فنصلب فنعود ذلك مبلغ الآمال ۝ أولئك الذين ذاقوا لذة الشهادة فعلموا ما لم يخطر على بال ۝ لذة المشاهدة وعين اليقين والإسلام ۝ أعشاشهم ميادين القتال ۝ تحت ظلال السيوف سكينة لهم وأمان ۝ اذا سمعوا صلصلتها رددوا نشيد الجنان ۝ أولئك الآمرون الناهون لا ينظرون مدحا ولا يخشون النكران ۝ وقالوا ربنا قد نال كتابك الهجران ۝ واستهزؤوا برسلك وحكموا بغير الفرقان ۝ فما من روضة إلا وصارت دار كفر وعصيان ۝ هذا بكاء المستضعفين من نساء وولدان ۝ دعاءهم ربنا نصرك الذي وعدت قبل فوات الأوان ۝ أرسل لنا من يضرب بسيفه أعناق الظالمين وينصب الميزان ۝ فيا دنيا غري غيري، لست لي بالزمان ولا المكان ۝ قد خسر الذين قالوا إنك أفضل ما في الإمكان ۝ بل دار الذل والهوان ۝ ماخلقت إذا إلا فتنة وامتحان ۝ إن أنت إلا حرث لي آتيك أنى شئت؛ مغرس الأعمال ۝ فلأسيحن فيك. أربع أركان ۝ ولأمسكن بقرنيك أزلزلك فإذا استويت رسوت فيك الجبال بسم الرب على هدى وإيمان ۝ وعلى أعلى ربوة أراك تحتي وقد عبّدتك للرحمن ۝ ليقبضني ولم أذق عسيلتك، ذلك منتهى الأمال ۝ ليباهي بي الصالحين وملائكته والجان ۝ هذا عبدي صنعته على عيني وسميته رضوان ۝ إن الذين صدقوا الشهادة بين ضلوعهم بركان ۝ حبهم في الفؤاد موج من فوقه موج وفوران ۝ قلقين منصطين ينتظرون لحظة الإيذان ۝ ليصبوا حميما يعذبون به أهل الكفر والطغيان ۝ ويكونوا من بعده خصبا لمن يرث الأرض بالقسط والميزان ۝ فويل لمن كتم في صدره حرارة الإيمان ۝ إنك ميت والعمر على الشوق دليل وبرهان ۝ هل أراك خبير بن الحمام ۝ اذ خرج مع المؤمنين يوم التقى الجمعان ۝ فقال لهم نبيهم قوموا إلى رضا ربكم والجنان ۝ قال بخ بخ ليتني أدرك ما وعد الرحمن ۝ فأخرج من جيبه تمرات يأكلهن ناظر الالتحام ۝ فتذكر وعد ربه فانتفض قال تالرَّبِّ لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لساعات طوال ۝ فألقى بهن وقام ۝ فقاتل وقتل لم يصبه ألم ولا خسران ۝ فبكته السموات والأرض بحارا وما كان معه من ثمار ۝ قالت احداهن يا عبد الرب أما تقويت بنا فننال نصيبا من صالح الأعمال ۝ قال يا أمة الرب لا تؤاخذينني لم أطق طول الزمان ۝ قالت ادع لنا ربك يلحقن بك قد أصابنا الفسوق والديدان ۝ فاستجاب له كذلك جزاء من استقام ۝ مثل الباذل نفسه في سبيل الرب كمثل يمامة بين الحمام ۝ قد حبسوا منذ ما فقسوا وفي يوم قبض السجان ۝ فجعلت تنقر الحديد حتى انكسر قالت هلموا إلى السماء والأرض ما عاد هذا السجن بالمكان ۝ فتهادلوا بينهم إن هي إلا يمامة قد أصابها الخبل والجنان ۝ فرفرفت باسم الرب هواها ورياحْهـ◊ـا لا يقبضن إلا الرحمن ۝ فلا تدري طير ما شعرت به من براح الأكوان ۝ إن في ذلك لمثل لكل عبد على المعالي يلام ۝ فانتفض ولا تستمع لصوت الدنيا إنها تصدك عن الطيران ۝ وأعلم أنه ما جعل في جوف امرئ قلبان ۝
صدق ما وقر في القلب من عشق الرب

(3)

ـ- اجتماعنا لبحث تأمين عيد الجزارين (راجع الشظية رقم 6 في نهاية الصفحة). نريد يا سيد صلاح تفادي ما حدث خلال عيد الأنوار.
+ ونحن تحت أمر الروضة أيها الرائد.
– تحت أمر الروضة؟ لو كنت تحت أمر الروضة لما خرجتم في هذه المظاهرات المطالبة باسقاطها يا سيد صلاح. فلنتكم على المكشوف. لا نريد تحويل عيد الجزارين إلى مسرح للتصادم بين الروضة وحركتكم المحظورة.
+ الحركة الربانية تلتزم بضوابط الروضانية في التعبير عن نفسها، ولا نبغي تصادما لا مع الروضة ولا مع غيرها.
– هناك خمسة وخمسون ربانيا لا يزالون قيد التحقيق بعد اعتدائهم على عمّال هنود احتفوا بعيد الأنوار. أظن لا داعي لأن أذكرك بما حدث. عمال بسطاء غرباء في روضة غير روضتهم يحبسون في قاعة الاحتفالات بعد أن اضرم فيها النيران.
+ حسب ما لدي من معلومات الأدلة تشير إلى أنها حادثة ناتجة عن اهمالهم هم واستخدامهم للفوانيس والشموع في مكان مغلق، إضافة لتقصير الروضة في ضمان وجود أدوات اطفاء الحريق ومنافذ الهرب.
– ونسيت مئات الربانيين الذين كانوا خارج القاعة يهتفون ضد عبدة البقر؟
+ بالضبط. خارج القاعة. والنيران انتشرت من داخل القاعة.
–  عموما التحقيق جار. وهدفنا تفادي حوادث مماثلة الاسبوع القادم. لا داعي للتظاهر ليلة العيد.
+ أهذا أمر؟
– هذا طلب.
+ دعني أقول شيئا وليكتبه مساعدك ويسجلها بالحرف. روضة أبو أيل كانت في الأصل أرضنا. حولت إلى روضة بالغصب والمكر وقبلنا ذلك رغما عنّا، وصرنا روضيين كما ينص كتابكم، ولا نتحرك إلا ضمن ما ينص عليه كتاب الروضة، وهو كفل الحرية والعدالة وتنفيذ الإرادة بما لا يتعارض مع إرادة الغير. ورغم أن هؤلاء الهنود الذين ما جاؤوا إلينا إلا لدنيا يصيبونها أرادوا أن يفرضوا على الروضة تحمّل تفاهة عيدهم، ورغم إن غالبية الروضة ليست منهم ولا تصيبهم إلا روائحهم وهذرمتهم، إلا أننا لم نتحرك ونطالب بسن قانون يوافق عليه أغلبية مجلس الروضة لحظر هذا العيد بوصفه شعيرة دينية تجرح مشاعر من لا يؤمن بها، وتركناهم … لهم دينهم ولنا دين.
أما عيد الجزارين فهو استفزاز متعمد لنا واستهزاء بديننا، فلا تأتي شرذمة قليلة بسفاهتهم وتطلب منا أن نتحملهم. إن زمان تحمل هذه الاهانات قد ولّى. لقد انضم غالبية أهل الروضة تحت لواء حركتنا ومن حقنا كما ينص كتاب الروضة أن نسن القوانين في إطار كتاب الروضة مما يعني أن هناك ألف طريق وطريق لمنع هذا العيد العبثي من أساسه.
– لقد تغيرت يا إمام صلاح.
+ الروضة كلها تغيرت بفضل الرب.
– ولكنني لازلت هنا، على هذه الناحية من المكتب وأنت على الناحية الأخرى. ولذلك فلا يزال واجبي أن أحافظ على سلامة أهل الروضة، بما في ذلك تلك الشرذمة كما تصفهم.
+ تتركهم يسيحون في الشوارع بسكاكينهم وتجتمع معنا نحن لنضمن سلامتهم هم وما لنا في ذلك العيد ناقة ولا جمل؟
– أخطر جماعتك بحظر التظاهر ليلة العيد
+ لم نعد جماعة، لقد صرنا الروضة! والأحرى أن يكون هذا الاجتماع لبحث كيفية تنظيم تظاهرات عيد الجزارين. نحن مستعدون للتعاون مع شرطة الروضة لتحديد أماكن التظاهرات وأماكن الاسفافات.
– ثم تنتهون إلى تحديد الاحتفال في قاعة مغلقة لينشب حريق كالمرة السابقة! عيد الجزارين يتطلب جريا في شوارع الروضة يا إمام صلاح!ـ

(4)

ـ(راجع الشظية رقم 2 في نهاية الصفحة)
(بعد رشفة أخيرة من اليانسون) ” سيتوقف الدرس يا أحبابي إلى ما بعد العيد نظرا لسفري وموسم الحج من بعده.”
سلّم الطلاب على استاذهم سلام مودع فأخذ أحمض يداعبهم ويوصيهم، وأخذوا يلقونه الدعوات التي يريدونه أن ينتهز فرصة سفره ليرفعها إلى السماء. ثم دخل أحمض مكتبه.
تعالى يا رضوان اتفضل (راجع الشظية رقم 3ب في نهاية الصفحة).
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا استاذ.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تعالى اقعد جانبي يا رضوان.
عندي سؤال يا استاذ. (وقبل أن يأذن له أحمض تابع) كيف قلت بجواز مسح الأرجل في الوضوء دون غسل، في حين أن الآية قطعية، وإذا ما ثبت وجود دليل قطعي الورود والدلالة فليس أمامنا إلا التسليم له.
ومن قال يا رضوان أنها قطعية الدلالة؟
قراءة “وأرجُلَكم” بالنصب تفيد أنها معطوفة على غسل الأيدي والوجه.
وقراءة “وأرجُلِكم” بالجر تفيد أنها معطوفة على مسح الرأس، فجاز المسح فقط.
ولكن يا أستاذ ألم يقل الربيون الأوائل أنه إذا تعارضت معاني الآية الواحدة، كما هو الحال بين مجرد المسح وتمام الغسل، تعاملنا مع الآية على أنها آيتين وحكمين ثابتين، لكل ظروفه، وقد خصصوا للمسح ظروف معينة.
شوف يا رضوان يابني… لولا سفري غدا لحاورتك حتى تقنعني أو أقنعك ولكن أتركك الآن بأمرين. أولا، والله، إني أحبك في الله… (أشرق وجه رضوان بابتسامة خالصة كشفت عن أسنانه البيضاء التي قلما يخرجها للنور ورد على التصريح المفاجئ كما ورد في السنة: أحبك الله الذي أحببتني فيه) ثانيا … هل سمعت عن المسألة الفاضحة؟ في المواريث؟
ضم حاجبيه ونظر في ركن السقف يحاول استرداد الذاكرة من ذهنه، فقطع أحمض حبل الورود “يابني قول لأ على طول وخلّص… أنا لسة مألّف الاسم دلوقت حتكون سمعتها فين؟!”
(وقد اضطرب قليلا) لا يا استاذ، لم اسمع عنه … عنها.
عصبتني يا أخي!
ثم عاد إلى هدوءه وابتسم متابعا، “اسمع يا رضوان هذه المسألة. صُميّة واحدة ست ملهاش غير أمها وأختها وجوزها وبنتها. يشاء ربنا إنها تموت مع بنتها في نفس اليوم. الكتاب بيقول في الحالة دي إن الأم تاخد التلت والأخت تاخد النص والزوج كذلك ياخد النص. يعني يقسم الميراث نِصفان وثُلُث، وده محال. نعمل إيه؟”
للحظة شعر رضوان بأن المسألة أكبر من خلفيته العلمية، ولكنه تذكر بابا في علم المواريث يسمى العَوَل ويحل به مثل هذه المسائل. فبدا على وجهه التركيز وخرج الرد منه ببطئ قبل أن تتسارع مفردات الحل: “هذه الْلْلْمَسْسْسْألة تُوقَسْسَّم على … ولأن الـ… محال فيعدل إلى … ثم … وبذلك (وبدأ صوته يعلو في حماس) يقسم المال بينهم على قدر سهامهم! وينتقص من الجميع بنسبة فرضهم! فيكون نصيب الزوج والأخت ثلاثةأثمان لكل منهما … ونصيب الأم الربع!
الله أكبر! ممتاز يا رضوان! ولكن لحظة. الكتاب واضح وضوح الشمس والدليل قطعي لا لبس فيه “فلأمه الثُلث” فبأي حق تبخسها حقها وتعطيها الربع؟ الكتاب لم يعطي للأم الربع في أي حالة من الحالات. جوابك يخالف صريح الكتاب يا رضوان. اخص عليك يا رضوان … ليه كده يا حبيبي؟
تعجب رضوان من الأسلوب ولم يعجبه. وحاول أن يدافع عن حل المسألة “ولكن يا استاذ، لا يمكن تقسيم التركة على نصفين وثلث”
الكتاب صريح وواضح، والدليل قطعي.
والربّيّون الأوائل خصموا من كل نصيب مقدار مساو كما قلت.
وبذلك خالفوا صريح الكتاب والدليل القطعي.الثلث يعني الثلث، فبأي حق يعطوا للأم الربع؟ آيات المواريث آيات محكمات واضحات.
سكت رضوان وانتظر الجواب البديل الذي يراه الاستاذ صوابا. ولكن رد أحمض – كعادته – لم يكن جوابا شافيا، وإنما جاء كالموعظة “هذه المسألة عنيفة يا رضوان. وإنما أطرحها عليك لأعنفك بها بلطف كي ترجع إلى نفسك وتفكر في مكانة الدليل من فقه الكتاب وفهمه. حتى مع وجود الدليل القاطع، فالمؤمن معرض لمعضلات لا دليل يرشده فيها. وأنت إن عجزت عن التصرف في غياب الدليل ستعجز عن التصرف السليم في وجوده… بل وستسيئ إلى الدليل. قسّم الميراث بين أهل صُمَيّة يا رضوان ولا تشطط. وأخبرني بما توصلت إليه عندما أعود.”
سأفعل يا استاذ. استأذن
استنى… اختك إزيّها؟
بخير والحمد لله. بلغتها سلامك المرة السابقة… ووالدي يبلغك تحياته.
الله يسلمه ويسلمها. خذ يا رضوان… (ومد يده وأخرج قنينة عطر من جيبه) خد ادي لأختك العطر ده.. قلّها هدية من أحمض وسلملي عليها.
شم رضوان القنينة في فضول فوجد أريجها من النوع الذي يدغدغ سقف الحنك عند شمها… فدعكها بطرف لسانه وابتسم لأثرها. وشكر استاذه على الهدية وقام منصرفا.
تابعه أحمض بشفاه مبتسمة وعيون قلقلة. كأب ودّع ابنه المسافر للمرة الأولى. يبتسم سعادة بأنه كبر، وينظر بقلق لعقبات الطريق.
خرج منصور من الغرفة المجاورة وليس على وجه سوى القلق.ـ

الشظية رقم 2

##اشتداد الحركة الربانية والمطالبة بإسقاط الروضة وإقامة الربوة ##

ربوة ربوة ربّانيّة
!! رربوة رربوة رربّانيّةة !!ـ

لا رودية روضانيّة
!! لا ررودية رروضانيّة !!ـ

ربوة ربوة ربّانيّة
!! رربوةة رربوةة رربانيّةة !!ـ

يهتف الفرد ويردّ المئات، في مسيرة تتكرّر صباحَ مساءْ. انكسر حاجز الخوف في ‹روضة أبو أيل› كما في عشرات الرياض الأخرى، فخرجت المسيرات المطالبة باقامة الربوة الربّانيّة محل الروضة الروضانيّة. وهذا هو أشهر هتافاتهم؛ ربوة مرتفعة عن سائر الأرض، ارتفاع سموٍ لا تكبّر وتسلّط. سمو نابع من عمق الإيمان بالربّ ومن العمل بمقتضى ذلك الإيمان. عمل ينطلق من العلم بالوحي كما فهمه الرِبّيّون الأوائل الذين ربّوا أتباعهم، فربّوا هم أتباعهم إلى يومنا هذا. ربوة لا تفتتن بالروديّة الفرديّة ووعود الروضانيّة. فإرادة الفرد تنطلق من هبة الربّ ونحو طاعته، ولا تدور جزافا في فضاءات الممكن.
في البداية كان النطق باسم الربوة مرضا يعاقب عليه القانون. اعتبرها المسؤولون شكلا من أشكال حمّى الروضة … حالة اكتئاب ناجم عن عطب في هيئة الانسان تجعله يتنافر مع النظام القائم، مما يستدعي ابتعاده عن بقية المجتمع منعا لانتشار العدوى. وكم من شيخ حُبس في المصحّات، وكم من شابّ عولج بأسياخ الحديد الكاوية على أم رأسه وفي غيابت دبره، طردا للمرض … وطمعا في الابراء. ولكن مع مرور الوقت، وتعلّم الناس فنّ العيش مع المرض (أي بكتمان أعراضه أمام العامة وإظهاره مع الخاصة) طفحت جماعات بأكملها مريضة بالربو (وهو الاسم العلمي لنوع الحمّى الذي يصيب الإنسان فيهذي مطالبا بالربوة الربّانيّة). فصارت فكرة الربوة في العديد من الرياض معلوما بالضرورة مسكوتا عنه. وباءت محاولات إغراء أبناء هذه المجتمات المريضة بنعيم الروضة، ومزايا الروضانيّة، بالفشل. فترويض أبناء المرضى بالربو في الرياض ورياضة عقولهم ونفوسهم وأرواحهم تبعا للنظام الروضانيّ، لا يتنج روضيّين إلا مرة أو مرتين من كل عشر محاولات. أما البقية فيخرجون أكثر حنقا على الروضة وأهلها واصرارا على اقامة الربوة الربّانيّة. مما دفع بعض المسؤولين إلى اعتبار الربو مرضا وراثيّا، لا يعالج، وإنما يستأصل أصحابها بالعزل أو الحبس. فطالب بعضهم بعمل حجر صحي كامل للرياض المصابة فلا يغادر منهم أحدا. وآخرون اقترحوا – بحماس شديد – حرق هذه الرياض المصابة على أهلها حماية للرياض السليمة. وكم من طبيب رحيم آثر بتر عضو حماية لسائر الأعضاء.
(وعلى ذكر الأعضاء وبترها، تجدر الاشارة إلى مشروع قانون بخصي المرضى، وذلك كحل وسط، فيتركون لمرضهم الذي غلبهم بأحبوه، ولكن دون أن يورّثوه لغيرهم، مما يعد جريمة في حق الأجيال القادمة. إلا أن المشروع رفض لشبهات وتعقيدات مختلفة.)
وفي لحظة اكتشاف، انتبه الناس – في روضة أبو أيل وغيرها – إلى أن كلّهم مرضى! فلم يعد هناك حاجة للاستحياء من أعراض الربو. فقد صاروا القاعدة في رياضهم لا الشذوذ. ولأن إدارة الروضة تخضع لرأي الأغلبيّة، تمّ الغاء القوانين المقيّدة للسعال والعطس باسم الربوة في الطرقات. فخرجت المسيرات كدليل جديد على عجز الروضة في التعامل مع المنادين بالربوة بطريقة تطوى بها صفحتها بلا عودة. لا العلاج ولا الترويض ولا الرياضة نافعة، والروضة مقبلة على انشقاق حاد يفضح الشروخ العميقة التي تعاني منها. والروّاد (مسؤولو الرياض) يريدون ايجاد حل يحمي النظام الروضانيّ المبني على ممارسة الانسان لإرادته بما لا يتعارض مع إرادة الغير، ولكن بدون الانجراف – بإرادة الأغلبيّة – إلى نظام يقيّد إرادة الإنسان بحجّة طاعة الربّ. ولكنّ الأيّام تكشف أنّ كلّما تركت الروضة الروضيّين الجدد لإرادتهم، حنّوا ومالو لماضيهم الأرضيّ وعاداتهم القديمة التي قيّدت إرادتهم باسم الربّ – بهتانا وزورا – في حين أن الروضة تؤمن بالربّ، وتؤمن أن الربّ يريد للإنسان الرودية وتمام التعبير عن إرادته، وتعتبر تقييد الإرادة باسم الربّ سوء تدين، وإن كانت تحتمله على المستوى الفرديّ – احتراما لرودية الفرد – فإنّها تجرّمه على مستوى الجماعة، وتعتبره كبيرة في حقّ الروضة وحقّ الربّ.
ومع مرور المسيرة وتبدّد الصياح، بدأ الطلّاب يتركون الشرفة ويعودون إلى مجالسهم حول أحمض، ليتابعوا درس نواقض الوضوء.
– أصحيح يا استاذ أنّ الربّ قد يسمح بإقامة الربوة دون جهاد وإراقة دماء؟ الاستاذ البكري قال إنه جائز، فلازم نحافظ على حسن الجوار مع الرَّوضيّين، بالذّات الرُّوميّين. لكن الاستاذ عمّار النابلسي اعتبر كلامه جُبن.
– جُبن رومي ولا نابلسي؟
ابتسم الطالب لابتسام استاذه وأعاد الكَرّة.
– أقصد، هل علاقتنا بالروضة علاقة حوار ودعوة، ولا حرب وجهاد؟
– طيّب، أليس الحرب حوارا … ولكن بأسلحة؟ والدعوة … أليست جهادا؟ الربيّون الأوائل كتبوا عن الدعوة في باب الجهاد.
– أقصد يا استاذ، هل الربوة … تقوم بالضرورة على الدم؟
– لو مَعَندكش دم مش حتعرف تقيم الربوة!
ضحك بعض الطلّاب واحمرّ وجه السائل حرجا. فاشفق أحمض على تلميذه المجتهد فأجاب: “شوف يا فاضل … الربّ قدر اشياء لا نعلمها، فلا تُرِدْ شيئا بحجّة شيءٍ أنت تجهله! الأفضل أن تجهل حجّتك عن أن تحتجّ بمجهول. فهمت؟
– لأ
– حصان!
هنا تدخّل رضوان مقاطعا: “كيف يستقيم ذلك يا استاذ؟ الله نفسه غيب ونحتج به رغم ذلك ‹واتّقوا الله الذي تسائلون به›”.
– بارك الله فيك يا رضوان. الإيمان بالله يحوّله من مجهول إلى معلوم. والعلم درجات، من شكّ وظنّ ويقين … تبعا لقوة الإيمان … حتى تصل إلى عين اليقين! أما قدر الله المخفيّ فأمر آخر.
– ولكن يا استاذ. قدّر الله اشياء وأنبأنا بها، كقيام الساعة مثلا. فإذا آمن شخص أنّ الله يفتح علينا روضة الرياض، وأنه سيهيئ الأسباب لإقامة الربوة الربّانيّة، فيصطدم أهل الربّ بأهل رودية الفرد، فيعذّبهم الله بأيدي الربّانيّين، فيَقْتلون ويُقْتلون، وآمن هذا الشخص إيمانا صار معه ذلك الأمر يقينا … ألا يستقيم أن يُرد الحرب بحجة ما علمه؟!
كان ذلك رضوان، يلقبونه برعد الربّ. طالب علم مجتهد، ثاقب البصر، لا يترك درسا – يستحق الحضور – في روضة أبو أيل إلا وحضرها، تخافه النساء والبنات، حتى أمه كانت تحتار معه … لا تطمئن إليه إلا اخته. أوّل من يصل للدرس بجلبابه الأبيض ومشروع اللحية المتعثر.
صحيح يا رضوان. إذا رسخ الإيمان بغيب ما إلى مستوى اليقين، صار حجّة على إرادة الشيء. فانظر ما تؤمن به … عسى أن تبني صرح عملك على ايمان فاسد فتنقضه! مما يعود بنا إلى نواقض الوضوء. قلنا أن المرء إذا شكّ في خروج الريح … ولم يتيقّن … ولم يسمع صوتا … ولم يشمّ رائحةً … فلا ينقض وضوءه، لأن اليقين لا يزول بالشكّ. أما إذا شممتَ رائحةَ فِساءٍ … وكنت بمفردك، فهذا دليل على خروج الريح. وأما لو كان زغلول معك في الغرفة، فالأحرى أن زغلول مصدر الرائحة وأن وضوءك سليم!
انفجر الطلّاب ضاحكين وكُل الأنظار موجّهة إلى زغلول الذي اعتاد اسلوب استاذه وصواعقه، واقتنع باستحقاقه لهذه اللسعات، فلا تمر جلسة إلا ويُشفّعها زغلول برائحة بَاطِنِه. وكم من مرّة توقّف الدرس عجبا للرائحة وتنافسا على تخمين طبيخ أم زغلول قبل أن يحدّد صاحب الجواب الصحيح وتتبدّد الرائحة رويدا، وتلتقط الأنفاس.
هكذا دروس الاستاذ أحمض. رحرحة علميّة. صار لأكثر من عامين يشرح في كتاب الطّهارة ولا يبدو أنّه ينوي مجاوزتها، فسرعان ما يتشعّب الدرس بأسئلة الطلّاب وأجابات استاذهم التي لا تفيد علما بقدر ما تفيد حوارا وإثارة للمزيد من الأسئلة. ولا يخلو درسا من نكة أو قصّة شيّقة … أو مسابقة لتخمين ما طبخت أم زغلول.
نستكمل الدرس غدا إن شاء الله.

الشظية رقم 3ب

ـ##مجادلة رضوان لاستاذه بعد الدرس | وصف منصور خادم أحمض ومدير مكتبه وهو يتابع مجادلة رضوان | دخول ذكرى، وصفها وعلاقتها بأحمض وحدوث مشكلة بينها وبين رضوان | حوار ذكرى مع أحمض منفردة واستفسارها عن سبب اصراره على اعطاء هذه الدروس السطحية التي تجذب أمثال رضوان وتبرير أحمض |##ـ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا استاذ.
وعليكم السلااام ورحمة الله وبركاته. اتفضل يا رضوان، تعالى.
دخل رضوان مكتب استاذه بعد الدرس مباشرة كعادته – للاستزادة أو الاستفسار عن نقطة أو المجادلة – في حين كان أحمض يهمّ بخلع جبّة الدرس والعمامة الزرقاء، ليجلس وسط الكتب والمسودات ويراجع بعض الأمور مع مصنور (مساعده). وكانت عادته أن يفعل ذلك بعد الدرس، حتى إذا ما ارتاح قليلا من الكلام المتواصل، جاء ابنه الأوسط بالعشاء الساخن، فيتناول ثلاثتهم العشاء. وأحيانا يقف الابن خارج المكتب بالطعام حتى يفرغ رضوان ويخرج، رغم ارشاد الأب له بإدخال الطعام لينضم إليهم رضوان. إلا أنّ الابن – بحدسه وذوقه ربما – اخذها على محمل التخيير لا الالزام، واختار عدم الانصياع. بين رضوان وسائر الخلق – بما فيهم ابن أحمض – عدم انسجام. هكذا القدر يبتلي بعض الناس بسحنة غير مريحة … وربما كان متوقّد الذكاء وألمعيّ، فتضاف الريبة إلى عدم الارتياح؛ قلق من فرط النباهة.
أما رضوان نفسه، فعاش حياته ينكر هذا التنافر ويتعامل كأنه وهم وخيال لا محل له من الحقيقة. تجده مقبلا على الناس لا يتردد في ابداء رأيه أو نقد رأي آخر. عنده نهم من نوع ما … نهم للتعبير عن النفس وإقامة المعوجّ في نظره. هذا طبعا مع الرجال من بني جنسه. أما النساء فهو ينفر منهن أكثر من نفورهن منه. يا ويلها تلك التي تحاول الدخول مع رضوان في جدال. إن كانت رجلا لبارزها رضوان بطيب نفس حتى الرمق الأخير. أما لعورتها وفتنتها، فيبدأ رضوان بالتجاهل وإنكار الوجود. فإن أصرّت أعطاها احدى أذنيه – فقط لا غير – وانصرف عنها بكامل جسده وعقله حتى تفرغ شحنة الكلام التي لا ينتبه إليها، و يتمتم بكلمات من طراز “يفعل الله ما يشاء” أو ربما حيّرها بـ”لا حول ولا قوة إلا بالله” أو ربما صدمها ولخبطها بكفٍ في كفٍ مع “إنّا لله وإنّا إليه راجعون”. فإن أبت إلا ردا معتبرا يحترم وجودها فهجمت على عينيه بعينيها لتقتحم انتباهه، ربما غطى وجهه بيده وطلب العفو من السموات العلا. وكم من امرأة فقدت أعصابها معه فرمته بوابل من كلام مسنون، فما كان منه إلا أن جعل أصابه في آذانه واستغشى ثيابه، وولى مدبرا ولم يعقب.
يا استاذي… أما كان من الأفضل أن تعلّم فاضل ضرورة البحث عن الدليل واتباعه؟
هو لم يسأل عن الدليل واتباعه، وإنما سأل “هل يلزم اقامة الربوة إراقة الدماء؟”
ألا يجب على طالب العلم أن يبحث عن الدليل في هذه المسألة؟
كتاب الربّ وكلام الأنبياء لا يذكر الربوة. إنما هو اسم ابتدعناه نحن. فعن أي دليل نبحث؟
مثلا، قوله تعالى “وكأي من نبي قاتل معه ربّيّون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا” … وأشراط الساعة يا استاذي، وأنتم أعلم بها منّي، والملحمة الأخيرة بين …
(مقاطعا) وما أدراك أنّ المنادون بالربوة هم الربّيّون الكثر؟ أو حتى بينهم وجه مقارنة؟ الأننا سميّنا أنفسنا ربّيّون صرنا المقصودين بالآية؟ وما أدراك أن قيام الربوة هي المرادة في روايات أشراط الساعة؟ من أين لك بهذا اليقين؟
هذه أمثلة … مجرد أمثلة. إما مناسبة وإما يجب أن أبحث عن غيرها… ولكن لابد من دليل استرشد به للحكم على مسألة والاجابة عليها. وإلا فلماذا أرسل الله الأنبياء وأنزل الكتب “ما فرّطنا في الكتاب من شيء”
أو تظنّ يا رضوان أن كل مسألة خطرت ببال إنسان عليها دليل من كتاب الله وكلام الأنبياء؟
اللهم نعم!
أدخلي يا ذكرى… تعالى يا بنتي احضرينا. هل كل مسألة خطرت على البال لها دليل من كتاب الربّ وكلام الأنبياء؟
دخلت ذكرى وقبل أن تجلس ردت دون تردد “بالطبع لا، وإلا كان تسلسلا لا نهائيا، هناك بديهيّات لا نبحث لها عن دليل، وإنما نقبلها كما هي.”
جلست ذكرى بجوار استاذها على الأرض وحدّقت في رضوان الواقف أمامها كأنّه كائن عجيب تتفحص تركيبه. حاول رضوان في البداية التركيز على وجه استاذه ولكن وجود ذكرى في مجال بصره كان كفيلا بأن يدور للشمال ربع دائرة حتى صار كتفه تجاه استاذه وبصره تجاه الجدار.
ضحك الاستاذ بلطف “الله يجازيك يا رضوان ويقوي إيمانك … روح ونكمّل كلامنا بُكرة إن شاء الله.
إن شاء الله.
استنى! أختك عاملة إيه؟
بخير والحمد لله
بلّغها سلامي وسلّملي على الوالد.
بإذن الله تعالى. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وعليكم السلااااام ورحمة الله وبركاتو.
خرج رضوان من هنا ودخل ابن أحمض مباشرة بصحن العشاء ونادى في خبث “اتفضل معانا يا رضوان”
بارك الله فيك، لا شكرا.
رفع أحمض حاجبيه وبرّق عينيه موّعدا وهمس “يابني عيب بلاش الحركات دي! قولتلك قبل كده خش على طول بالأكل… كده يزعل!”
حاضر يا بابا.
مالت ذكرى وسألت في عجب “ما زلت تعطي هذه الدروس؟ لماذا؟ والله لا تجني من وراءها إلا صداع رضوان وأمثاله. سنتان؟! سنتان يا استاذ؟ في كتاب الطهارة وأنت من أنت في علوم الكتاب والحكمة وسائر المعارف؟”
(مداعبا) الطهارة شطر الإيمان يا بنتي.
يا شيخ؟! (وكانت ذا طبع حام!) بدل اللتّ والعجن في أمور يتعلمها الطفل من أبويه، علّم هؤلاء الشباب ما ينفعهم في دينهم ودنياهم.
يا بُنيتي، نحن خلال هذه الدروس الطاهرة نتناول مواضيع شتى وقواعد فقهية عامة ونتناقش في شؤون العباد والرياض. ثم كما قلت لك من قبل … علمي لا أنقله في دروس عامة وإنما في الصحبة والحوار، وآخر ما احتاج إليه حلقة درس تتسع. يكفيني دستة الأشرار هؤلاء ومجادلات رضوان.
ثم التفت إلى ابنه وكرّر موعدا “وانت يا ولد … مرة تانية لو جيت ورضوان موجود خش على طول … أنا مش بهرّج!
(مبتسما بخبث) حاضر يا بابا
وتابع أحمض “رضوان يا أولاد زي جبل الفحم اللي في قلبه الماس. أتمنى يوم إنه يكشف للناس جوهره. ويومها حيندم ويستحي كل اللي أساؤوا له.”
بس يا استاذ العبقري عرضة لكره الناس … العبرة بطريقة التعامل … مش الذكاء.
صحيح يا بنتي، صحيح. أنا أقصد بالماس صفاء إنساني رفيع … طاقة حب مهولة ولكنها مكدّسة ومتكبّسة … تحتاج تفجير!

الشظية رقم 6

ضمّها وقبّلها مرة أخرى، قبل أن يخرج لبرد ليل لا يعبأ بمن فيه. نزل في ظلمة موحشة لا يضيئها إلا بوادر بدر لم يكتمل. سار بجوار جدار متعال من أحجار صلبة خشنة، على طريق مرصوف بآلاف الأحجار. حجر أحمر مرصوص. شعب أحمق ينداس بطول طريق ضيق بين الجدار والبيوتات. ومع خطواته انتبه للصمت الثقيل من حوله حتى أن طوب الأرض ابتلعت وقع أقدامه فلا يسمعها … ظلمة وصمت. سواد وسكون. وبرد. توقّف وركّز في انتظار صوت يؤكّد أنّه لم يصب بالصمم … فطال الوقوف وازداد القلق. صمت ثقيل يبتلع المرء ويعصره. تَرَقُبٌ يتسمّر معه الزمان في مكانه ولا يتتعتع. شعر، وإن لم ير أو يسمع شيئا، كأن لعنة أو تعويذة سحر تلفه وتصبغه لتعلّم عليه وتحوّله فريسة لوحوش جائعة. ومن خوف الصمت لخوف الموت انتقل، يا حول الله. ريق لا يبلع، وعينان تمسحان المكان ولا ترى إلا ظلاما وشرا. وبما بقي فيه من غريزة الأرض، اشتم رائحة الدم. علت ضربات قلبه وأنفاسه، فأراد تسكيتهما كي لا يكشفان مكانه. ثم ميّز صوت جلبة من الناحية الأخرى، فالتلفت بسرعة نحو المنعطف فإذا بضوء أصفر يتراقص، وظلال طويلة تمتد ولا تلبث أن تقصر، ثم تمتد وتقصر … ظلال على الطريق تفضح وحوشا  تشير لبعضها بالصمت والهدوء. تحجّر في مكانه فإذا بجسم يبرز فجأة وفي يده شعلة وفي اليد الأخرى خنجر مخيف. وقف الجسم يدقّق النظر فيه، ورفع الشعلة عاليا، ثم صرخ بأعلى صوته …
هون هون!! هجوووم!!
وفي لحظة اندفع ريح ساخن عفن نحوه يسبق طوفان من السباع قد ظهر فجأة من فضاء دامس … نيران، وسيوف، وخناجر ووجوه ملطخة بالدماء، وصريخ وعويل، وقرون خرفان … تدفقوا جميعا نحوه الذي خر على الأرض من هول المنظر … هجم عليه أحدهم وشدّه إليه والكل من حوله يكشفون عن أنياب وتسيل من أفواههم خيوط الدم. شده من شعره ليقوم من على الأرض ثم وضع الخنجر على رقبته وفحّ فحيحا في وجهه، وهو تدور أعينه كالذي تيقن النهاية. وفي حركة سريعة ترك الضبع شعره وضمه ضمة جحظت معها عيونه، وفح كالثعبان في وجهه:
إني أرى في المنام أني أذبحك!!!
ثم تركه وأمسك بتلابيبه كي لا يهرب … وقف مصعوقا، فضمّه الثانية وقال بصوت بطيء عميق كأن جانّا يهذي على لسانه
إني أرى في المنام أني أذبحُكَ!! … فماذا ترى؟!
ثم تركه وهو يمسك شعره كي لا يفلت … وهو بين انهيار واغماء ولا يرد، فأخذه وضمه الثالثة يحطم صدره ورذاذه يمتزج بدموع الرعب على خده… إنننييي أاارى فللل منااامييي أنننييي أذباحوكا … مااااذااا تراااى؟
هنالك انفجر بالبكاء والعويل وانفرط منه كلمات على الأرض: حرام، أنا، لأ، ليه، بس، مش، حرام … فاشمئز القوم منه ورماه سجّانه ولاذوا بالفرار.
سقط على الأرض  يبكي ويرتعش، ينظر من بين الدموع إلى الطوب المُنفحش، يسأل أسئلة بلا ماذاأو كيف، مجرد ألف الف فرد ينحني في قهر، يسقط من كل حدٍ دمعة ذُل.

***
طاح الباب وانهمر تسبقه دموعه.
الحقني يا استاذ … بسسووورعة … بررردان … بررردان… غطيني … بررردان…
…؟؟!!
قفز نحوه يضمه ويخلع عباءته ويلفّه، يزمل ويدثّر. يتفحص وجهه يبحث عن أثر يدل على ما حدث.
إيه اللي حصل يابني..؟ في إيه؟؟!
و”ابنه” يرتجف ويتمتم بمقاطع تتداخل في بعضها لارتعاش شفتيه وتخبط اسنانه.
لا حول ولا قوة إلا بالله… لا حول ولا قوة إلا بالله! اقعد يابني اقعد … لا حول ولا قوة إلا بالله!
جلس يهدئه ويمسح العرق عن جبينه علّه يستقر، يطمئنه أنه لا خطر وألا يخشى شيئا، وهو يرتجف، ينظر نحو النافذة يتخيل أن أحدهم سيهجم عليه من ناحيتها … أن زجاج النافذة سيتحطم فجاءة فيهجم جيش من الدمويين شاهرين سيوفهم ليذبحوه…. ثم يلتفت نحو الباب ويحاول التأكد من أنه موصد جيدا … يرتجف وتتسارع أنفاسه … حاول أن يصرخ … ثم كتمها. كان يراقب نفسه ويدري أنه على حافة الجنون … شعر بأنه فعلا على وشك الإنفلات من بين عالم العقل ويهوي إلى دركات الجنون والخبل … ظل يردد لنفسه أنه بخير وعليه بالصبر … فالتقطها منه أحمض ورددها على مسامعه.
خلاص يا حبيبي خلاص …  بس خلاص … مافيش حاجة خلاص … بس يا بني خلاص.
ومع اطمئنان الهدوء وعودته بدأ يسرد في جمل مفيدة مشاهد مما حدث، ففهم أحمض من فوره ما وقع، فاطمئن هو كذلك لعلمه بالموضوع، والإنسان يخاف ما يجهله. وبدأ يحكي أنه منذ أكثر من عشرين سنة، عندما بدأت روح الربانية تسري في الرياض، وبدأ الناس في الاهتمام بكتاب الرب وتعليمه للأبناء، أراد بعضهم أن يحموا أولادهم من الروضانيّة من خلال تطعيم دروس الرياضة بالربانيّة. وبعد عناء وشقاء، وافقت بعض المراوض على الاحتفال بالحجّ من خلال تنظيم نموذج تمثيليّ للمناسكه. يبنى الطلاب نموذجا للكعبة ويأتون في يوم بفوط الحمام البيضاء ويطوفون كأنهم حجّاج. أما ما كان يسلب لبّ الأطفال ويسعدهم للغاية فرجم إبليس! كانت المروضة تنصب لهم ثلاثة أعمدة قصيرة فيدور الأطفال بينها يرجمونها بسبعة حصيات صغيرات. وبذلك تفائل الآباء بإمكانيّة إثراء المقررات الرياضيّة بمحتوى ربانيّ. من ناحية أخرى أراد بعض الروضيّين الاحتفال بعيد عندهم للملائكة وتعليمه للأبناء وتحبيبهم فيها. فطرّزوا لهم أزياء على صورة الملائكة ذوي الأجنحة ليبلسها الأطفال يوم العيد. ولكن الأطفال عزفوا عنها … خاصة الأولاد الذي رأوها قدحا في ذكورتهم النابتة. هنالك فتق في ذهن أب غيور على ربانيّة أبنائه فكرة جهنميّة – بمعنى الكلمة – فطرّز أزياء على صورة الشيطان، واتفق مع الآباء أن يمثل أبناءهم الصراع بين الخير والشر من خلال انتصار الملائكة على الشيطان، فنعم الاحتفاء بالملائكة أن نحتفل بانتصارهم على بثور الشر. وكان هذا الصراع كالسكّر في الطعام … فتحمس الأطفال لعيد الملائكة وصاروا ينتظرونه طوال العام. ولكن مع مرور السنين تحول عيد الملائكة تدريجيّا إلى عيد الشياطين والجان والأرواح الشريرة. والنفس أمّارة بالسوء. إلا ما رحم ربي.
أما أبناء الربانييّن الذين نشأوا على تمثيل الحجّ كل عام، فعندما كبروا وعرفوا أصل قصة رجم الشيطان وقصة ابراهيم وذبح ابنه، أرادوا أن يمثلوها كذلك. فطالما نمثّل الطواف والسعي والرجم، وكله مجرد تمثيل بغرض التحبيب، فلماذا لا نمثل شروع ابراهيم في ذبح ابنه .. واستعداده للتضحية بالغالي من أجل الرب، في أسمى دلائل الإخلاص الإيمانيّ والعشق الإلهيّ. فصار الصبيان والشباب – بعيدا عن الأطفال – يمثلون هذه المحنة وهذا الاختبار، ليستشعروا هول الامتحان ورعب اسماعيل. ورغم رفض العديد من الآباء إلا أن لألأة الفكرة وبريقها كانت أمضى من لاآت الأباء.
وفي سنة من السنين توافق عيد الأشباح – الملائكة سابقا – مع الحجّ، فالأولى تقويمه شمسيّ والثاني قمريّ فيتوافقان كل ثلاثة عقود وسنتين. فخطر ببال أحدهم أن يتعانوا على البر والتقوى وبث روح الربانيّة المشتركة من خلال الاحتفالات في هذا العام، فيقفون جميعا بنيانا مرصوصا أمام الهجمة الروضانية. فتداخلت الأشباح والجان والأرواح الشريرة مع الشيطان الرجيم الموسوس لإبراهيم، وصار الرعب الذي شعر به ابن ابراهيم بسبب قرب الذبح مضافا إلى الرعب الناتج عن تمثل الشياطين. وارتدى بعضهم زي الملائكة وسائر الأبرار والصالحين، ولبس الآخرين زي الشياطين والصعاليك وسائر المفسدين، ورفعوا الخناجر والسيوف وصبّوا عليها دم الدواب. وطاردوا بعضهم بعضا في طرقات المدينة، ومنهم من حمل معه دجاجة حية أو يمامة أو أرنبا، فإذا ما أمسك بأحد يرتدي لبس الأخيار هدده قائلا “إني أرى في المنام أني أذبحك!! فماذا ترى؟!” وهنالك فالممسوك بين أمرين، إما أن يفدي نفسه من خلال بعض الحلوى التي يعطيها للماسك، وإما أن يستسلم ويرد “افعل ما تؤمر! ستجدني من الصابرين” وهنالك يذبح الماسك ما معه من طير في حركة مسرحية دموية. والأصل أن يفدي المرء نفسه بالحلوى، أو أن يفديه من معه، ولا يقبل الذبح إلا من تعب وأراد الراحة والمرواح.
كانت سنة يؤرخ بها. فلم ترى الروضة مثلها من بهجة روضانية-ربانية! ورغم أن العيدين افترقا في السنة التالية، إلا أنهم قرّروا أن يحافظوا على التقليد الجديد ليكون من مقدمات عيد الأضحى. فمن لحظات اللقاء العابر ما أفضى لحب، ومن الحب … ما قتل.
دول شباب بهرجوا يا ابني… مافيش دبح ولا حاجة … دول بيحتفلوا بوقفة عرفات وإن بكرة العيد. معلهش يابني… أنت جديد على روضة أبو أيل … كان حقي نبهتك… بس ماكنتش أتخيل إن الموضوع يوصل لكده …المفروض يكون فرحةوتهريج.
هذا بزراميط يا استاذ! بزراميط ورب إبراهيم! مولد وصاحبه غائب!
عاد إليه تمام هدوءه واحتفظ بعباءة استاذه على أكتافه … اتفاق سكوتي بينهما على أن تظل معه الليلة، فلا الاستاذ طلبها منه ولا الطالب حاول إعادتها. ومع أكواب الشاي والدردشة، سهر الإثنان يتجاذبان أطراف الحديث، في انتظار صلاة الفجر، واحيانا يضحك على حاله وما حدث وعلى ما خطر بباله من يقين الموت … من شريط الحياة الذي مر أمام عينيه … ثم تمسح الابتسامة فور اجتراره ما شعر من ذل وقهر أمام الخوف والرعب، فيتغير الموضوع وتملأ الأكواب ويستمر السمر.ـ

صفحة شظايا الربوة

Advertisements

Comments on: "الربوة – الشظية الأولى" (1)

  1. […] الشطية رقم 6 على هذه الصفحة) وعندما امتد السمر إلى عتبات الفجر تنهد أحمض ونظر إلى […]

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: