Live from Cairoston

الوصول إلى روضة الرياض وأحمض يلاحظ أن متطرفي الروضانية ينتقدون اختياره لهيئة الحكماء نظرا لعلاقاته بالحركة الربانية.

يا سالام… كما أنت يا روضة الرياض، دائمة التغيّر!

دخلا من البوابة الشرقية لروضة الرياض. أحمض يضم كفيه إلى قلبه وينظر بتأثر كعاشق يتأمل لوحة فنية لحبيبته التي ماتت بعد صراع مع المرض. أما منصور فمشدوها ينظر لأعلى، للسور المهيب من خلفة ومنظر البيوتات على التلال والناس أشكال وألوان تسير وتختلط..

“آه. في روضة الرياض كانت لنا أيام! حَلَقات درس ودروس عود وحَلْقات شَعر فاشلة ومحاولات في الحب والشِعر أفشل. أكثر من عشر سنوات يا منصور منذ تركتها. تركتها هاربا!” ثم التفت إليك هامسا في شقاوة طفولية “لم أحك لأحد هذه القصة … سأحكها لك، تعالى نضع أغراضنا وأحكي لك عن أيام الرائعقلي سليم… يا ترى مطعم الحاجة ززة لسة موجود؟”

وصلا إلى مقر ريادة الروضة وأظهر أحمض لأحدهم دعوة حضور المؤتمر، فجاء من يوصلهم للاستراحة. وأثناء انتقالهم للاستراحة أخذ أحمض يحاور المرافق ويسأله عما جد على الروضة وفي نفس النَفَس يعطي ما يشبه الجولة السياحية لمنصور يخبره فيها عن بعض الأماكن وأهميتها.

وبعد أن وضعا أغراضهما لم يصبر أحمض وأخذ منصور نحو مطعم الحاجة ززة وفرح عندما رأى لافتها كما هي. جلسا وطلبا طعام الغداء وأثناء انهماكها في الأكل أخذ أحمض يحكي على منصور قصته مع الروضة والمطعم وقصة هروبه بعد لقاء الرجل الأخضر (راجع رواية الروضة). وبعد غسيل الأيدي وتناول الشاي ودفع الحساب، جلسا كما التيوس ينظرون نحو الفراغ. حتى قطع منصور الصمت سائلا:

–           أليس عجيبا أن تدعى لهذا المؤتمر بعد هروبك من الروضة؟

–           لا عجيبة ولا حاجة. أشك إن الروضة نفسها فاكرة القصة. ثم إن دعوتي جاءت نظرا لمكانتي في روضة أبو أيل وكوني من اساتذتها.

سكت أحمض قليلا … وكأن منصور قد لفت نظره لموضوع لم يفكر فيه من قبل. سبب دعوته. بدأ يشك في أن دروسه المتواضعة هي سبب دعوته لهذا الجمع الهام. لابد أن اسمه أضيف إلى قائمة للمدعوين، ولابد أن القائمين على تلك القائمة على معرفة به. من يعرفه من روضة الرياض؟ الرائعقلي سليم مات منذ خمس سنوات، هكذا عرف من أحد أبناء روضة أبو أيل الذي سافر إلى روضة الرياض للدراسة. نعم… ربما أحد أبناء روضته الذين جلسوا في دروسه نقلوا أخباره إلى الرائعقليون هنا؟ لا … لا يكفي شهادة بضعة طلاب ليضاف اسمه لهذه القائمة المهمة. تركه منصور في أفكاره وواصل النظر إلى الطريق والمارة وظل أحمض يفكر ويفكر. اسمع منّي أنا. أنا بذره زيتونة أكلني أحمض وبلع لحمي ولم يخرجني من فمه بعد، يلوكني يمينا وشمالا ويمصمصني وهو يفكر في هذا الموضوع… أفكاره كلها أمامي الآن وهو بجد حيران. “كيف عرفوا بي؟” يسأل نفسه. “من رشّحني؟” ثم ينقلني تحت لسانه. ريقه بدأ يجف، رغم وجودي! هو ظل كل هذه السنوات الماضية بعيدا بعيدا عن روضة الرياض. هكذا فهمت من أفكاره. هو فرح بالدعوة لأنها ذكرت “دوره الهام في نشر العلم والمعرفة في روضة أبو أيل وكتاباته عن علاقة الروضانية بالربانية” نعم نعم… ريقه بدأ يجري مرة أخرى. كتاباته. هو الآن يراجع كتبه كتابا كتابا. لم يطبع منها كتابا، إنما أصرّ على أن تظل مسودات حتى يموت. أهدى نسخا إلى بعض طلابه النابهين. أسمع اسم زكري… عفوا، ذكرى. نعم نعم ذكرى. كنت أعيق مخرج الذال فخرجت زايا. هو الآن يفكر لو أن ذكرى هي التي رشحته… هي على علاقة بمروضة الروّاد قِبلة الطلاب وأهل العلوم، ودائما تشجعه على نشر كتبه. هو الآن يتذكر لومها له على اعطاء دروس الطهارة… ريقه يملأ فمه الآن… أَخخخ سيبلع ريقه، استر يا رب… الحمد لله، لم يبلعني وسط انهماكه في التفكير. ما هذا؟ يستعد ليخرجني من فمه… لا .. إنه يقف. اسمعه يقول وأنا في فمه “ياللا يا منصور” طيب اتركني قبل ما تنصرف! اتركي مع أخواتي في صحنك… يا آكل لحمي اتركني مع أخواتي لنلقى في سلة المهملات سويا… ما هذا، يتنفس هواء خارج المطعم … لا … لا … لاااا … أخخخ. تراب. أقدام. يا رب زقّة! زقّة يا رب. وقّعني بين طوب الأرض بدل مانداس من اللي رايح واللي جاي. يا رب.

تجول أحمض مع منصور في طرقات الروضة يتنفسان هواء ما قبل المغربية. الناس خرجت من بيوتها تتجول في الأسواق وتجلس على القهاوي التي نصبت كراسيها على حافة الطرقات. مشيا بهدوء، أحمض يتذكر ومنصور يستكشف. الأول في عالم الماضي والثاني يضارع الحاضر. وقفا عند بائع كتب وجرائد ومجلات. مكتبة واسعة فاضت بما فيها فافترشت الرصيف خارجها. تأمل أحمض العناوين وتصفح بعضها حتى فاجئه هتاف منصور “هذا اسمك يا استاذ!”

أمسك أحمض بالجريدة فوجد مقالة في الصفحة الأولى تنتقد مشاركته في المؤتمر:ـ

“أذني التي على الأرض لتسمع دبيب الأخبار سمعت أن أحمض حميم ضرغام تمت دعوته للمؤتمر التشاوري الخاص بالحركة الربانية. أحمض طبعا رائروحي معروف في روضة أبو أيل، لكن طبعا هناك يسمون الرواد اساتذه (يظهر خالف تعرف!). أحمض معروف لجذبه للمتطرفين “الربانيين” الشباب. يظهر إن روضة الرياض فعلا موهومة لمّا توجه دعوة لأمثاله. قل لي بحق الرياض السماوية، ما هي مؤهلات إنسان مثل أحمض، غير طبعا تعليم المتطرفين أبناء الغد، لكي يدعى لهذا المؤتمر الذي يظهر إنه مهرجان للمتطرفين؟ أنا أقدر أفكر في اجابتين فقط: إما المؤتمر في الحقيقة مهزلة أو إن الرائروحي أحمض عنده خبرة في مجال فهم عقليات المتطرفين والإرهابين أبناء الغد. في الحالة الثانية. أليس الأفضل أن تكون خدماته مقدمة للجهات الأمنية؟ ثم… “ـ

إيه القرف ده؟ كاتكم القرف! مين ده أصلا اللي كتب ال.. اللي مايعرفش يكتب بمليم أصلا! متطرفين إيه وبتاع إيه. إيه ده؟! إيه الهباب ده؟!

قلّب الجريدة وعرف اسمها واسم كاتب المقالة، ثم قرر أن يشتريها ليحتفظ بها ويقرأ بقية المقالة عندما يهدئ. لو كانت بذرة الزيتونة لا تزال في فمه لأخبرتك بما يجول في ذهنه، ولكنه لازالت مترّسة بين طوب الطريق تنتظر مكنسة عامل النظافة عسى أن تجتمع مع أخواتها يوما في ساحة المهملات.ـ

صفحة شظايا الربوة

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: