Live from Cairoston

استمرت جلسات المؤتمر لأيام نحسات حتى بدى ملامح الفرج ونفذوا منه جميعا، روضيون وربانيون. اكتشف المشاركون أنهم كانوا ينادون بنفس الشيء، ولكن لم يفهم بعضهم بعضا لضيق اللغة. ولكن بعد التغلب على سلبيات اللغة خرج المؤتمر بالمولود الجديد: ‹الروضة الربانية›، والتي تقوم على الاسترشاد بمصدرين: الماضي المادي الموجود في الكتب والطبيعة المادية من حولهم فيجمعون بين القرائتين، قراءة الكتاب وقراءة الطبيعة. وأصدر المؤتمر وثيقة التفاهم المنتظرة والذي قراءها خولي الرياض في حفل مهيب، وجاء فيها ما يلي:

“‹الروضي الرباني› إنسان يتتبع بالمادي، فهو يتألم من الأولين. وفي نفس الوأت، يستأمل أكله لحل مشكلات ‹الروضة الربانية›. فمتتلبات المادي والأكل لا يتأاردان. وتبعا الوهي والأكل لا يتأاردان. والوهي ساله لكل زمان ومكان. ومن مكاسد الوهي، إن ما يريده الإنسان يريده الرب.” (راجع الشظية رقم 46 في نهاية الصفحة للترجمة إلى اللغة العربية)

أحمض: فينك يا هِجِل تشوف الجَدَلية اللي على أصولها. هو ده يا منصور اللي بيسموه الجدلية، الموقف وضده يلتقيان، بينهما يرزخ لا يبغيان، وفجأة هوبا! يخرج منهما حق وبرهان. الحقيقة تتولد من بين فرث ودم، لبنا خالصا سائغا للروضيين والربانيين! وبالهنا والشفا.ـ

منصور: ألا إن جَدَل هِجِل دَجَل!

وبعد العودة للاستراحة، ساد الصمت بين أحمض ومنصور. صمت كسره أحمض بقوله:

دعك يا منصور من جلسة اليوم. هي كما قلت لك مشهد القتل في مسرحية هزلية. بصراحة هي حالة تاريخية فريدة، وستذكر أنك حضرتها، هي ربما الحالة الوحيدة التي تتعانق فيها الفاجعة مع اللهو فتقول الله! لا تدري أخرجت استمتاعا أم إيلاما. لا تدري هل التأوه من فرط المتعة أم الألم. دعك من جلسة اليوم يا منصور، فقد نكنا الأرض وتم الشبق واستدل الستار، وما بعد ذلك من جلسات هي محض تطويل ممل مؤلم. يتقزز المرء من جلوسه والمشاهدة. حركات آلية سنقوم بها في الأيام القادمة، يتحول الملامسة والمداعبة إلى احتكاك وخدش وتحفير وسكويكنج. قمة النشاز.

تعال أعلمك ما ينفع. عسى أن ننسى حلاوة اليوم المرة وسماجة الغد. هات مسودة كتاب المُلك واقرأ أول فصل.

جلس منصور بين يدي استاذه وشرع في القراءة:

أنا ملك. حدود مملكتي تبدأ من جنبات جسمي، وتمتد إلى مدى بصري وحسي. ولكني لم أكتشف أني الملك إلا بعدما عشت ثلاثين سنة فردا عاديا في مملكة غيري. لم أرضع الملكية، لم أتشربها، فصار لزاما أن أتعلم كيف أكون ملكا كي أسترد ما هو حقي.

أعداء كثر وحفنة من الطمّاعين، وعليّ أن أقهر البعض وأسوس البعض الآخر، في صعود طويل وشاق نحو العرش. كلما تحركت أو تكلمت سألت نفسي، أيليق هذا بملك؟ فيأتي السؤال، وما هي صفات الملك؟ ما هي سمات الملكية؟

جمال وجلال واشعار الخلق أنهم في نعمة ورغد مادمت ملكا وأنهم في كرب وضنك إذا ما حاولوا إزاحتك من على عرشك. النظر إليك والتحاور معك نعمة، ومناجزتك هوان وهلكة. مملكتي لا تقوم على التسلط أو حكم البشر، فنفسي رعيتي الوحيدة، أحميها من الأعادي والطامعين. أنا فردوس النفوس وجحيم البؤس والكآبة. أنا الجمال. أنا الجلال.

ثلاثون سنة وأنا حبيس جسد قيل لي أنه أنا، حتى عرفت أنه أحد الطامعين. هذا الجسد أسوسه ولا أقهره، أروضه ولا أقتله. أمتطيه إلي حيثما شئت أنا وقدر هو، أما ما جاوز حدود قدرته فأمتطي له غيره.

ثلاثون سنة وأنا أسير لغة قيل لي أنه لسان أهل الجنة، حتى عرفت أنني أنا جنتي وأن لغتي لا تنطق، وإنما هي كلمات تقطع وتضمد وتهتك وتخلق. هذه اللغة التي أنطقها عدو، لا أسوسه وإنما أقهره، وتمام قهره لا أن أقتله، وإنما أن استعبده، أن انفخ في ألفاظه من روحي فتكون أمضى من كل ما قيل من قبل.

ثلاثون سنة وأنا مولى طريد خطف من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، حتى عرفت أني ملك. هذا العالم حياة استرد فيها مملكتي كي أعود للغيب وتاجي فوق رأسي ومن تحتي عرشي.

وثلاثون سنة قيل لي أنني عبد لإلة السموات والأرض حتى عرفت أن إلهي إله الملوك، هو إله المكنونات والقلب. ما ظهر فأنا ظهيره، أنا ملكه. وما خفي… ما جذبني من خلفي … ما دفعني نحو عرشي، ذاك ربي. ربي لا يروي، وإنما يعطشني، لا يطعمني، وإنما يضورني … ربي لا يأمنّي من خوف، وإنما يرعبني. عطش وجوع القلب، ورعب النفس من الموت قبل بلوغ العرش. ربي يدلني على مملكتي. لست عبدا لله، وإنما الحكيم معلمي.

استوقف أحمض منصورا وشرح:

عندها تشعر بأن بينك وبينك مسافة. وأن جوعك ليس منك وإنما من جسمك، وأن شهوتك ليست منك وانما من جسمك… وأن رغباتك بشكل عام ليست منك وإنما من جسمك. وهنالك تبدأ في سياسة جسمك وإدارتها، دون ان تسمح لها بالثورة عليك وحكمك. فأنت الملك وجسمك رعيتك، ونعم الملك الذي يرضى عنه رعيته ويظل هو حاكمها الأوحد. فلرعيتك مطالب، تجوع بطنك فتطعمها، يثور فرجك فتهدئه، يمل بالك فتروح عنه … كأن جسمك زوجتك وخيركم خيركم لأهله.ـ

فسأل منصور: ولكن إذا كانت رغباتي من جسمي وليست مني، فماذا أريد أنا كملك؟

فرد: هذا سؤال جوابه عندك وليس عندي، أما السؤال الذي جوابه عندي فهو “كيف أريد وأنا ملك؟” وكيفية ذلك تأتي من ادراكك للمَلك الذي هو أنت ورؤية المسافة بينه وبين جسمك التي هي رعيته، ثم استحبابك لهذا المَلك وترفعك عن الرعية، ورغبتك في البقاء ملكا وألا تعود مرة أخرى لحياة العوام.ـ

طيب … ورغبة القوة؟

– من جسمك.

طيب ورغبة المعرفة؟

– من جسمك.

طيب… إذا فما هي رغبات الملك؟

قال: رغبة الملك هي تمام المُلك وتمام نفي العبودية. تمام التنزية… أن تقول كل الرعية سبحانك سبحانك ولا يسبح هو لأحد منهم.ـ

يعني رغبة الألوهية؟

لا .. ذلك من جسمك إذا ما تجرأ على قومه وعلى دينه وتناسى وضاعته.ـ

وإنما تمام المُلك شيء آخر. تمام الملك هو المنتهى الذي لا سبيل إليه طالما بقي الجسد.ـ

يعني تمام الملك هو الفناء؟

لا. المَلِك لا يكون ملكا إلا بمُلك يملكه وبرعيته يرعاها. فإذا أفنى الجسد أفنى مُلكه. إنما يفتقر الملك للرعية أكثر من افتقار الرعية للملك. فالرعية دون ملك همل مهمل، ولكن الملك دون ملك لا يكون ملكا. تمام الملك ليس تمام الاستغناء فتمام الاستغناء هو الموت. وإنما السياسة والإدارة شيء آخر. السياسة والإدارة أن توهم الرعية أنه لا حدود، ولكنك قد وضعت حدودا بالفعل وتمنع رعيتك من تجاوزها. تمام السياسة والإدارة أن ترعي حول الحمى دون أن تقع فيه في حين يظن غنماتك أن الأرض كلها لهم يرعون فيها كما يشاؤون.

الشظية رقم 46

ترجمة وثيقة المؤتمر إلى اللغة العربية

“‹الروضي الرباني› إنسان يتطبع بالماضي، فهو يتعلم من الأولين. وفي نفس الوقت، يستعمل عقله لحل مشكلات ‹الروضة الربانية›. فمتطلبات الماضي والعقل لا يتعارضان. وطبعا الوحي والعقل لا يتعارضان. والوحي صالح لكل زمان ومكان. ومن مقاصد الوحي، أن ما يريده الإنسان يريده الرب.”

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: