Live from Cairoston

الشظية الثانية

هذا فصل أعجبني جدا! عنوانها في القصة “أحمض ومنصور يسافران إلى روضة الرياض ويتناقشان في تبعات المسألة الفاضحة” ولكن أظن أن العنوان الأفضل هو “دمعة منصور”.ـ

نام منصور أثناء ركوب الحنطور للميناء بينما ظل أحمض مستيقظا يتأمل شروق الشمس خلف الزروع ويفكر في روضة الرياض (راجع الشظية رقم 9 في نهاية الصفحة)
صعدا المركب ودخلا الغرفة المخصصة لهما ثم نعس أحمض ودخل في نوم امتزج بأحلامها ذكريات الروضة ووجه فاتنة ودروس العود. وعندما استيقظ أحمض ولم يجد منصور، قام إلى سطح السفينة بحثا عنه، فوجده واقفا عند الحافة ينظر إلى الأفق حيث التقاء الماء بالسماء.
– يعني أحكام المواريث اللي بنفتخر بيها طلعت معيوبة؟ يعني كتاب الرب فيه عيب؟
فهم أحمض من فوره أنه كان يفكر في المسألة الفاضحة وفي تبعات المعضلة. “معاذ الله! من قال هذا الكلام؟ المؤمن لا يقول ذلك أبدا.” ومنصور لا يزال ينظر للأفق، وقف أحمض وكتفه في كتفه وبدأ كأنه يدرّس لموج البحر وأسماكها “لماذا لا نعتبرها لفتة ربانية … لفت نظر إلى قصور فكرة الدليل القاطع. ربما كان الغرض بث التواضع في نفوس أولئك الذين يحوّلون الآيات إلى سياط وسيوف يقطعون بها من حاد قيد أنملة عن الخط الرفيع المرسوم ولا يرون إلا معنى واحدا لكل آية.
ثم نظر إلى منصور كأنه اكتشف اكتشافا “ثم يا منصور إيش عرّفك … مش ممكن يكون أصلا من المستحيل إن واحدة ست تموت وتسيب وراها جوز وأم وأخت و بس؟ مش ممكن تكون الحالة دية مستحيل تحصل في الواقع وبالتالي بالمسألة الفاضحة مسألة نظرية مالهاش وجود في الحقيقة؟”
– وده يعقل ده يا استاذ؟
– فكّر بس معايا … ليه منقولش إن لو حصل وواحدة ست ماتت وسابت جوز وأم وأخت، فدي اشارة ربانية إلى إن في حاجة غلط، إما إن أمها مش أمها، أو إن اختها مش أختها، أو إن عقد جوازها كان باطل. مش ممكن يكون ربنا قدّر إنه لا يمكن تحصل الحالة دية، ولو حصلت يبقى احنا اللي غلطانين في اعتبار مين الأم أو الأخت أو الزوج؟
ظل منصور ناظرا إلى الأفق وعلى وجهه علامة استخفاف بما يقوله استاذه. رأى أحمض نظرته فابتسم وعاد من جديد “من غير ما نطعن في أنساب حد ومن غير مانكدّب حد … لو قدامك احتمالين، الاحتمال الأول وجود قصور في الوحي الإلهي، والاحتمال التاني وجود خطأ في مين خلّف مين ومين متجوز مين … يبقى إيه الأولى؟ تصدق مين، ربنا ونبيّه ولّا أم صُمَيّة؟”
يعني حضرتك بتقول إن المسألة الفاضحة إن امرأة تموت عن زوج وأم وأخت لا وجود لها في الواقع؟
أنا بقول إن مفيش داعي لفهم المسألة على أنها إثبات لقصور الوحي. مفيش حاجة ممكن تجبرك على الاعتقاد بإن الوحي قاصر إلا لو انت عايز تؤمن بكده. ممكن زي ما قلتلك تكون لفتة ربانية لخطأ فكرة الدليل القاطع، أو ممكن تكون حالة لا يمكن تحصل في الحقيقة …
(مقاطعا) بس إزاي بس نقول مش ممكن تحصل في الحقيقة؟ نسبة الأم والأخت للمتوفية يثبت بالتحليل، وعلاقة الزوجية قائمة بالعقد …
(مقاطعا) إيش عرفك إنه ما طلقهاش قبل ماتموت وكتّموا على الموضوع؟ أو إيش عرفك إن المتوفاه مالهاش ابن ولا بنت مستخبي كده ولا كده … إيش عرفك إن ملهاش أخت تانية أو أخ هنا ولا هناك وأمها ساكتة على الموضوع الله أعلم ليه؟ يابني المسائل دية لا يمكن تحسم… لا يمكن تحسم!! دايما في مجال للشك! ولو حتختار تشك في الناس وأنسابها أو في كتاب الله، حتختار مين؟ لو خيّروك يا منصور … شك في واحد وتأكد من التاني، وخيروك تشك في أمك ولا في الكتاب، حتشك في أي واحد منهم؟
– دي فتنة يا استاذ!
– أيْيْيْواا … الله ينوّر عليك … “أحسب الذين آمنوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون”.
شعر منصور، ولاحظ أحمض، أن علاقتهما اتخذت شكلا مختلفا مع هذا الحوار. لأول مرة يتحدث منصور إلى استاذه دون أن ينظر في وجهه، أن يقف بجانبه كأنهما صاحبان. أول مرة يظهر علامة استخفاف بكلام استاذه وما معناه “أنت أهبل ولّا فاكرني أهبل؟” وقفا يتأملان الموج والأفق وكلاهما يفكر في نفس الموضوع. ترى ما سبب هذا التحول في العلاقة؟ وهل هو تحول ارتقاء أم تدهور؟ أنا أنبئك بما حدث لمنصور، أنا دمعة اصطفتني عينيه من شرايينه. وقبل أن أحبس في عينه اليمنى مررت على قلبه. هناك شاهدت جلبة وقلق. سِيدي منصور شعر بأن الأرض التي كان يقف عليها تزلزلت. الأساس الذي قامت عليه علاقته باستاذه انشرخ … كتاب الرب وقع على الأرض ولم يهم أحدا برفعه وتقبيله ومسحه. كتاب الرب سقط فجأة في نظره، وتساقط معه ما كان يربطه باستاذه. أنا أحكي لك ما لا يعرفه منصور نفسه … هو لم يدرك الأمر بعد. ربما أدركه أحمض ولكن منصور لم يدركه … يجب أن أحكي لك بسرعة، فقد وصلت إلى آخر خده ونهاية مشواري. أحمض لم يعد استاذ منصور. لا مجال للاستاذية الآن. أحمض صار صاحبه على درب العبث. تحوّل ارتقاء أم تدهور. احكم أنت. أيهما أعظم؛ علاقة العلم والمعرفة أم الصحبة والصداقة؟ سأسقط الآن… سأنضم إلى قطرات البحر المالح. أنا مالحة ولكن ملوحة آدمية خصوصية دافئة. كم أخشى ملوحة هذا البحر الهائج … ملوحة شاسعة المساحة، شائعة التمثيل، باردة، ولو تحت قرص الشمس. سأفتقدك يا سِيدي منصور. كان لي شرف أن اصطفيتني لأرطب لك عينك. سأحلم برمشك الذي لم يرد أن يتركني … وأنا والله ما وددت أن اتركه. آه ما أحلى رمشك … سأتذكر دوما جلدك الأسمر … تركت لك جزءا مني عند ملتقى شفتيك، على طرف شاربك الخفيف … آه يا منصور … الوداع … وداعا يا منصور … تذكرني يا سَيِّدي … تذكر الدمعة التي ضحت بعمرها من أجل لحظة ترطب لك عينيك وتأخذ معها ولو جزء من همك وتهوى … وتهوى … أهوى … أهواااااك ياااا س … تِشش.ـ

الشظية رقم 9

ـ## استدعاء أحمض إلى روضة الرياض ##

ـ-    يا منصور! شوف مين على الباب!
–    الاستاذ أحمض حميم ضرغام موجود؟
دخل رجل بزي رسمي وسلّم على أحمض وسلّمه ظرفا مغلقا … بعدها انتصب ونظر نحو السقف وقال بصوت جهوري: “بالحق المخوّل إلي من خولي الرياض استدعيك للحضور فورا إلى روضة الرياض. ألا هل بلغت؟!”
–    (ضاحكا) أيوة يا سيدي بلّغت. متشكرين!
عاد الساعي إلى هيئته الأولى وتابع بنبرة آدمية عادية: “كل التفاصيل موجودة في الظرف. دمتم بعافية.” وانصرف.
نظر أحمض إلى الظرف بسعادة طفولية وردد بصوت جهوري ساخر “بالحق المخوّل إلي من خولي الجنينة …” ثم حوّل نبرة صوته إلى صوت أنوثي مايع “تعالالي قوام يا حمادة … حستناك!” ثم  بدء في قراءة الأوراق ومنصور يراقبه في انتظار فحوى الرسالة. وأطال أحمض القراءة وهو يدندن … “يا حااااسن يا خوووولي الجنينة يا حاااسان … يا حاااااسن يا غاااالي عاليّا يا حااسن”. ثم سكت ووضع الأوراق وقال “خولي الجنينة .. أقصد خولي الرياض يدعوني لحضور مؤتمر تشاوري حول علاقة الروضة بالحركة الربانيّة… عايزني أشارك بورقة وحضور جلسات التشاور … والتفاوض!”
–    الروضة ستتفاوض مع الربانيين؟
–    تخيل؟!
–    يبدو أن الروضة يئست من وئد الحركة.
–    مؤتمر تشاور … وتفاوض(!) لا يعقد هكذا على الملأ إلا بعد مشاورات ومفاوضات سرية. لابد أن السيد صلاح ورجاله التقوا مع رواد روضة الرياض. منصور! أريدك معي في هذه الرحلة!
–    (يطير من الفرحة) أكيد يا استاذ… أكيد! ده شرف كبير.
–    حضّر أوراقي ومسودة كتاب العاصمة. سنغادر غدا إن شاء الله، المؤتمر يبدأ بعد اسبوع… دائما يتأخر البريد في هذه الروضة! ينفع كده؟!
–    ألغي درس الليلة؟
–    لا… فرصة أودّع الشباب.ـ

صفحة شظايا الربوة

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: