Live from Cairoston

عندما خرج الفتى من الكهف

قال تعالى؛ قلت فين؟ قال تعالى من غير كلام

يا أيها الخِضر، إنّي سائلك فمشدد عليك في المسألة، فوالله لقد سِحتُ في الأرض سنين عددا أبحث عنك في كل قرية وكل مغارة وعلى قمة كل جبل، حتى وجدتك، ولن أتركك حتى تجيب فتروي ظمئي وتشفي علتي. ـ

اعلم أنني من التَتَر، من بني يأجوج ومأجوج وقد أفسدوا في الأرض إلا قلة منهم هاجرت أرضهم – منذ قرنين – وعبرت البحر إلى جزرٍ تشرق عندها الشمسُ. فأقاموا هناك على كراهة من أهلها، فكانوا يطاردونهم ويقتلون منهم، فما كان لأجدادي إلا أن دافعوا عن أعراضهم ونحورهم. ولكن سيّدهم وزعيم أمرهم – وكان أكثرهم صلاحا – رفض أن يسلكوا سُبُل من هَجَروهم، فحرّم عليهم حَمل السلاح وقَتْل النفوس وفَرَضَ عليهم الدفاع عن النفس دون إهلاك لنفوس العدو. فلمّا سُقِط في أيدي القوم واضطرب أمرهم، إذ ظنوا أن في ترك السلاح وإيثار السلام هُلْكة لهم وهوان، تَرَكَهم سيدهم أياما اختلا فيها بنفسه على قمة جبل “فوجي”. وبعد أربعين يوما نزل ومعه ألواح عشرة من صخر أصم، فما أن وصل لقومه إلا ووجد رجلين منهم يقتتلان، وقد شهرا السيوف، كل في وجه الآخر، فنهاهما ونهرهما، فما كان منهما إلا أن نسيا ما بينهما من عداوة والتفتا إليه كلٌ بسيفه وهاجما عليه، فقد استفاق في عروقهما دم يأجوج ومأجوج وتدفق سَعَراً. وقف سيدهم بهدوء حتى إذا ما أوشك سيف أحدهم على مس نحره، مال بخفة خلفا، فقطع السيف الهواء ولم يصبه شرا. وهوى الآخر عليه بحدّه فمال سيدهم يمينا ثم مَسَك معصم الشقي وجَذَبه فهوى على وجهه، ثم ما لبث أن استدار السيدُ للأولِ الذي أعاد الكَرَّة فمال يُسرا ليمضي السيفُ قاطعا الهواء أخرى، وجذبه من كَتِفِه فخار فوق الثرى. والقوم شهودٌ لا يصدقون ما يروا، فما عَلِموا من قبل هذه الطريقة في الدفع عن النفس. فجَمَعَهم سيّدهم وأَذّنَ فيهم أنه أوتي علمُ حِفظِ النفس دون هُلكةِ غيرها ودون سلاحٍ أو قتالٍ. ودعاهم للمبارزة، فإن هزموه كان لهم حملُ السلاحِ وقتالُ من يعتدي عليهم، وإن قَهَرهم وأعجزهم، كان عليهم طاعته واتباعه. فلما عجزوا أن يأتوا بمثل ما أتى به، ونظروا إلى بعضهم وهم مطروحين على الأرض، خرّوا له سجدا وعاهدوه على الطاعة الاتباع. ثم أشار أحدهم إلى الألواح يسأله عنها، فقال كي لا يظن أحد أن هذه الطريقة طريقة ضعفٍ ودِعهٍ وإنما هي طريقةُ قوةِ قاهرةِ ظاهرا وباطنا. وأمر بالألواح الصماء أن تنصب ثم هوى عليها بجوارحه فكسّرها تكسيرا. فكان من يومها أكثر الناس صلاحا وخير من رَكَلَ ولَكَم. وعلّمهم حركاتِ الطريقةِ وسَكَنَاتِها، فصاروا أُمّة مَنيعة لا تُقهر ودون أن تحمل سلاحا أو تقتل نفسا. ـ

وأسسوا مدينتهم مدينة نجى-زكي حيث ينجو من يُزَكي نفسه بحركاته وسكناتها. وكان أهل بلاد الشمس المشرقة يعتدون عليهم ويغزونهم فكانوا يهبّوا دفاعا عن أنفسهم بحركات رشيقة سديدة تُعجز العدوَّ وتقهره، فلا يجدون إلا التسليم أوالفرار. بل إن من أهل البلاد من سلّم للسيد تسليما واتبع طريقه على أن يلقي السلاح ويحفظ النفس من القتل ويتعلم حركات الطريق وسكناته ولا يحيد عنها. ـ

وعلى هذا أيها الخضر نشأت، فقد ولدت في بطن من هذا القوم تعيش في قرية على بُعد يوم من نجى-زكي، وتعلمت الحركات والسكنات وارتقيت المراتب حتى وصلت إلى المرتبة العليا، فالطريقة مقسّمة إلى مراتب، كل منها محطة على الطريق يتعلم فيها السالك حركات وسكنات جديدة يدافع بها عن نفسه الظاهرة والباطنة. ثم إن المرتبة العليا تقسّم بعد ذلك إلى حالات يتلقى فيها السالك علوما ومعارف لا تُنطَقُ ولكن تَشرَبُها النفس من مَعين غَيبيّ. ـ

ولكنّي أيها الخِضر قد هالني ما رأيت إذ نزلت علينا مصيبة تجعل شعر الولدان رمادا، فدار عقلي وخار عزمي عن المضي في الطريق، ولم أجد في نفسي رغبة إلا لفهم ما رأيته حتى أستعيد توازني من جديد. كنّا إذا التقى الرجلان نظر كل منهما في عين الآخر حتى كأنه يرى فيهما أصله وفصله وأهله الذين ينتظرون عودته إليهم. فكنا نبارز الرجل منهم عن شيطانه عسى أن يترك القتال ويعود لأهله سالما. ولكنه قد طل زمان يقتل فيه الإنسان أخاه الإنسان دون أن ينظر في عينه ودون أن يعرف شيئا عن أصله وأهله. حتى جاء يوم كنت أتجول في الجبال خارج قريتي فسمعت دوي زلزل الأرض من تحتي حتى ظننت أن الفوجي قد فار أو أن الملَك قد نفخ في الصور وأن سد يأجوج ومأجوج قد انهار، ثم رأيت لمعانا في الأفق وسدرة من سحاب بين السماء والأرض. وعلمت – يا ويلي – أن أهل نجى-زكي قد هلكوا جميعا، إذ أسقط عِلج عليهم قنبلة من السماء. هكذا، أهلك ألف الف نفس قبل أن يرتد إليه طرفه، ولم ينظر في عين أحد منهم ولم يقف حتى أمامه. فمار ترك جسد أدفنه أو قبرا أقوم عليه لأبكي. طار عقلي يومئذ وسال في نفسي طوفان من الأسئلة لم أجد لها جوابا.ـ

ذهبت إلي كل إمام في قريتي أخذت عنه الحركات والسكنات فلم يجيبوني. سحت بين الشجر والجبال أسأل أرواح من سبقونا فلم أسمع صوتا. ناجيت روح سيدنا في نسمات الفجر ورفرفة الفراشات فلم أفهم شيئا. حتى إن قومي خشوا على أبنائهم منّي فطردوني، ووالله لقد صرت مطرودا من الحياة كلها من يوم هلكت نجى-زكي. قل لي أيها الخضر، ما فائدة طريقةِ سيدنا وقد صار الزمانُ غير الزمان؟ قالوا لي أنّ طريقَ السيّدِ هو الحقُ، فرددت أن دليل ذلك أنّه أعجز من وقف أمامه يبارزه ويتحداه، فكيف الآن إذ أن الآخر لا يقف أمامه أصلا، بل يدهسه كما يدهس أحدهم بعوضةً ولا يبالي. إن كان إعجازُ الطريقِ دلالةَ الحقِّ، فعلى ما يدل قهر العدو لنا قهرا. ثم إنني إذ تجرأت على قومي وجدت نفسي الأمّارة تتجرأ عليّ وعليهم، فطفح من فمّي كفرٌ بواحٌ فتقيحت أسال عن الطرق الأخرى التي ظهرت بعد طريق سيدي، حتى أصبح لكل قوم طريقا وحركاتٍ وسكناتٍ وكُلُّها تدفع عن أهلها الأذى. فهذا قوم هنج-سون خرج منهم أحدهم إلى قمة الـ“فوجي” وعاد منها بحركات وألواح يحطمها. وهذا قوم قو-رش خرج منهم أحدهم إلى غار وعاد إليهم منها بحركات وصيحات. وهذا وهذا وهذا … فسألتهم على ما يدلُّ تعددُ الطرق؟ وكلٌ منهم يقول أن طريقته هي المثلى. سألتهم، ماذا يمنعني من ترك طريقكم وتعلم طريق الغير؟ ولو تركت طريقكم فماذا يمنعني من أن أرفع السلاح أقطع به وأقتل؟! أوليس قد ظهر لنا عجزَ الطريقِ أمام العدو من بعد إعجازه له؟ فلماذا لا نترك الطريقَ ونتعلم سُبُلَ الذين دَهَسونا حتى يخرج من أصلابنا من يَدهَسَهم كما دهسونا؟! بل ماذا يمنعني من أن أصعد جبلا أو أختلي إلى غارٍ وأخرج عليكم بعد ليالٍ وأيامٍ بطريقٍ جديدٍ هو أقرب للحق من غيره، فيستمر سلو الاجداد وهذا الهوان؟!ـ

ثم إنني عدت إلى نفسي ولُمتها وحار عقلي فمشيت أسيح في الأرض تحت حر الشمس المشرقة، وصعدت جبلا أعتزل الناس، وخال لي أن ذلك هو أسلم حال، أن أعتزل الناس حتى وإن كنت بينهم، فلا أرد الأذى ولا أرد عليه ولا أسعى إلى شيء وإنما أقبل حامدا شاكرا ما أجده أمامي. فتذكرت احدى سكنات الطريق، وإنها تعشش في ذهني لا تفارقني، أنّ من لا يرد الأذى عن نفسه يعيش كالبهيمة وهؤلاء كالأنعام بل هم أضل، لأن بوسعهم رد الأذى ولكنهم لا يقومون بما في وسعهم. فلم أرض لنفسي بهذا الدنو فعاد إليّ حيرتي.ـ

وفي ليلة رأيت حُلما. كنتُ في كهفٍ قد التزمته مع فتية من قومي، هالهم ما هالني وطُردوا كما طُردت. وفي صباحٍ أشرقت الشمس علينا وقد صرنا كهولا بين ليلة وضحاها، فبينما نحن نستغرب حالنا إذ عاد أحدنا إلينا وقد خرج من الكهف فقال لنا أن بخارجها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وحكى لنا فلم نصدّقه، فأقسم علينا أن نخرج لنرى بأنفسنا، فأبينا الخروج وطردناه من بيننا. ثم جاء اليوم التالي فأشرقت الشمس علينا فإذا نحن قد سَقَط كل لحمَنا. فبينما نحن نستغرب هياكلنا إذ عاد إلينا رابعنا وقد خرج من الكهف ليلا يتثبت من قول المطرود، فأيّد كلامه وأقسم علينا أن نخرج معه لنرى بأنفسنا ونبحث عن خامسنا. فأبينا وطردناه من بيننا. ثم أشرقت شمس يوم جديد فقمنا من نومنا فلم نجد إلا جماجمَنا. فبينما أستغرب حالي مع صاحبي، إذ عاد ثالثنا يؤكد ما أكد عليه الآخران ويقسم علينا كما أقسما. فطرناه طردا بذيئا ولبثنا في كهفنا لحالنا. ـ

فانتظرت طلوع الشمس فلم تطلع. وناديت على صاحبي فلم يرد. فعلمت أنه لَحِقَ بالآخرين. وازداد الليل سوادا وخفت من الظلمة إلا أنني لم استطع الخروج من الكهف أبحث عن أُنس أصحابي إذ ذهب كلُ بدني وعظمي ولم يبق منه شيئا أعتمد عليه. وإنما أصبحت شيئا لا مادة له في وسط سواد دامس. وزاد خوفي. إذ أمسى ذلك الشيء – الذي هو أنا – الخوف بعينه، أمسيتُ الخوفَ نفسَه، فتملكني الرعبُ وتلبّس بي وضغطني ضغطا ونزعني نزعا وقطّعني أربا ثم ضغطني من جديد. لم أقدر على النطق بحرف أو تخيل شيء وإنما صار الخوف في مرتبة عين اليقين، فصرخت بلا صوت، إذ كان الضغط يحول دون خروج الأصوات. وأجهشت بالبكاء دون دموع، وكأنني ألطم وجهي دون يد أو وجه. وكأنني أطعن قلبي دون خنجر أو قلب. وكأنني جُنِنت دون رأسٍ أو عقلٍ. وهنالك لاح أمامي خَضَارٌ. فأفقت من نومي أتصببت عرقا ويلهث لساني بجملة واحدة أكررها: “عليك بالخضر”. فما كان مني إلا أن قمت لحظتها بحثا عنك حتى وجدتك. فأجبني وارو ظمئي واشف علتي.ـ

فهل أتبعك على أن تعلمني مما عُلمت رشدا؟ـ

قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا. قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا. قَالَ فَإِنْ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْءلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا. فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْءا إِمْرًا. قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا. قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا. فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَمًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْءا نُكْرًا. قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا. قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا. قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا،ـ

ولكن بعد ما أطوف على هذه الجنة فاجعلها نارا!ـ

أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا. وَأَمَّا الْغُلَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَنًا وَكُفْرًا. فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَوةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا. وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَلِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ

وأما الجنة فكانت لظالم دخلها يقول ما أظن أن تبيد هذه أبدا، فأراد ربك أن يقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا!ـ

وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا

يا أيها الخضر قد حار من هو خير مني في أفعالك ففارقته بعد أن أنبأته بتأويل ما لم يسطع عليه صبرا. ووالله ما زِدتَ طينةَ الجهلِ إلا بلا بتأويلك، فعجزت عن فقه أفعالك من بعد بيانك. إنك قتلت الإبن لصلاح الأبوين، وخرقت السفينة لصلاح الصيّادين، وأقمت الجدار لصلاح الأب. فكيف عرفت صلاح هؤلاء وشقاوة أولئك؟ـ

ـ- إنه الحق. ـ

وكيف عرفت أنه الحق وليس مما وسوست به نفسك؟ كيف تقول أن الأمر بالقتل والخرق والحرق هو علم حق وليس همس شر؟ـ

ـ- قد فُنِيت نفسي منذ زمن فليس لها من الأمر شيء. ـ

وكيف أفنيتُ نَفسَكَ أيها الخضر. دُلَّني كي أفنيها كما أفنيتها لأعلمَ الحقَ كما علمتَ.ـ

ـ- وما شأنك بعلم الحق؟ـ

أوليس الحق مسعى الجميع؟ فما مهَّد كلُ قومٍ طريقهم إلا ليصلوا إلى الحق!ـ

ـ- ماذا لو أنّهم في ضلالة إذ يسعون للحق سعيا؟ـ

أويكون ذلك؟! أيها الخضر لا تلاعبني! فقد وهن عظمي بحثا عنك لتشفي علتي. أقسمتُ عليك ألا تكون مني كسقراط لطلابه، فوالله إن سَكَرات الموت أهون علي من أن يلاعبني مُعَلِّمي.ـ

ـ- تالله إنك لضعيف وليد. ولا أراك تصبر على معرفة الحق. ولكن إن كان سعيك للحق فما أنا بكاتمه. اعلم أن أول الأمر هو سلوكُ طريقِ القومِ حتى تصل إلى المرتبة العليا.ـ

وقد فعلت.ـ

ـ- ثم ترتقي الحالاتِ حتى تصل إلى أعلاها.ـ

وما أعلاها؟ـ

 ـ-أن تعلم أن كل ما تعلّمته ليس من الحق في شيء إلا التمهيد والتقريب من أبعد بعيد، وأنه ليس على الأرض من يملك أن يعطيك ما أنت طالبه، فتبتئس نفسك وتيأس من علم البشر ومن عالم البشر. فإن تم يأسُكَ هلكت نَفسُكَ ولم تعد تطلب الحقَّ، وإنما يطلبك الحقُ  فتقتل وتخرق وتبني وتحرق باسمه ولا تألوا. واعلم أنك ما دمتَ باحثا عن الحق دمتَ بعيدا عن المراد.ـ

أخشى ألا أفرق بين ترك البحث عن الحق كي يبحث عني، وبين عدم البحث استمراء للجهل. فكيف أميّز بينهما؟ـ

ـ- إنك إن بلغت المرتبة العليا من طريق القوم وارتقيت حالاتها حتى تعلم أن العلم محال، لم تعد جاهلا.ـ

ولكنهم يحذرون من النكوص. فكيف أتقي النكوص على عقبيّ؟ـ

ـ- ما دمت حزينا شاعرا بالنقص فلم تنكص.ـ

إي والله إنني كذلك.ـ

ـ- فإنك على الدرب.ـ

والله ما أراك قد أفدتني بشيء إلا أن شَخَّصت لي حالي الذي أعرفه ولم تُعَلِّمني شيئا.ـ

ـ- قد أوشكت إذا أن تيأس من علم البشر وعالمهم.ـ

ولكني رأيتك في المنام وظننت أن بيدك الجواب.ـ

ـ- اعلم أنك قد بلغت من الطريق مبلغا بعيدا، شديد الظلمة، وحيد الوحدة، قد تركت العلم المنطوق منذ عدة محطات وصرت تتشرب الحق من أطرافك وكيعانك، فإن كان كذلك فابشر بلقائك من على سفر مثلك ولا ترجو منه أكثر من أنس ساعة، فكلٌ منكم في فلكه يسبح.ـ

أتدري. أحيانا أود لو كنت مثلهم. أتعلم الحركات والسكنات وأعلمها غيري. أتزوج وأنجب. أحرث أرضي وأسوق بهيمتي. ولكنّ هذا العالم البسيط قد تبخر من أمامي بتبخر أهل نجى-زكي في ثوان. كان عالم يتزكي فيه المرء لينجو، فلما هَلَكَ الزكيُّ، هلك عالمي. إن هؤلاء الأعداء لأشر من يأجوج ومأجوج. أما من ذي قرنين يحول بيننا وبينهم أو يعذبهم عذابا شديدا؟؟!ـ

ـ- قد حِلتُ بين الناس وبين يأجوج ومأجوج ولم أكلّف إلا وسعي.ـ

حِلتَ؟ ولكنك الخضر ولستُ بذي القرنين.ـ

ـ- ومن قال لك أنهم شخصان؟ أنا الخِضر وأنا ذو القرنين، وأنا طائف من ربك، أطوف عليك وهم نائمون!ـ

by Photos8.org

Advertisements

Comments on: "عندما خرج الفتى من الكهف – قصة قصيرة" (1)

  1. Aхмат Mахмудович Илива said:

    Reblogged this on First Bleed.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: