Live from Cairoston

كافر (2)

دخل عليّ الشيخ المُعَمّم مُضطربا. أقلقني منظره حيث لم يمر على وصوله إلا يومان. كان من الدعاة الذين يُبعثون للأقليات المسلمة المهاجرة ليقضي معهم شهر رمضان. جلس أمام مكتبي منكس الرأس غضبان أسفا وحكى أن شابا مشاغبا من أبناء البلد البيض أشار إلى عمامته وسبّه قائلا “كافر!”. ضرب كفا في كف متعجبا؛ كيف عرف ذلك العلج تلك الكلمة وكيف يَسُب بها داعيا إلى الله!ـ

شرحت له أن “كافر” سَبّة شنيعة في هذه البلاد لدرجة أن القانون يعاقب عليها بالحبس والغرامة وعرضت عليه أن نبلّغ السلطات، إلا أنه آثر العفو بشرط أن أفسر له معرفة هؤلاء الكَفَرَة بهذه الكلمة واستخدامهم لها ضد المسلمين. فحكيت له أن المسلمين من أهل زنزبار في شرق أفريقيا كانوا يطلقون على الأفارقة الوثنيين من أبناء جنوب القارة “كافر” وكانوا يسمون بلادهم بلاد كافر ووديانهم وادي كافر وساحل كافر وجبل كافر وهَلُم جر. فلما انطلق المستعمرون الأسبان والبرتغال – بعد سقوط الأندلس وإقامة مملكة فرديناند وإزابِلّة – وأتوا إلى زنزبار، عرفوا من المسلمين تفاصيل جنوب القارة وأخذوا عنهم تلك الأسماء. فلمّا استعمروا “بلاد كافر” اضطهدوا أبناءها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وصار “كافر” عنوان كل نقيصة وسبّة تعبر عن الهمجية والدنو والذل. فلمّا اتسع ملك المستعمر، أتى بالعمالة الرخيصة (أي العبيد) من زنزبار وكانوا مسلمين. وعاش المسلمون مع الأفارقة أبناء “كافر” فنالوا أذى الاسم كذلك. ومع زيادة أعداد المسلمين وانخفاض أعداد الأفارقة العرايا ذوي الرماح، صار “كافر” اسم عَلَم على المسلم دون غيره. فلما رآك ذلك الشقي بعمامتك كان منه ما كان رغم أن القانون يجرّم تلك الكلمة الشنيعة التي تقشعر منها أبدان أبناء البلد لعلمهم بخلفيتها المظلمة قبل خروجهم من ظلمات التعصب لنور المواطنة والمساواة.ـ

حَوقَل الشيخ واستغفر وبدأ ينعي حال الأمة إذ انقلبت الموازين وصار الكافر يسب المسلم بلفظة “كافر”. فهوّنت عليه باحتمال أن يكون الشاب المشاغب من ذرية أحد المسلمين الأسبان الذين فَرّوا بدينهم من محاكم التفتيش بالانضمام لرحلات الاستكشاف – وما أكثرهم – تاركين الأندلس ومهاجرين إلى المجهول. “فربما كان المشاكس الذي كفّرك في الأصل مسلم، وتكفير المسلم لأخيه مما اعتدنا عليه”.ـ

لم يفهم الشيخ النُكتة، كما لم يفهم العبرة من القصة. فسألته: هل أتاك شتيمة “يا فَكير”؟ قال لا، قلت له هذه سبّة أشنع من اختها ولها قصة أعجب. قال احك لي بالله عليك كي أكون على بَصيرة. قلت له بعد ما نفطر، فمثل هذه الحكايات لا تصلح مع الصيام.ـ

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: