Live from Cairoston

فقير (3)

كان الدور على عائلة هندية لطبخ طعام الإفطار، فبعد وليمة من الكاري والبرياني والطعام الحار جلست مع شيخنا الضيف في مكتبي نشرب الشاي المنعنع استعدادا للتراويح. ذكّرني بوعدي له أن أخبره بمعنى “فكير” فوضّحت له أنها شتيمة أصلها “فقير” إلا أن أهل هذه البلاد يحوّلون القاف إلى كاف. فتعجب كيف تكون كلمة فقير شتيمة أشنع من كافر. فأجبت أن الأمر معقد ويتطلب حكاية قصة حدثت في معسكرات الإبادة الجماعية.ـ

حكى لي يهودي أن بعد وصول جده إلى احدى معسكرات النازيين المخصصة للإبادة الجماعية، تسلل إلى عنبره يهودي آخر ليبصّره ببعض الأمور وليعرفه سر البقاء وتفادي غرف الغاز. قال في إيجاز “إياك أن تنقلب مسلماً! إذا شعر الألمان أنك صرت مسلماً سيلقون بك في النار”. حار الشيخ، فلم يكن قد سمع من قبل أن الدخول في الإسلام كان سببا في قتل اليهود؛ فالمعروف أن الهولوكوست كانت لإبادة اليهود بوصفهم يهودا. فشرحت له معنى “مسلماً” عندهم. الصورة النمطية للمسلم هو ذلك الفرد الذي فقد الأمل في الحياة الدنيا وتطلع إلى الآخرة فاشتاق إلى الموت ورضي به. إذا شعر الألمان أن يهوديا فقد الأمل في الحياة ورضي بالموت ارسلوه إلى أفران الغاز فوراً أو أحرقوه لأنه عندئذ يصبح عالة ولايمكن الاستفادة منه. فكان اليهود عند اللقاء والتواصي بالصبر والتواصي بالأمل يحذرون من تقليد المسلمين في عزوفهم عن الحياة، ويشجّعون بعضا على التمسك بالحياة والاعتصام بحبل الأمل في حياة مديدة سعيدة. تمتم الشيخ بالآية التي تتحدث عن اليهود في سورة البقرة (أظنها): يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر (أو ما معناه)، فعرفت أنه لم يفهم نفسية اليهود كما لم يفهم اليهود نفسية المسلم. فتابعت أنه منذ ذلك الحين انتشر لفظة “مسلم” للتعبير عن العطالة والبطالة واليأس من الحياة مع وجود أمل في حياة أفضل بعد الموت. ثم تطور الأمر وصار قمة “المَسلَمة” تقليد مسكنة الزُهّاد الذين يسمون بالفقراء في بلاد الهند. فالفقير هو الزاهد في الحياة المتقشف. وصارت كلمة فقير شتيمة بمعنى مَلطَشة أو ذليل أو انسان بلا عزيمة أو اصرار أو أمل. كان نيتشة – الفيلسوف الألماني – يصنّف اليأس درجات؛ من أعلاها درجة “الجندي اليائس” الذي يرتمي على الجليد وقد فقد الأمل في النصر أو النجاة وكفر بما كان يحارب من أجله فيستسلم لبرد الشتاء وبرود الموت. أما أعلى درجات اليأس على الاطلاق فدرجة “الفقير”؛ ذلك الزاهد الذي طلّق الحياة بالثلاثة فيبيت وسط القبور عازفا عن الدنيا. ـ

استنكر الشيخ استخدام الألفاظ في غير موضعها، فاستفززته بسؤالي إن كان يعرف أن لقب “حاج” هي من أفظع أنواع الإهانة هنا. رفع حاجبيه مصدوما وسأل عن السبب فقلت له أن صاحبنا مارك أقدر مني على شرح ذلك، ولكن بعد صلاة التراويح.ـ

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: