Live from Cairoston

لدى الربانيين حكاية مشهورة مفادها أن رجلا مسافرا قد أعياه التعب فجلس يستريح بجوار سور قصر. فلما قام من نومه وقد اعتصره الجوع وجد تفاحة بجواره، فما كان منه إلا أن التقطها وقضم منها قضمة روى به ظمأه وهدئ من ثورة بطنه في نفس الآن. ولكنه ما لبث أن انتبه إلى أن التفاحة آتية من شجرة داخل سور القصر، فندم على أنه أكل منها دون أن يستأذن صاحبها. فسار إلى باب القصر واستأذن في مقابلة صاحبها. ولمّا وقف أمامه اعترف له بما فعل وطلب منه أن يسمح له باستكمال التفاحة. فوافق الرجل بشرط أن يتزوج ابنته. هنالك تعجب الرجل ولكنه وافق، فصرّح له صاحب القصر أن ابنته هذه عمياء، صماء بكماء، شلاء ولكنه عليه أن يتزوجها تكفيرا لأكله التفاحة دون استئذان. فرضي الرجل المسافر وتزوجها.ـ

أفْفْفْ! لا استطيع أن استكمل القصة كما خطّها سِنّي! ودون أن أضيف إليها ما جال بخاطر الكاتب. أنا القلم الذي أمسك به صاحبي (ولن أذكر اسمه) ليكتب القصة ذات ليلة … هو ظن أنه بمفرده ونسي أننا معشر الجمادات كنّا نملأ المكان. السراج والورق ومئات الكتب وآلاف ذرات التراب شهدوا ما حدث ولو واجهتهم سيؤيدون ما سأقول. هو كتب القصة كما في الفقرة السابقة، كما سمعها، ولكن مع كل جملة … بل مع كل كلمة كان يؤول ما حدث ويسبر في أعماق نوايا الرجل وصاحب القصر … حلل كل كلمة وأخرج أحشاء القصة حتى صارت أشلاء حكاية لطيفة مزق أوراقها طفل مشاكس.
ظل يسخر من الرجل المسافر ومن روعه لأكل التفاحة دون أن يستأذن “يا سلام يا خويا!” هكذا قال … “ضميرك شكشكك أوي يا حبيبي!” هكذا قال. وظل يصرخ في الرجل بعد أن تخيله واقفا أمامه ويسخر منه ويحضه على الأكل وسد الرمق. ظل يستهزئ من تدينه الزائف ومن سذاجته. واجهه قائلا “انت عارف يا مولانا لو إنك سرقت التفاحة دية … مش لاقيتها … لو سرقتها! محدش يقدر يلومك! أنت ابن سبيل وحتموت من الجوع. طيب انت عارف لو أنا كنت صاحب القصر … أناكنت حبستك! مش علشان سرقت التفاحة لأ ولكن لـ..” لن أدخل في تفاصيل الكلام الذي قاله وهو يمسك بي ويلوح بي في وجه ذلك الرجل الخيالي. كان يطعنه بي! يطعن بي الهواء وهو يلوم الرجل ويسخر منه. ثم قام من مكانه وركله! ركل ذلك الرجل الرقيق الذي شعر بذنب أنه أكل تفاحة دون أن يستأذن صاحبها. وماذا أقول عن كلامه لمّا وصل للجزء الذي يشترط فيه صاحب القصر أن يتزوج ابنته! فجأة تغير مزاجه من عصبية إلى ابتسامة سمجة. وظل يكلم الرجل الخيالي أمامه يحثه على الاعتراف بمكنونات أفكاره عندما علم أن هناك امرأة في انتظاره. قال كلاما قذرا لن أكرره، ولكني سأثبت هنا للتاريخ أنه شكك في نيته ساعتها واتهمه أنه لم يعترف لصاحب القصر إلا رياء وليبهره بأخلاقه وصدقه. قال أشياء من قبيل “تلاقيك قلت لو اعترفت يمكن يستأمنّي ويشغلني عنده، أو أصعب عليه ف يعشيني … مش كده؟ بس أكيد مخطرش على بالك إنك ح …” وقال كلاما لا يليق أن أكرره. ثم تركني مدة وأمسكني بعد فترة فهمت عندها أين كانت يده فتقززت … وهذا سبب بوحي بما حدث … لقد سئمته! كلما كتب بي عليّ أن أتحمل كلامه الذي يحلل به ما يكتبه. تراني أكتب كلاما رقيقا راقيا، فلا يتركني أهنئ بما يجود به حبري، وإنما يعكر عليّ صفوي بتحليلاته المتكلفة وتعليقاته القذرة في أحيان كثيرة. أتركك الآن … فها هو يهم بالعودة للكتابة. فقط أوصيك قبل أن أتركك. كن على حذرك معه. أعلم أن ما يثبته على الورق شيئا، وما يجول في خاطره أشياء أخرى. لا تفترض سلامة النيّة … كن شكّاكا ناقدا … يا ويلي! لقد أصبت بما أصيب به هو!ـ

ولمّا دخل الرجل الصالح مع زوجته أطفأ السراج، فالعمياء لا تحتاج للنور. ثم فوجئ بصوت ملائكي يتدفق جمالا ودلالا تداعب أذنيه قائلة:
–    ألا تسلم على زوجتك؟
–    (مندهشا) أنت تتكلمين؟!
–    نعم!
–    وتسمعين؟!
–    (متعجبة) مالك ياهذا؟!
–    (مضطربا) لحظة، دعيني أشعل السراج!!
–    إسترح أنت يا حبيبي، سأشعله أنا.
–    إذن أنت لست عمياء ولا شلاء؟!
–    طبعا لا!
فنظر إليها فإذا هي من أجمل ما تكون النساء. فقال “الحمد لله .. ولكن لم كذب علي أبوك؟ إنه أخبرني أنك عمياء، صماء، بكماء، شلاء.”
–    صدقك والله …
–    كيف ؟؟
–    أما عمياء،  فإني لم أنظر إلى حرام قط، وهو قصد أني عمياء عن المحرمات. وأما صماء، فإني لم أسمع حراما قط. وأما بكماء، فإني لم أقل كلمة محرمة أبدا. وأما شلاء، فإني لم أسر إلى حرام أبدا.
فقال الرجل “الحمد لله الذي أكرمني بك … فدخل بها وحملت منه بغلام صار أحد أشهر الربّيّين الأوائل.
هذه الحكاية المشهورة بين الربانيين الذي يربون أبنائهم وأتباعهم على الصدق والأمانة، تماما كما كان يفعل الربّيّون الأوائل. وكان رضوان يتذكر هذه الحكاية كلما دخل أخته جويرية. يستعرض أحداث الحكاية سريعا قبل أن يفتح عليها بابها فيدخل عليها مبتسما ويشعل السراج، فإذا هي كما تركها، نائمة على فراشها. كما العادة يجلس بجوارها برفق، ينفخ بلطف في وجهها ثم يشد ثوبها برفق قبل أن يلمس يدها، كي لا تفاجئ بوجوده. جويرية عمياء … صماء … بكماء … شلاء. وكانت كذلك منذ ولدت من أربع وعشرين سنة.
أخرج رضوان قنينة العطر من جيبه وفتحها وقربها من أنفها وقال مبتسما “دي هدية من الاستاذ أحمض. بيسلم عليكي زي كل مرة. يا بت مش عيب كده الغراميات دي؟ حتشغلوني مرسال مابينكم ولا إيه؟”. لم يظهر عليها أية ردود فعل … مطلقا، ولكنه آمن أنها شمت الرائحة وأنها دغدغت سقف حنكها كما حدث معه عندما شمّها. وضع طرف اصبعه على فتحة القنينة وبلّها بالعطر ومسح على جبهتها وخلف أذنيها. قبل أطراف أصابعها، ثم مد يديه إلى الجانب الآخر وشد الملاية التي فرشت تحتها لتعينه على قلبها على جنبها الشمال. عدل ذراعها تحتها وحرك ظهر ثوبها في حركات قصيرة وسريعة ليحرك الهواء بين قماشها وظهرها، وظل بعدها يهيئ لها سريرها وطرف ثوبها، قبل أن يعود يمسح وجهها ويقترب من جبينها ليشم رائحة العطر الذي مسحه منذ قليل.
وبعد نصف ساعة أو يزيد دخلت أم زغلول ومعها صينية طعام. كانت أم زغلول صديقة مقربة لأم رضوان رحمها الله وكانت تداوم على المساعدة في إعداد الطعام لأسرتها بعد رحيلها. أبو رضوان لم يتزوج بعد وفاة زوجته. “مينفعش يا جماعة، مينفعش” هكذا كان يرد على تشجيعات جيرانه وأقاربه. وكانت مساعدة أم زغلول لهم بإعداد الطعام وإطعام جويرية سببا آخر يجعله يقتنع بعدم الزواج مرة أخرى.
ساعد رضوان أم زغلول في رفع جويرية واسناد ظهرها للحائط وبدأ في إطعامها الحساء رويدا رويدا. ودق الباب ودخل أبوه فسلّم على أم زغلول وطلب من رضوان أن يأتيه بعد فراغه مع اخته.
ذهب منصور إلى باحة الدار وقد نزل على وجهه الكآبة بخلاف حاله مع اخته. جلس في صمت بعيدا عن أبيه الذي كان الكدر واضحا عليه. طال صمتهما قبل أن يبدأ الأب في انكسار. “ايه اللي جرالك يابني؟ حالك مش عاجبني. (صمت). لما قالولنا إن الربانيين وصلوا قلنا بركة… يمكن يخلصونا من غربة الروضة. ما شفناش منهم حاجة وحشة. ماقالوش إيمانك عامل إزاي ولا بتؤمن بإيه. جبروا بخاطرنا وقالوا كلنا بنؤمن بنفس الرب ونفس الكتاب وقالوا انتم على راسنا من فوق… يابني افهمني، الدين يعلي الإنسان. فاهمني؟ الدين يزود قيمته. الدين يخلي الحياة حلوة. لكن يابني أنا شايفك من ساعة مامشيت وراهم وحياتك مباقتش حلوة. سايب أرضك خربانة وبايرة. يابني الدين يخليك تحط البذرة وانت قلبك فوق! بتقول يا رب! أنا لما لاقيتك ماشي وراهم قلت بركة. الواد من يوم امه ما ماتت وهو حزين. كنت خايف عليك. بقيت واخد الدنيا قفش. قلت يمكن يطرّوك. لقيتك قاعد عندهم ومبلط. سبت الدنيا كلها. قاعد طول اليوم معاهم بتقرى كتابهم…وياريته على قد القراية. لكن أنا سامع كلامكم وخايف عليك. يابني الدين يصون الإنسان ويصون الأرض. كلامكم ييقول إنكم عايزين تخربوها. ليه كده يابني؟ قولي يابني ناويين على إيه؟ يابني الدين اللي يخرب البني آدم بلاه منه. يابني بصلي أنا خايف عليك. يابني احنا في بلادنا سِلونا مالناش دعوة بالمشاكل. مش خوف!! ولكن عارفين ان كل جبار حيجيلوا يوم. كل فرعون مسيره الغرق. واللي ماشي سليم في الآخر كسبان. الدنيا مابتبقاش لحد. سِلونا نستحمل غبى الجبار لانه غبي وحمار ومصيره يقع ولكن احنا مانهينش نفسنا. انت مهما كان، ضهرك مفرود وراسك لفوق! ولو قاللك طاطي راسك انت من جوّاك عالي. الدنيا قصيرة وفانية. الذكي اللي يعرف يعيش حياته بغض النظر عن الظروف حواليه. الغبي هو اللي يحاول يغير الظروف اللي حواليه افهمني يانبي. ماحنا طول حياتنا محصورين بين صحرتين. شفتنا يوم قلنا نحول الصحرى جنة؟ لا. قلنا رضا. وبُصنا ايدينا وش وظهر. النهر وشوية الزرع مش محتاجين اكتر من كده. ونعيش ونفرح وننبسط. يتفرعن علينا ولاد الكلب . شوفتنا يوم قلنا نثور عليه؟ لا … اللي ثاروا طلعوا فراعنة في الآخر… (ورضوان لا يسمع شيئا)ـ

صفحة شظايا الربوة

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: