Live from Cairoston

Archive for the ‘العاصمة’ Category

العاصمة (10/10) – الخلاصة والختام

إن أفراد مجتمع إذا ما تعارفوا واتفقوا على أن يحفظوا ما من شأنه الحفاظ على أنفسهم أموالهم وأنسالهم وأنسابهم وأعراضهم وعقولهم وما إلى ذلك من أشياء يعتبرونها ضرورة، فذلك يكون حينئذ المعروف المتعارف عليه بينهم، ولكن هذا الحفظ يبقى منسوبا إلى عرف الناس وليس إلى شرع الله. إلا أن الله وجّه المؤمنين إلى الأمر بالمعروف المتعارف عليه والذي يكون من شأنه حفظ نظام المعيشة والمعاشرة وضرورات الحياة، وتركنا نحن لنصنع ذلك العرف ولنطوره في ظل الإيمان والإحسان والقرآن وتقوى الله.

فما نُسب إلى الشريعة من مقاصد تحفظ الضرورات هي في الحقيقة تُنسب إلى العرف الذي يتعارف عليه الناس، أما شريعة الله فتهدي الناس إلى سبل اجتياز ابتلاءات الحياة وتحدد لهم الحدود التي حَكَم بها الحَكَم العدل.

فلا ينسب إلى الشريعة حفظ الضرورات، وإنما ينسب إليها مقصد إفراد الله بالعبودية والربوبية ومقصد إخراج الناس من الظلمات إلى النور. فتبقى النوازع والمقاصد البشرية منسوبة إلى البشر، وتبقى المقاصد السامية التي نزل الوحي من أجلها منسوبة إلى الشريعة.

كما أن أفراد مجتمع إذا ما تعارفوا واتفقوا على أن في شيء ما مصلحة لهم جميعا، فهذه مصلحة معتبرة، ولكنها لا تنسب إلى الشريعة ولا إلى الله، وإنما تنسب إلى العرف المعروف، وكلما انتشر روح التقوى والإحسان، كلما بَعُد المصلحة المتعارف عليها عن الحرام، والمؤمن إذا شعر بأن المعترف به كمصلحة تشتمل على، أو تؤول إلى تعدي حدود الله، سعى بالحكمة والموعظة والجدال الحسن إلى تطوير هذا المعروف لينكر الحرام ويصحح المصلحة، وكل ذلك يتم دون قهر أو اعتداء أو تسلط أو تجبر، فهذا يدل على الطغيان، والذين آمنوا يكفرون بالطاغوت.

وتحديد العرف لا يتم بزعم زاعم أو قول قائل، وإنما من خلال عملية مخاض اجتماعي يظهر بعده العرف واضحا يعرفه الناس ويعترفون به. هذا هو العرف الذي يكتسب صفة استحسان المسلمين فيستحسنه الله.* وهناك فرق كبير بين أن يستحسن الله ما يستحسنه المسلمون ويتعارفون عليه، وبين أن يكتسب ما استحسنه المسلمون صفة التشريع الإلهي. فالقول الثاني هذا مرفوض وفيه كذب على الله، وكان هذا هو أساس اعتراضنا على منظومة مقاصد الشريعة، إذ أنها تأخذ ما تعارف عليه الناس نظرا لطبائعهم البشرية، فيسبغون عليها صفات شرعية ويصبغونها بصبغة إلهية، فيقولون أن الله أمر بهذا، وهو لم يأمرنا إلا بما نص عليه في وحيه. فلننسب عرفنا إلى أنفسنا ولنتبعه، ولننسب شرع الله إلى الله، ولنحتكم إليه ولنلتزم به.

فلنأمر بالمعروف ولننه عن المنكر، ولكن دون أن ننزلق في فخ الطغيان، فالسلطان القاهر باب إلى الذل والهوان، والإنسان الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر والمؤمن بالله، ذلك هو العزيز، لأن حاكمه الأوحد هو الله، الملك الرحمان.

والله أعلم.

*اشارة إلى قول ابن مسعود رضي الله عنه، ما رآة المسلمون حسن، فهو عند الله حسن.

العاصمة (9/10) – أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن حكما ليقوم يوقنون

إن العرف قادر على تنظيم معيشة الناس دون أن يضر إنسان أخاه أو يجهل أو يطغى عليه. وما هذا إلا لأن الله قد أحاط العرف بحدود واضحة منصوصة يحصر التدافع بين الناس في إطار التدافع القولي والتأنيب النفسي. فإذا ما طغى إنسان على أخيه وتعدى تلك الحدود، نزل عليه حكم الله نكالا له وخزيا.

فالعرف – مثلا – ينظم تبادل الأموال بين الناس، والمجتمع الذي يغلب على أهله تقوى الله ستصطبغ أعرافه بالعدل في المعاملات بدلا من أكل الأموال بالباطل، فإذا ما أراد شخص ما بيد شخص آخر، أخذه منه بالمعروف. أما إذا تعدي ذلك الإنسان وأخذ مال غيره بالمنكر، ورفض رد ذلك المال، فهنالك يحدث تنازع لا يقدر العرف على حله دون إضرار. فالسارق يرفض إصلاح خطأه بإعادة المال، إما لعناده أو اختفائه، والمتضرر ليس له إلا أن يدفعه دفاعا قوليا دون أن يضر به إضرارا ماديا أو بدنيا. هنالك إن استحكم الخلاف ورفع إلى الحاكم، نزل حكم الله على السارق بقطع يده. ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ۝ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (المائدة 38 – 39).

فإن سرق إنسان، فالأصل الإنابة والتوبة والتصالح ورد المال إلى أصحابه، أو أن يعفو صاحب المال لعلمه بفاقة السارق. أما إذا لم يتم تدارك الأمر، ورفع إلى الحاكم ليحكم، فلا حكم إلا لله، وتقطع يد السارق نكالا من الله على اعتداءه على مال غيره.

وأي خلاف يحدث بين شخصين، فالأصل فيه التصالح ورد الحقوق لأصحابها، فإن بغى أحدهما على الآخر فاعتدى عليه وأضره، ينزل عليه حكم الله. وشرع الله الذي أنزله على نبيه محمد – صلى الله عليه وسلم – يختلف عن الشرائع التي أنزلت على الذين من قبلنا، فقد جاء رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بشرعة التخفيف والرحمة. فكانت أحكام العقوبات في التوراة قاسية، فقد كتب الله عليهم فيها ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ (المائدة:45). أما في شرعة التخفيف والرحمة فالأمر مختلف. فإذا كانت عقوبة القتل عندهم هو قتل القاتل، فإن الله شرع لنا القصاص وجعل فيه الحياة. قال تعالى: ﴿يَايُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْاُنثَى بِالْاُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأدَاءٌ اِلَيْهِ بِاِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ الِيمٌ ۝ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاُوْلِي الْالْبَبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:178).

وقد درج في كتب الفقه تفسير القصاص على أنه قتل القاتل، وهو عندنا غير ذلك، والقرآن يفسر بعضه بعضا، وقد فسر معنى القصاص عند عرضه لأحكام العقوبات في التوراة، حيث يقول الله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. فالقصاص هو أدنى عقوبة في التوراة، وجعلها الله في شرعة الرحمة التي أنزلها علينا عقوبة الإعتداء على النفس، وسياق الآية تدل على أن القصاص عوض مادي، حيث أن الجارح إذا ما تصدق به فهو كفارة له على ذنبه.

وقد اختلف المفسرون حول تفسير ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ فهل المقصود كفارة للجارح أم المجروح، وسرد الطبري الآراء بما فيها رأي عبد الله بن عمرو أنه عائد على المجروح ورأي ابن عباس أنه عائد على الجارح، ورغم أن الطبري رجح الرأي الأول إلا أننا نرى أن الأنسب لسياق الآية أن الجارح إذا دفع القصاص فقد كفّر بذلك عن ذنبه.

هذا القصاص، أي العوض المادي الذي يدفعه المعتدي، كتبه الله على المسلمين وجعل فيها الحياة، فلا تزهق نفس مقابل نفس في شرعة التخفيف والرحمة. ويوضح المولى عز وجل: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْاُنثَى بِالْاُنثَى﴾، والاختلاف في تفسير هذا المقطع مشهور، وهو عندنا تأكيد على أن القصاص/الدية تقدر بناء على المقتول، فلا تستوي دية رجل يعول أسرة بامرأة غير عاملة، وهكذا، فالدية تعويض لأهل المقتول على الخسارة المادية التي تلحق بهم لفقدان المقتول، ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأدَاءٌ اِلَيْهِ بِاِحْسَانٍ﴾، ولا يوجد تعويض على الخسارة النفسية إلا الصبر على ما أصابهم، والإنسان مبتلى.

ثم يبين الله بعض التفاصيل الخاصة بالقصاص/الدية، بعد مقدمة ما أبلغها! فيلغي الله من أحكام العقوبات فكرة أن المؤمن قد يقتل أخاه المؤمن عمدا، فيقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَئا﴾ (النساء:92)، فإذا قتل مؤمن أخاه المؤمن فلا يحاكم إلا على أنه قتل بالخطأ، فلا يعقل أن يتعمد مؤمن قتل أخيه المؤمن، فهو لا محالة مخطئ أو خلع إيمانه قبل الإقدام على هذا الإثم المبين، فالله هنا ينزه المؤمنين عن هذا الفعل، فيضفي جوا من الحياء أو حسن الظن في مخاطبته للمؤمنين، فالله يريد أن يؤسس علاقة ذات ملامح معينة بينه وبين عباده.

فإذا ما تفاقم خلاف بين إثنين ووصل إلى حد قتل أحدهما الآخر خطئا، فيحكم فيه بكتاب الله، ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطئا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء:92) فهذا هو تفصيل القصاص من القاتل الذي شرعه الله في شرعة الرحمة والتخفيف و﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾، بدلا من قسوة العقوبة المقررة في شرعة التوراة.

أما إذا تبين أن القاتل كان يقصد قتل أخيه المؤمن وكان يسعى إليه ويخطط له بإصرار وترصد، فهنالك ينتفي عنه الإيمان لأن المؤمن لا يقتل مؤمنا إلا خطئا، وحينئذ ينزل عليه حكم الحرابة والسعى في الأرض بالفساد ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (المائدة:33). فهذا القاتل العامد المتعمد قد حارب الله ورسوله وأفسد في الأرض عندما أزهق روح عبد من عباد الله. أما إذا لم تكن نيته مبيتة، أو لو شعر بعظم ما قام به من جرم فعاد إلى رشده، وتاب إلى ربه فهنالك يكون حكم الله ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (المائدة:34). وعندئذ يحاكم على أنه قتل أخاه خطئا، فيدفع الدية ويحرر الرقبة فإن لم يجد فيصوم الشهرين المتتابعين.

وقد يحدث تنازع بسبب استمتاع رجل بزوجة رجل آخر، أو بسبب خيانة زوجة لزوجها، ولفداحة هذه الفاحشة، قد يعجز العرف عن حل هذا التنازع بالمعروف ودون إضرار بالناس، فإذا ما رفع هذا الخلاف إلى الحاكم، حكم فيه بكتاب الله.

قال تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَتٍ بَيِّناَتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۝ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ۝ الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ۝ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَسِقُونَ ۝ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ۝ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ ۝ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَت اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ ۝ وَيَدْرَؤا عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَدَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ ۝ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ ۝ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ (النور:1-10)

كانت عقوبة فعل فاحشة الزنا في شرعة التوراة الجلد للبكر والرجم للمحصن. أما في شرعة التخفيف والرحمة، فلم يجعل الله حدا إلا إذا زنا رجل بإمرأة متزوجة، فهنالك يجلدا مائة جلدة، وتفرق الزانية عن زوجها والزاني – إن كانت متزوجا – عن زوجته.

ومفتاح فهم حد الزنا في القرآن هو فهم معنى «المحصنات» الواردة في بداية سورة النور، وقد اختلفت الأقوال حول معنى «المحصنات» اختلافا كبيرا، والقرآن يفسر بعضه بعضا، فالمحصنة هي تلك التي ارتبطت برجل من خلال عقد زواج نافذ، أو تلك التي إذا تزوجها الرجل أُحصن. ويجب التفريق بين «المحصَنة» – بفتح الصاد – «والمحصِنة» – بكسر الصاد – حيث أن الأولى هي المتزوجة بالفعل فأحصنها زوجها، والثانية هي التي لها القدرة على إحصان الرجل من خلال الزواج. وقد وردت الكلمة بالقرائتين.

فالمرأة الواحدة قد تكون «محصَنة محصِنة» لكونها متزوجة من رجل قادر على إحصانها وقادرة على إحصانه كذلك، أو «محصَنة غير محصِنة» لكونها متزوجة من رجل قادر على إحصانها مع عدم قدرتها على إحصانه لدواعي مرضية أو عجز بدني مثلا، أو «محصِنة غير محصَنة» لكونها قادرة على إحصان الرجل ولكنها غير متزوجة فهي غير محصَنة، أو «غير محصَنة غير محصِنة»، لكونها غير متزوجة وغير قادرة على إحصان زوجها إن تزوجت لأسباب مرضية مثلا.

وتأويل آيات سورة النور ومتعلقاتها من سورة النساء أن المرأة المتزوجة (المحصَنة) إذا ثبت أنها زنت تجلد مائة جلدة، كما يجلد من زنا بها. أما إذا زنت أمَة متزوجة (محصَنة) فعليها ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ﴾ (النساء:25)، أي خمسين جلدة. ولم يرد في كتاب الله حد للبكر إذا زنت، كما لم يرد حد للثيب إذا زنت حال كونها غير متزوجة في حين الواقعة. فكأن حد الزنا هو عقوبة للإعتداء على حرمة عقد الزواج وميثاقه الغليظ. وكذلك لا يوجد حد للرجل إذا زنا بغير متزوجة وإن كان هو محصَنا، وذلك لصعوبة ضبط ما إذا كان قد اتفق مع المرأة على الزواج أم لا، بعكس حال المحصَنة، إذ لا مجال لها لتعدد الأزواج.

وأما قوله تعالى ﴿وَالاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (النساء:15)، فهو خاص بغير المتزوجات من الثيبات والأبكار الاتي يرتكبن الفواحش من زنا أو سحاق. أما ﴿الَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنْكُمْ﴾ (النساء:16) فإشارة إلى فاحشة اللواط، وعقوبة هذه الفواحش تختلف عن عقوبة زنا المتزوجة أو الزنا بها، حيث تشير الآيات إلى أن عقوبة الذكور الإيذاء، وهو لا يصل إلى الإضرار البدني ولا المادي، وإنما هو تدافع قولي وتأنيب نفسي وفراق جماعي، أما النساء فعقوبتهن الحبس في البيوت حتى الموت أو إلى أن يجعل الله لهن سبيلا، وقد يكون هذا السبيل هو التوبة والصلاح كما هو الحال مع الذَين يأتيانها من الذكور.

وهذه العقوبات من حبس في البيت أو إيذاء غير بدني فيه إحالة من الله إلى عرف الناس، بعكس عقوبة الجلد. فانظر إلى الفارق بين حد الله المنصوص الواضح ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ وبين ﴿فَآذُوهُمَا﴾، فالأول حكم الله البيّن القاهر للزانية والزاني فلا يأتي إلا من قِبَل القهار، أما الثاني فهو إحالة لعرف المجتمع في الإيذاء دون أن يطغى إلى مستوى الإضرار البدني أو المادي.

فإن قيل، ومن أين قلت أن الزانية في سورة النور يقصد بها المتزوجة (المحصَنة)؟ قلت بأن سياق الآيات من أول السورة وحتى ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ تشير إلى ذلك. أنظر معي إلى عناصر هذه الآيات، تجد افتتاحية السورة ثم حد الزنا ثم تحريم نكاح الزاني أو الزانية من المؤمنين وعقوبة الذين يرمون المحصنات بلا شهود، وبيان كيفية الحكم فيمن اتهم زوجته بالزنا ولم يأت بشهداء وختام الآيات تذكير بصفات الله عز وجل. إن أحكام اللعان تنبهنا إلى أن المحصنات المقصود بها «المتزوجات»، فكأن الله يقول «إن الذين يرمون المتزوجات بتهمة الزنا ولم يأتوا بأربعة شهداء يجلدون، أما إذا جاء الإتهام من الزوج ولم يكن لديه شهداء إلا نفسه، فحينئذ يلجأ إلى اللعان». وإذا كان الأمر كذلك فهمنا أن المقصود بالزانية في أول السورة هي التي تزني رغم كونها متزوجة. خاصة بأن هذا التخصيص يسمح لنا بالجمع بين آيات سورة النور والنساء دون لجوء إلى النسخ الذي لا نؤمن بحدوثه في القرآن.

فإن قيل، كيف تقول ما قلت حول حد الزنا ومن الثابت أن النبي رجم الزناة؟ قلت، أما ما ورد عن الرجم، فلعلها – إن صحت – وقائع حدثت قبل نزول الآية عندما كان المسلمون يحكمون في بعض القضايا بشرع من قبلنا. فعندئذ أنزل الله القول الفصل ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَتٍ بَيِّناَتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۝ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ﴾ فنسخت هذه الآية ما جاء في شرائع اليهود الثابت في كتبهم إلى اليوم، وشرعة الإسلام مصدقة لما قبلها ولكنها مهيمنة عليها. ونسخ القرآن لما أنزل من قبله نؤمن به ونسلم له.

فعند تنازع رجل مع امرأته بتهمة الزنا، يحال الأمر إلى حكم الله، فلا يجوز لإنسان أن يحكم بالإضرار بإنسان آخر، إذ أن هذا يتطلب قهرا وتسلطا، والعرف الذي يسمح بقهر الإنسان أو الإضرار به، هو عرف شابه الطغيان. ففي حال هذه التهمة فحكم الله أن يأتي الرجل بالشهود، فإن لم يأت فيجلد لقذفه لها، أو يتلاعنا، فإن نفت عن نفسها التهمة تركت، وإن اعترفت أو توفر أربعة شهود، جلدت مائة جلدة مع من زنا بها.

هذا، ولم يفرض الله حدا دنيويا على من ارتكب الفاحشة ما لم يفعلها بمتزوجة أو فعلتها متزوجة، بل أحال الأمر إلى عرف المجتمع الذي لا يصل إلى مرتبة الإضرار البدني ولا المادي. والزنا من أبشع الجرائم الأخلاقية، إنه كان فاحشة وساء سبيلا، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ۝ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ۝ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّآتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الفرقان:68-70).

وقد يتعدى الخلاف الأفراد ليشمل الجماعات، فيحدث تدافع جماعي قد يتفاقم ويصعّد إلى مستوى الإضرار البدني والمادي. هنالك يرشدنا الله تعالى إلى الإصلاح بين الطائفتين، فإن طغت وبغت إحداهما على الأخرى، فحكم الله عندئذ يكون: ﴿فَقاَتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الحجرات:9). فالأصل أن المؤمنين أخوة وأن ما يحدث بينهم من خلاف يتم تداركه بإصلاح ذات البين، أما إذا بغى أحد الطرفين على الآخر، فينزل عليه حكم الله ويقاتل حتى يعود إلى رشده، وإلى أمر ربه.

وقد يكون الاعتداء من قبل طائفة خارجية تريد أن تطغى على جماعة المؤمنين وتفرض عليهم طاغوتها، فإذا كان الاصل في علاقة المسلمين بغيرهم أنه قائم على المعروف والبر والإحسان، فإن الطغيان يرد بحكم الله الذي أنزله في كتابه ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا اِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة:190).

فهذه هي أحكام الله المنصوصة المعدودة التي تفصل بين الناس عند عجز العرف عن حل المنازعات بالمعروف.

والله أعلم.

العاصمة (8/10) – خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين

كان الفصلان السابقان تعريفا بتحيّزاتنا التي تحكم تناولنا لمقاصد الشريعة، إذ أنها تحيّزات ترفع من أهمية الدنيا كدار ابتلاء وعمل، وتخفض من أهميتها كدار استقرار وحصاد. أما في هذا الفصل، فسنقوم بتقديم ما نراه العلاقة الصحيحة بين الشريعة والدين من ناحية وبين الدنيا ومعايشها من ناحية أخرى، إذ ببناء هذه العلاقة على أساس مقصد الإبتلاء والعمل من أجل الآخرة، تستقيم طريقة تعاملنا مع ما نواجهه من تحديات واختبارات، لنجتازها بصورة تحفظ معيشتنا دون أن نحرّف شريعتنا التي أنزلها الله لهدايتنا.

من الآراء التي كانت لها أثرا كبيرا في فهم طبيعة دين الإسلام وتدين المسلمين، الرأي القائل بأن المقصود بـ«الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» هو إقامة أحكام الله وتطبيق شريعته، وهذا في رأينا غير صحيح. فالمعروف هو ما تعارف عليه الناس واعترفوا به كعرف سائد بينهم. المعروف هو العرف الذي جاء في قول الله تعالى ﴿خُذْ الْعَفْوَ وَاْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف:199). فإذا ما ذكر الله تعالى وصية الميت بالمعروف، أو متاع المطلقة بالمعروف أو تراضي الزوجين بالمعروف، أو الكسوة بالمعروف وغيره، فإنه – سبحانه – يحيلنا إلى ما تعارفنا عليه كمجتمع، أي أنه يحيلنا إلى العرف السائد.

كما إذا ما مدح الله هذه الأمة بأنها خير أمة أخرجت للناس، ووصفها بأنها تأمر بالمعروف، فالمقصود بذلك أنها أمة تحض الناس على اتباع العرف المعروف المتعارف عليه والمعترف به. فالعرف رغم معرفة الناس به يحتاج إلى من يذكِّر به ويحض على اتباعه، ليدوم ترابط المجتمع وتقوى أواصر التعاون بين الناس.

ومن طبيعة العرف أنه من صنع الناس، وأنه خاضع لتجاربهم وظروفهم وخلفياتهم، ومن طبيعة العرف كذلك أنه يتبدل ويتطور بمرور الزمان وتغير الأحوال. فإذا ما كان المجتمع يتلوا كتاب الله حق التلاوة، ويغلب عليه الإيمان والتقوى، فيتوقع أن يتطور العرف ليصطبغ بصبغة الإسلام، ولكنه لا يكون بأي حال من الأحوال مساو لشرع الله، فالعرف من صنع الإنسان ولا يستوي مع شريعة الرحمن.

أما المنكر، فليس ما حرمه الله، وإنما ما ينكره المجتمع ويرفضه، وهذا يخضع كذلك لما اتفق الناس على انكاره، وهو يتبدل ويتطور كما الحال مع المعروف. فإذا ما كان المجتمع يتلوا كتاب الله حق تلاوته، ويغلب عليه الإيمان والتقوى، فيتوقع أن يتطور المنكر ليشمل الحرام، ولكنه يبقى مختلفا عن الحرام الذي يحرمه الله، فالمعروف والمنكر لا يساوي الحلال والحرام، فالمعروف والمنكر من اتفاق الإنسان، والحلال والحرام شرع الله.

فإذا ما وصف الله المؤمنين بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فذلك يعني أنهم يحافظون على نظام المجتمع الذي يحيون فيه، فيحضون على اتباع العرف وينهون عما ينكره الناس. فالمؤمن يلعب دورا إيجابيا في المجتمع من خلال الحفاظ على نظامه الذي يصنعه أفراده من خلال التعارف والاعتراف بالمعروف ونكران واستنكار المنكر. فهم يحافظون على لحمة المجتمع الجامع لأفراده.

أما إذا حدث خلاف بين الناس، وهذا من أشكال الابتلاء، فيؤمر بما هو معروف ومعترف به في عرف ذلك المجتمع، وشرط هذا العرف أن يهدف إلى التصالح بين المختلفين، وليس الإضرار بأحدهم أو قهره. وسبيل حل المنازعات بالمعروف هو التدافع القولي والتأنيب النفسي، بأن يقيم كل امرء حجته على الآخر ويبرهن على موقفه أمام خصمه، وهنالك يحدد المعروف أي الخصمين على صواب، وأيهم على خطأ في عرف المجتمع. أما عند التنازع الذي لا يستوعبه العرف المعروف، فيحتكم إلى شرع الله كما سنبين.

وشرط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ألا يفضي إلى إضرار بدني، فالإضرار البدني دليل قهر وتسلط، وهو ما لا يحل لإنسان على آخر، فلا يحل لإمرء أن يطغى على غيره. والإنسان الذي لا يستطيع أن يحصل على مراده بالقول والحجة يطالِب بما هو غير معروف ولا متعارف عليه ولا معترف به، وإذا أصر علي نيل مراده بقهر الغير والإضرار به، فإنه بذلك يكون قد طغى، والطغيان ممنوع.

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الحفاظ على عرف المجتمع بالتدافع القولي والتأنيب النفسي، ومثال على ذلك تعامل المسلمين مع الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، فهم رغم تخلفهم عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلا أن العقاب لم يكن بالإضرار البدني ولا بالقهر، وإنما بالفراق والتأنيب النفسي ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ (التوبة 118). فالعرف الحقيقي المعروف والمعترف به، ينقاد إليه الناس، وأما من شذ وخرج عنه وأتى بالمنكر المستنكر، فإن استمراره عليه صعب ورده عنه سهل، إما بالقول الحكيم اللين، أو الفراق والخصام المضيّق، ولكن في أي حال، لا يصعّد الأمر إلى إضرار بدني أو قهر نفسي، فذلك دليل تسلط وطغيان، والطاغوت مذموم.

فلا يحل أن يرد إنسان عن المنكر بالضرب المبرّح أو الجرح فضلا عن القتل، كما لا يرد عن المنكر بأن يخرج من داره ويحبس في سجن، فكل هذا يتطلب تسلط وطغيان. والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، إنما يعتمد على أن الذي يأمر به هو المتعارف عليه المعترف به، فيجب الإنقياد إليه، وأن ما ينهى عنه هو المنكر المستنكر من قِبَل الناس، فيجب الابتعاد عنه. فمصدر قوته ليس في طغيانه وتسلطه، وإنما اعتراف الناس واتفاقهم.

وفي كل الأحوال، فالعرف غير الشرع، فالمعروف والمنكر باتفاق الناس، والحلال والحرام بحكم الله. ولهذا ميّز الله تعالى بين النوعين في قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْامِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْانجِيلِ يَاْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ اصْرَهُمْ وَالْاغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي انزِلَ مَعَهُ اوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف:157).

فالآية ميّزت بين ثلاثة أمور مختلفة، عرف الناس وشريعة الله ونسخها للشرائع السابقة. فكأن الآية تقول: يأمرهم بالمعروف (المعترف به بينهم) وينهاهم عن المنكر (الذي يستنكروه) ويحل لهم الطيبات (كما أوحى الله إلى رسوله) ويحرم عليهم الخبائث (كما أوحى إلى رسوله) ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم (بنسخ شرائعهم بالشريعة الخاتمة المهيمنة).

ولكن إذا كان المعروف من صنع الناس، فماذا لو تعدى حدود الله؟ ماذا لو كان المعروف أن الرجل والمرأة قد يتسافحان دون زواج معلن، أو أن المسكِر يشرب أثناء تناول الطعام، فكيف يأمر المؤمن بهذا المعروف؟ إن الناس إذا تعارفوا على الحرام واعترفوا به فإن المؤمن يسعى لتطوير هذا المعروف ليستنكر هذا الحرام. فالتقوى تؤثر على الفرد والجماعة وتصبغ عرفهم بصبغة الإسلام لله تعالى وطاعته. وهو في سعيه هذا يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادلهم بالتي هي أحسن، علما بأن ربه واسع المغفرة.

فإذا ما وافق المعروف الحلال، فبه ونعمة. أما إذا تعدى الحدود، فإن المؤمن يدعو قومه إلى العدل والبر وتقوى الله. وليس للمجتمع أن يضره بسبب دعوته هذه، وإنما يكون الرد بالحكمة والتشاور والجدال. ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة:112).

وقد لكن ماذا لو أنكر المجتمع ما أحله الله؟ إن هذا الإنكار لا يخرج عن أمرين، إما أن يكون الإنكار بزعم أن الله حرمه أو لما يترتب على هذا الحلال من ضرر بالمجتمع. فأما الأول، فالمؤمن لا يرضى بالكذب على الله، ويسعى إلى توضيح أن الله لم يحرم ما هم منكروه، وهو بذلك يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادلهم بالتي هي أحسن. أما إذا كان الاستنكار لضرر يعود على المجتمع من هذا الحلال، فهذا ينظر فيه وفي ملابساته، فإن رأى أن في هذا تضييق على الناس وتجاوز، فللمسلم أن يسعى والحكمة والموعظة والجدال إلى تطوير هذا المنكر ليصبح معروفا.

أما في معظم الأحوال وهي التي لا يتعدى فيه العرف على حدود الله، فعلى المؤمن أن يحافظ على هذا العرف من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والأعراف ليست متحجرة، بل تتبدل وتتطور، وللمؤمن أن يسعى لتطوير العرف بما يمليه عليه إيمانه وتقواه، ولكن هذا لا يتم بالقهر أو التسلط، إذ أن ذلك دليل طغيان، وأمرنا أن نكفر بالطاغوت.

فالله تعالى يريد من الناس أن يدبروا أمورهم بالتعارف والاعتراف بعرف معروف، لا من خلال تسلط فئة على فئة وطغيان فرد على شعب، وليس لهذا العرف أن يضر بشخص ضرر بدني أو مادي، بل ذلك محفوظ لحكم الله الملك القهار.

والأعراف تفصل بين الناس، كما أنها تتطور تبعا لحالة المجتمع وأمزجتهم. فهب مثلا أن شخصا غفل فصدم السيارة التي أمامه فأصابها ولم يصب سائقها بسوء. فقد يكون المتعارف عليه هو خروج السائقَين وتدافعهما تدافعا قوليا، وقد يتطور الأمر إلى تدافع بدني لولا تدخل المارة لفض الاشتباك، ثم يهدئ الناس السائقَين فيتَحَسْبَن كل منهما ويستعوَض الله فيما أصابه وينصرف إلى حاله. إذا كان هذا هو المتعارف عليه، فهذا هو المعروف، ويكون من المستنكر أن يطالب أحدهما الآخر بتعويض.

إلا أن الذي غفل، قد يسمو إلى مرتبة الإحسان إلى الآخر فيعوضه طواعية تعويضا مناسبا على ما أصابه، وهو آنذاك لا يكون متبعا للمعروف، ولا فاعلا للمنكر، وإنما مؤديا إلى أخيه بإحسان. ومع شيوع روح الإحسان بين الناس تتكرر مثل هذه التعويضات عند تلك المواقف حتى يصبح متعارفا عليه مع مرور الزمان، وبذلك قد يتطور العرف إلى معروف أكثر إحسانا، وهو أن الذي أخطأ وصدم غيره، يقبل طواعية أن يعوض الآخر ما دام في قدرته. وفي كل حال، فإن هذا العرف يصبح معروفا معترفا به، وينفذ من خلال التدافع القولي والتأنيب النفسي، ولا يصعّد إلى درجة القهر والتسلط وفرض التعويض على المخطئ أو إضرار بدنيا أو ماديا، فذلك يستلزم القهر والطغيان، والطغيان لا يأتي بخير.

ومثال آخر على فصل العرف بين الناس وتطوره مع الزمان. هب أنك تأكل في مطعم أو تشتري أغراضا من متجر أو تركب حافلة عامة، وبجوارك شخص يدخن وأنت تتأذى من دخانه. ولكن هب أن العرف المعروف يسمح له بذلك، ورغم وجود لافتات تمنع التدخين، إلا أن تلك اللافتات علقت بفعل فاعل، ولم يكن إفرازا وترجمة لعرف الناس. هنالك إذا طلبت منه أن يطفئ دخانه فأنت عندئذ لا تأمره بالمعروف، ولا تنهاه عن منكر، وإنما تطلب منه طلبا شخصيا، وله أن يقبل أو يرفض. ولكن هب أن المدخن صاحب ذوق وأخلاق، وأبى أن يكون سببا في إيذاء جاره، فأطفاء اللفافة، فلا تحسبن حينئذ أنه اتبع المعروف، وإنما هو قبل طلبك الشخصي.

ولكن مع تكرار تلك الحوادث قد يتطور العرف من سماح بالتدخين، إلى سماح له ما لم يعترض أحد، فإن اعترض أحد جيران المدخن، في المطعم أو المتجر أو الحافلة مثلا، فالعرف أن المدخن يطفئ دخانه، لا لأن العرف أن الدخان ممنوع، ولكن لأن العرف قبول طلب الجار الذي يتأذى من الدخان.

وقد يستقر العرف على هذا الحال، وقد يتطور تطورا آخر، فيصبح من المستنكر أن يدخن الشخص في مكان عام، وهنالك يكون للمرء أن يأمر المدخن باتباع المعروف وإطفاء اللفافة، فإن رفض المدخن فإنه يكون قد أتى بالمنكر وأصر عليه، فإما أن يعرض المتأذى عنه، وإما أن يدخل في تدافع قولي وتأنيب نفسي، وقد يلجأ ومن معه إلى موقف جماعي ليردوا المدخن إلى المعروف. وفي كل الأحوال، لا يجوز أن يصعّد النهي إلى الإضرار البدني ولا المادي، فذلك يتطلب قهرا وتسلطا، ويدل على طغيان طرف على آخر، وما من مجتمع ظهر فيه الطغيان، إلا واستبطن الذل والهوان.

أما إذا لم يقدر العرف على حل التنازع دون الإضرار بالغير، فيرفع إلى الله ليحكم فيه. فيحكم رسول الله بين الناس بما أنزل الله في كتابه ﴿وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (المائدة:49). ثم يحكم بين الناس بكتاب الله من يخلف رسول الله من بعده. فلا يجوز لأحد أن يفصل في تنازع بما يضر بالإنسان، إلا الله الملك الديان.

فمهمة الخليفة ليس حكم الناس، وإنما الحكم «بين» الناس. ﴿يَدَاودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (ص:26). فهو ذو دور قضائي يقضي بين الناس فيما يرفع إلى حكم الله مما لم يقدر العرف على حله دون إضرار. وليست مهمة الخليفة بالضرورة أن يدبر شؤونهم ويحدد نظام معيشتهم. فالناس يدبرون شؤونهم وينظمون أمورهم بالمعروف، بشرط ألا يفضي هذه ذلك إلى قهر وطغيان، وإنما ينحصر في التدافع القولي والنفسي، حتى يتشكل المعروف من خلال الشورى، فيلتزمه الناس بحكم كونه عرفا متعارفا عليه معترفا به.

فإذا ما برز من داخل المجتمع من يريد التسلط على الناس والطغيان عليهم، فهنالك يجب على الناس أن يدفعوه ليبقى الحكم لله وحده، وليحفظ النظام من خلال العرف الذي لا يؤدي إلى قهر أو إضرار. وإذا ما ظهر من خارج المجتمع من يريد أن يبسط عليهم نفوذه وسلطانه، فعلى الناس دفعه والجهاد في سبيل إثبات عرفهم وحكم الله.

فالمجتمع المؤمن لا يقبل إلا الله حَكما، ورسوله ينوب عن الله في الحكم بين الناس في النزاعات التي لا تفصل بالمعروف، ويخلف الرسول خليفة يحكم بين الناس في هذه النزاعات، وفي كل الأحوال، فالأصل أن الناس تتعارف على ما ينتظم من خلاله معيشتهم دون قهر أو طغيان، فإذا ما وافق هذا العرف مع الحلال، فبه ونعمة، وإذا تعدى حدود الله، فإن المؤمن يسعى بالحكمة والموعظة والجدال الحسن إلى تعديل هذا العرف ليستنكر الحرام، فإن تغير فبه ونعمة، وإن لم يتغير، نأى المؤمن بنفسه عنه وواصل دعوته إلى سبيل ربه.

والأعراف تتطور وتتغير، وكل ذلك بالتدافع القولي ودون قهر أو طغيان أو إضرار بدني أو مادي. فالمؤمن لا يقهر غيره، ولا يقبل أن يقهره إنسان. وليس لأحد أن يدعي أنه قاهر ومتسلط نيابة عن الله، إلا في حالة الحكم بحكم الله في النزاعات المعدودة التي لا يفصل فيها بالمعروف، فعندئذ للحاكم أن يقهر من خلال القتل أو الجلد أو القطع أو النفي، لا من أجل الطغيان، ولكن لأن الناس عيّنوه للحكم بحكم الله الواحد الديان. وسنفصل حالات هذه الأحكام المعدودة في الفصل القادم.

العاصمة (7/10) – في قيمة الحياة

يسأل سائل: أيعني ما قلت أنه لا قيمة حقيقية للحياة والمال والبنين، وأنها مجرد ابتلاء من رب العالمين؟

إن مسألة «القيمة» من المسائل التي حيرت عقل الإنسان، فما هي قيمة الحياة؟ وما هي قيمة المال أو البنين؟ ما هي قيمة تلك الضرورات التي يسعى الإنسان إلى حفظها سعيا جعله ينسب ذلك الحفظ إلى الله؟ لا تقل لي أن قيمتها عائدة إلى ما تجرها من منافع، فما من منفعة إلا شابتها مفسدة. ولا تقل لي أن قيمتها نابعة من المتعة التي تجلبها، فالمتعة لا تأتيك مقبلة إلا وتلمسك وتهرب مدبرة.

إن قيمة أي شيء إنما تكمن في كونها نعمة أنعم الخالق بها على العبد. إن قيمة الأشياء كامنة في أنها دليل على أن الرب العظيم يذكر العبد الوضيع. إن قيمة الأشياء في أنها تذكّرك بأن ربك لم ينساك. أما إذا نسيت أنت ربك فسينساك، وهنالك تختفي القيمة من الحياة والمال والبنين وكل الأشياء.

العاصمة (6/10) – وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلى متاع

إن آفة الإنسان ومزلة الأقدام نسيان أن الآخرة دار الخلود وأنها هي الحيوان. فما من حضارة قامت على غير هدى من الله ورضوان، إلا وحاولت السمو بالدنيا لتكون عليا، ونسوا أن الحياة الدنيا دار عمل، وأن الآخرة موعد الأجر. بل إن الإنسان منهم يعيش حياته على مراحل ثلاث، بداية بمرحلة التأسيس ثم مرحلة العمل وتختتم بمرحلة الحصاد. وتظهر هذه الثلاثية كذلك على مستوى الجماعات والحضارات، فهي تتأسس ثم تعمل ثم تحصد ثمار عملها.

وفي الحالتين، يركز الإنسان على حصاد الدنيا وينسى حصاد الآخرة، وما ذلك إلا لأنهم ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ (الروم:7). فالإنسان إذا غفل عن الآخرة عاش في الدنيا كأنها مزرعة للزرع والحصاد في آن واحد، فيغفل عن الفردوس الأعلى ويسعى لإنشاء فردوس أرضي، وأنّى له أن يحول الدنيا إلى الجنة، وأنّى له أن يبلغ بعد ذلك جنة الآخرة!

فاعلم رحمك الله أن يوم الحصاد هو يوم تقوم الأشهاد، يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات، واعلم أن كل من سعى لحصد أعماله في الدنيا غافل عن الآخرة، فالدنيا دار ابتلاء، تخرج من اختبار لتدخل في آخر، حتى يأتيك اليقين، وتقف أمام مالك يوم الدين.

واعلم أن مصدر السعادة هو الفوز في الآخرة، واعمل لا لإنشاء فردوس أرضي، وإنما لاجتياز ابتلاءات الدنيا والوصول إلى الفردوس الأعلى!

العاصمة (5/10) – الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا

إن تحيزنا في نقدنا لمنظومة المقاصد، هو رغبتنا في إعادة ربط الدنيا بالآخرة، لا من حيث حفظ الدنيا من أجل معرفة الله، وإنما من خلال معرفة أن الدنيا مرحلة يمر بها الإنسان ليكشف عن باطنه ويحدد موقفه في اليوم الآخر.

فالله خلق الكون وجعلنا خلفاء الأرض ليبلونا أينا أحسن عملا، فأصل وجودنا في الأرض الإبتلاء والإختبار، فهذه الحياة الدنيا دار ابتلاء. ويبتلي الله الإنسان حتى يتميز المؤمن من الكافر والطيب من الخبيث، إذ أن الإنسان يكشف عن باطنه عندما يواجه الإبتلاءات المختلفة. فالإبتلاء في الأصل «إختبار لإظهار شيء ما»، والإبتلاءات التي يتعرض لها الإنسان في الدنيا هي اختبارات لإظهار ما في قلبه. وتتنوع الابتلاءات التي يتعرض لها الإنسان، فمنها ما يحسبها شر مثل الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات، ومنها ما يحسبها خير مثل مختلف النعم والزينة التي يتمتع بها، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (الأنبياء:35).

فالإبتلاء بما يحسبه الإنسان شر هو للكشف عما إذا كان سيصبر أم يقنط، ولمعرفة إذا ما كان سيلجأ لربه أم سيكفر به. والإبتلاء بما يحسبه الإنسان خير هو للكشف عما إذا كان سيشكر أم يتكبر، وكذلك لمعرفة ما إذا كان سيؤدي حق النعمة أم لا. فالحياة الدنيا كلها ابتلاء، شرها وخيرها سواء، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

ومن أنواع الإبتلاء تلك المصائب التي تصيب الإنسان بما قدمت يداه، فإن ذنوب الإنسان قد تورث جزاء دنيويا في صورة مصائب. ولكن هذه المصائب لا تحدث إلا بإذن الله، أي أن العلاقة ليست مباشرة بين المعصية والمصيبة، فقد يعفو الله، ويعفو عن كثير، فلا تنزل المصيبة. وإذا أراد الله أن تنزل مصيبة كتبها قبل أن تحدث وهو بذلك قد أذن لها بالحدوث، إن ذلك على الله يسير. ولا يصيب الإنسان إلا ما قد كتب الله وأذن به، فلا يحدث شيء إلا بإذنه سبحانه.

إن الإنسان إذا أقبل على تزكية نفسه استطاع أن يجتاز ما يواجهه من ابتلاءات، أما إذا ما انصرف عن تزكية نفسه وأقبل على تدسيتها فيقف عاجزا عن فقه ما ينزل به من ابتلاء، ويضيق صدره وتضيق به الدنيا. وقد يتعرض من تزكى إلى نفس الإبتلاء الذي يتعرض له من تدسى فيختلف فعل الأول عن الثاني، لاختلاف القلوب التي في الصدور. فقد يبتليهما الله ليرفع درجات الأول ويزيد الثاني خسارة. ويتضح ذلك جليا عند النظر إلى رد فعل الناس لأمثال القرآن، فقد يضرب الله مثلا في القرآن فيضل به كثيرا ويهدي به كثيرا، وما يضل به إلا الفاسقين. فالذين اهتدوا وأقبلوا على الله رغبة في التقرب منه، أعانهم الله وزادهم هدى من خلال تيسير السبيل عليهم، ويبتليهم برسول يتلوا عليهم آياته، فيعلمون أنه الحق من ربهم، ويزيدهم هذا الإبتلاء يقينا. أما الذين كفروا ورفضوا الحق لما جاءهم، فإن الله إذا ابتلاهم برسول يتلوا عليهم آياته كانت لهم فتنة، فيرفضونها استكبارا، ولا يزيدون إلا خسارا.

فعلى الإنسان أن ينتبه إلى أن الأصل في وجوده على هذه الأرض الإبتلاء، وأن كل ما يصيبه من خير أو شر إنما هو ابتلاء، ليعلم الله المؤمنين وليعلم الكافرين. وعلى الإنسان أن يسأل نفسه دوما عن وجه الإبتلاء فيما يلقاه خلال يومه، فيكون عند المصيبة صبورا، وعند النعمة شكورا.

العاصمة (4/10) – في أن تفعيل منظومة المقاصد يفضي إلى تحريف الشريعة

وبعد، فإن الذي ينسب إلى شريعة إلهية مقاصد بشرية ثم يدّعي أن تحقيق هذه المقاصد مهمة دينية، إنما ينشئ دينا بشريا جديدا. والإنسان إذا اقتنع بأنه «حيثما كانت المصلحة فثم شرع الله»، ثم حدد هو المصلحة بعقله وأدعى توافقها مع شرع ربه، فإنه آنذاك هو الذي شرّع. والإنسان إذا ما اعتاد ذلك التشريع فسيختلط عليه ما هو من عند الله وما هو من عقله، حتى يتحول عقله إلى إله، فيتخذ إله هواه، والعياذ بالله.

وما سحَب الناسَ إلى العلمانية ونسيان الله، إلا أنهم ظنوا أنهم علموا مقاصد ربهم، فنسبوا مصالحهم إلى شرعه، واستغنوا عن شريعته واكتفى كل امرء بقريحته، فظنوا أن تصرفاتهم لا شك ترضي الرب، ففي هذه التصرفات مصلحة العبد، فتألّهوا وضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

فخلف من بعدهم خلف لم يعودوا يرون للوحي ضرورة، فالعقل يشرع لتحقيق مقاصد الله، ولا شك أن هذه المقاصد هي حفظ النفوس والأموال وكل ما من سبيله حفظ نظام الدنيا،* ولأن هذه هي مقاصد الرب، فلابد أنها واجبة على الفرد، فلنعمل من أجل أن يحيا المرء منا ألف سنة، ولنسعى لكي نستخرج ثروات الأرض لشيوع الأموال، ولنزداد قوة إلى قوتنا لنحفظ هذا النظام الذي هو حتما رغبة الله.

فرضوا بالحياة الدنيا ونسوا الآخرة، ونسوا الله فأنساهم أنفسهم، وأقبلوا على الدنيا فأفسدتهم وأفسدوها، وكل ذلك لأنهم ظنوا أنهم فهموا مقاصد الرب، وأصروا على العمل بمقتضى هذا الفهم فعموا وصمّوا كثيرا منهم والله بصير بما يعملون.

فليحذر من يحذر الآخرة، من أن ينسج شرعا من غزل عقله، ثم ينسبه إلى الله، فهنالك لن يميز بين لباس التقوى ولباس الهوى. ولن يميز بين مقاصد الله وبين مقاصد الهوى، بل لن يقدر على التمييز بين الله وبين هواه.

والله أعلم

*راجع مثلا فلسفة جون لوك (ت 1704 م) حول «الحقوق الطبيعية» وحفظ النفس والمال والحرية، وهي من أهم المصادر التي بنى عليها الآباء المؤسسون الولايات المتحدة الأمريكية.

العاصمة (3/10) – في نقد نظرية المصلحة

ملخص تحفظاتنا على نظرية المصلحة في سياق منظومة مقاصد الشريعة، أنها محاولة للاستفادة من ثمرة استقراء الحكماء وتفعليها في الواقع، في حين أنها لا تملك مقومات هذا التطبيق. فالقول بأن الشريعة جاءت لجلب المصالح والدرء المفاسد كلام جميل، ولكن تعريف المصالح والمفاسد مبهم، وليس لتقعيده من سبيل. ﴿وَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أنْ تُحِبُّوا شَيْئا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَانْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:216).

فالعلماء عجزوا عن تحديد معايير موضوعية تضبط تعيين المصلحة دون تدخل لهوى الإنسان، ولم يتجاوزوا ذكر قواعد عامة لا تفيد عند التطبيق؛ من قبيل لا «تتعارض مصالح الدنيا المعتبرة مع مصالح الآخرة»، أما عن طريقة معرفة وجود تعارض أم لا، فصمت مطبق. هذا فضلا عن قولهم بأن المصلحة «الحقيقية» هي تلك التي تحفظ الضرورات الخمس، فإن علم أن نظرية حفظ الضرورات فيها ما أشرنا إليه، ترتب على ذلك ضعف ما يبنى عليه.

فالمصلحة التي تحفظ الضرورات لا تكون مصلحة «شرعية» نزل من أجلها الوحي من أعلى عليين، وإنما مصلحة «بشرية» يحددها الإنسان الذي خلق من طين، بما يشمل ذلك التحديد من قصور. إلا أن العلماء، نظرا لنسبتهم المصلحة إلى الـ«شرعية»، لا يجوّزون لأنفسهم أن يحددوا المصلحة بعقولهم، فوقفوا أمام هذه الثمرة، يشمون رائحتها ولا يدرون كيف الاستفادة منها.

فالمتعامل مع نظرية المصلحة بين خيارين، أحدهما لا طعم له، وثانيهما مر، فهو إما يكتفي بذكر ملحوظة بديهية لا تطبيق عملي لها، أو لا تخرج تطبيقاتها عن بديهيات المؤمنين ذوي العقول السليمة، وإما حاول تقرير أن في أمر ما – سكت عنه الشرع – مصلحة معتبرة شرعا، ومن ثم قصدت الشريعة حفظها وجلبها، وهو بذلك ينسب إلى الشريعة ما ليس منها.

العاصمة (2/10) في نقد نظرية الضروريات الخمس

تقوم منظومة مقاصد الشريعة على دعامتين أساسيتين؛ نظرية الضروريات الخمس، ونظرية المصلحة بمستوياتها الثلاثة. وسنركز في هذا الفصل على نظرية الضروريات الخمس.

تعتمد نظرية الضروريات الخمس على ثلاث نظريات تحتيّة هي نظرية التعليل وما يتفرع منها من نظرية الحكمة من خلق الإنسان ونظرية الحفظ. ونظرية الضروريات لها تاريخ يمتد قبل الإمام الغزالي رحمه الله، إلا أننا سنتحدث عنها في فكر الغزالي باعتباره الذي نقلها إلى رحاب الفقه من خلال إقرانها بنظرية المصلحة ومستوياتها الثلاث (الضرورية والحاجية والتحسينية).

أما نظرية التعليل فتستند إلى منطق عقلي وهو أن الفعل الذي لا يستند إلى حكمة عبث، والعبث محال في حق الله. وهذا كلام لا نعترض عليه، وإنما نعترض على أخذ بعض العلل التي توصل إليها عالم من خلال اجتهاد عرفاني ذاتي، وتقليدها وتعميمها والتأسيس عليها. فالاجتهاد العرفاني الذاتي لا يمكن أن يتعدى نطاقه ليعمم ويؤسس به منهجا موضوعيا، فالأصل فيه خصوصية المجتهد وظروفه، ولا يجوز أن يتحول إلى أصول مطلقة ممتدة. وهذا هو الخطأ الذي ترتب على تناول الفقهاء لثمرة الحكماء.

فرغم صحة القول بضرورة وجود حكمة لكل فعل إلهي، إلا أن إخراج اجتهاد عالم في معرفة هذه الحكمة من حيزه الذاتي الظني وتحويله إلى قاعدة موضوعية قطعية لا يجوز. وهذا يأت بنا إلى فرعي هذه النظرية؛ وهما نظرية الحكمة من خلق الإنسان، ونظرية الحفظ.

فالإمام الغزالي رأى أن الحكمة من خلق الإنسان هو معرفة الله، ثم أتبع ذلك بافتراض أن هذه المعرفة لا تتم إلا في الدنيا، وطالما أن الدنيا ضرورية لمعرفة الله، فكان حفظ الدنيا ضروري كذلك. يقول الإمام رحمه الله: «إنا نعلم بشواهد الشرع وأنوار البصائر جميعاً أن مقصد الشرائع كلها سياق الخلق إلى جوار الله تعالى وسعادة لقائه وأنه لا وصول لهم إلى ذلك إلا بمعرفة الله تعالى ومعرفة صفاته وكتبه ورسله وإليه الإشارة بقوله تعالى‏:‏ ‏﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون‏﴾‏ أي ليكونوا عبيدا لي، ولا يكون العبد عبداً ما لم يعرف ربه بالربوبية ونفسه بالعبودية، فلا بد أن يعرف نفسه وربه، وهذا هو المقصود الأقصى ببعثة الأنبياء. ولكن لا يتم هذا إلا في الحياة الدنيا وهو المعنى بقوله عليه الصلاة والسلام ‏«‏الدنيا مزرعة الآخرة‏»‏ فصار حفظ الدنيا أيضاً مقصوداً تابعاً للدين لأنه وسيلة إليه‏».‏

ويتابع رحمه الله: «والمتعلق من الدنيا بالآخرة شيئان‏:‏ النفوس والأموال فكل ما يسد باب معرفة الله تعالى فهو أكبر الكبائر، ويليه ما يسد باب حياة النفوس، ويليه باب ما يسد المعايش التي بها حياة الناس، فهذه ثلاث مراتب، فحفظ المعرفة على القلوب والحياة على الأبدان والأموال على الأشخاص ضروري في مقصود الشرائع كلها، وهذه ثلاثة أمور لا يتصور أن تختلف فيها الملل، فلا يجوز أن الله تعالى يبعث نبياً يريد ببعثه إصلاح الخلق في دينهم ودنياهم ثم يأمرهم بما يمنعهم عن معرفته ومعرفة رسله أو يأمرهم بإهلاك النفوس وإهلاك الأموال. فحصل من هذا أن الكبائر على ثلاث مراتب‏:‏ الأولى ما يمنع من معرفة الله تعالى ومعرفة رسله وهو الكفر… والمرتبة الثانية: النفوس، إذ ببقائها وحفظها تدوم الحياة وتحصل المعرفة بالله. فقتل النفس لا محالة من الكبائر… ويقع في هذه الرتبة تحريم الزنا واللواط لأنه لو اجتمع الناس على الاكتفاء بالذكور في قضاء الشهوات انقطع النسل ودفع الموجود قريب من قطع الوجود‏.‏ وأما الزنا فإنه لا يفوت أصل الوجود ولكن يشوش الأنساب ويبطل التوارث والتناصر وجملة من الأمور التي لا ينتظم العيش إلا بها‏.‏ والمرتبة الثالثة الأموال فإنها معايش الخلق فلا يجور تسلط الناس على تناولها كيف شاءوا…».

وقد صاغ الغزالي هذه النظرية بطريقة أخرى في كتابه الاقتصاد في الاعتقاد إذ قال: «إن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا… فنظام الدين بالمعرفة والعبادة، لا يتوصل إليها إلا بصحة البدن وبقاء الحياة وسلامة قدر الحاجات، من الكسوة والمسكن والأقوات والأمن.. فلا ينتظم الدين إلا بتحقيق الأمن على هذه المهمات الضرورية. وإلا فمن كان جميع أوقاته مستغرقا بحراسة نفسه من سيوف الظلمة، وطلب قوته من وجوه الغلبة، متى يفرغ للعلم والعمل، وهما وسيلتاه إلى سعادة الآخرة؟ فإذن: إن نظام الدنيا – أعني مقادير الحاجة – شرط لنظام الدين…».

فهو رحمه الله أسس نظريته على حكمة الخلق التي توصل إليها (من خلال شواهد الشرع وأنوار البصائر)، وهي معرفة الله، ثم بنى على ذلك أن هذه المعرفة لا تتم إلا في الدنيا مما يستلزم حفظها لتمكين الإنسان من معرفة الله، ثم تفرع من ذلك واعتبر أن حفظ الدنيا من أجل معرفة الله (وعبادته) يكون بحفظ النفوس والأموال والنسل والعقل. فهذه هي الضروريات الواجب حفظها لحفظ الدنيا من أجل معرفة الله تعالى، التي هي الحكمة من خلق الإنسان.

ويترتب على ذلك عند الغزالي، أن العلة من الحدود التي نصت عليها الشريعة من قتل وجلد وقطع، إنما هي حفظ هذه الضروريات الخمس، فهي زواجر تحفظ من خلالها هذه الضروريات.

ونحن نختلف مع الإمام الغزالي في ما توصل إليه من حكمة خلق الإنسان، بل حتى وإن اتفقنا معه، فإننا نختلف معه في النتائج المنطقية التي بناها على هذه الحكمة. فنظرية حفظ الدنيا من أجل حفظ الدين نظرية لا تصمد أمام النقد، حيث يترتب على ما تفترضه، أن الميسورين الآمنين أقرب إلى طاعة الله من المعسورين الخائفين، والوحي والواقع لا يشهدان بذلك، إذ أن الشر والخير كلاهما فتنة وابتلاء، ومن الميسورين الذين اكتملت لديهم كافة الضروريات والحاجيات بل والتحسينيات، من نسى الله فأنساهم أنفسهم. ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ۝ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ۝ ذَلِكَ جَزَيْنَهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَزِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ (سبأ:15-17)

ومن المعسورين الذين حرموا من النسل والأطراف والمال وصحة النفس ونباهة العقل، من لا يتوقف لسانه عن ذكر الله. ومنهم ﴿الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر:9)

وتفسير الحدود على أنها زواجر لحفظ الضروريات تفسير نراه ضعيفا. فكيف يعتبر أن حد السرقة – مثلا – دليل على أن من مقاصد الشريعة حفظ المال؟ كيف وأهم أسباب ضياع المال ليس السرقة وإنما السفه والفساد والإسراف والتبذير؟ بل إن الله لم يأمر بقطع يد آكل مال اليتيم أو آكل الربا أو المبذرين إخوان الشياطين، فكيف يستنبط من حد السرقة أن من مقاصد الشريعة الكلية حفظ المال؟ وأين العلاقة بين حفظ المال ومعرفة الله؟

وكيف يهدد الزنا النسل، هل من خلال انعدامه، أو من خلال الإكثار منه؟ كيف يختلف النسل الناتج من زنا عن ذلك الناتج من نكاح شرعي؟ هل الضرر منحصر في اختلاط الأنساب؟ فإن كانت الحكمة من وراءه زجر الناس عن السفاح حفظا للنسل والأنساب، فهذا يتبعه منطقيا أن الزنا في حق الآيسة والعقيم حلال.

والقول بأن اللواط إنما حرم لأن الناس إذا ما اجتمعوا عليه انقطع النسل رأي ضعيف. فمن ذا الذي يقول بأن البشرية لتجتمع على هذه الفاحشة؟ وهل يعني ذلك أن الرجل إذا ما تزوج وأنجب وأدّى واجبه في إنشاء جيل جديد، صار اللواط له مباحا؟ فلا يخفى ضعف هذه الآراء التي تعتبر أن تحريم الزنا واللواط إنما قصد من وراءه حفظ النسل والانساب.

ثم كيف يكون حفظ هذه الضروريات ضرورة لتحقيق حكمة الله في خلق الإنسان، فيَكِل الله حفظها إلى الظلوم الجهول؟ لا جرم أن أصول هذه النظرية غير متماسكة، بل إن الحكمة من خلق الإنسان لا يمكن اختزالها في معرفة الله، فالإنسان قد عرف ربه أصلا وشهد له بالوحدانية قبل أن يولد ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (الأعراف:172). والأهم معرفة الحكمة من إيجاده في هذه الحياة الدنيا، وإنزال الشرائع إليه، وهذا واضح وبيّن في القرآن، إذ أن الله هو ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (الملك:2).

إننا إذا ما انطلقنا من هذه الرؤية، علمنا أن الحكمة من إنزال الشرائع هي كونها من مجمل ما يبتلى به الإنسان بالإضافة لكونها مصدرا لهداية الإنسان إلى كيفية اجتياز هذه الابتلاءات. والدنيا لا تحفظ من أجل معرفة الله، فلو كانت تزن عند الله جناح بعوضة لما سقى فيها الكافر شربة ماء، وإنما هي دار ابتلاء واختبار.

والمال والنفس لا يرجى حفظهما من أجل معرفة الله، بل إن المؤمن قد يهلكهما في سبيل الله ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة:111)

فإذا كان الإمام الغزالي يقول: «إذ الحياة الدنيا لا تراد إلا للآخرة، والتوصل إليها بمعرفة  الله تعالى» فإننا نصوب هذه المقولة ونقول: «إذ الحياة الدنيا لا تراد إلا بدافع بشرية الإنسان، ومن خلال اجتياز ابتلاءاتها يصل الإنسان إلى الجنة»، فالإنسان برغم ارتباطه بالدنيا فإنه ولد فيها ليبتلى فيظهر أشاكر أم كفور، أراغب في الله أم راغب عنه. وهذا لا يلزم معه حفظ الدنيا وضرورياتها كما يقال. بل إن حفظ ضروريات الدنيا من مقاصد الإنسان الذي خلق من طين لا من مقاصد الشريعة والدين.

العاصمة (1/10) – حول تاريخ مقاصد الشريعة

يطلق مفهوم المقاصد مقرونا بالشارع ويراد به معنيان؛ الأول هو قصد الشارع، أي تحديد المعنى المراد للفظ من بين المعاني المختلفة المحتملة، والثاني هو مقصد الشارع، أي تحديد الغاية التي من أجلها شرع الحكم. ولا يستويان.

وتركيزنا هنا على مفهوم المقاصد بالمعنى الثاني، وهو ما يتبادر إلى الذهن إذا ما ذكر مصطلح «مقاصد الشريعة». واعبر عنه بوصفه «منظومة» لعدم اقتصاره على مجرد نظرية أو منهج معرفي وإنما مجموعة من النظريات التحتية والأدوات المنهجية التي تكون منظومة معرفية متناسقة.

وقد مرت منظومة مقاصد الشريعة في تراثنا الإسلامي بثلاثة أطوار بدأت على يد «الحكماء» في رحاب التصوف والمكاشفة من أجل التوصل إلى أسرار التشريع وعلل الأحكام، ثم انتقلت إلى الطور الثاني على يد «الفقهاء» في رحاب أصول الفقه كشكل من أشكال معرفة مناسبات العلة لترشيد القياس، ثم انتهاء بالطور الثالث على يد «الإصلاحيين» في إطار مشروع النهوض الحضاري حيث تبنّوا تراث مقاصد الشريعة واستخدموه كهيكل لصياغة استجابة إسلامية للتحديات الحضارية.

ويعتبر الإمام الغزالي (ت 505 هـ) هو محور التحول بين الطور الأول والثاني، ويتضح ذلك جليا من خلال أعماله المختلفة حيث مزج بين مباحث من قبيل الشكر والصبر والتوبة، وبين أبواب القياس والاجتهاد، من خلال تصور لغرض الخالق من الخلق الناس، وهو معرفة الله سبحانه وتعالى، فتفرع من ذلك إلى الضرورات الخمس وعلاقتها بالمصلحة ومستوياتها، فنقل – رحمه الله – مقاصد الشريعة من بيئتها التصوفية التي لا تتحرج من الذاتية إلى بيئة فقهية جديدة تتميز بالتقنين والسعي نحو المنهجية الموضوعية.

أما الانتقال من الطور الثاني (الفقهي) إلى الثالث (الإصلاحي) فتم على يد رواد تيار الجامعة الإسلامية. فهم الذين تحمسوا لتراث مقاصد الشريعة وأكدوا على أهميته وفاعليته في تحقيق مشروعهم الحضاري. ونرى أصداء هذا الاهتمام في مقدمة تحقيق الشيخ عبد الله دراز (ت 1377 هـ) لكتاب «الموافقات» للإمام الشاطبي (ت 790 هـ)، إذ قال الشيخ دراز عن سبب توجهه لهذا الكتاب: «كثيرا ما سمعنا وصية المرحوم الشيخ محمد عبده لطلاب العلم بتناول الكتاب، وكنت إذ ذاك من الحريصين على تنفيذ هذه الوصية».

إن مَثَل منظومة مقاصد الشريعة كمثل ثمرة أينعت على شجرة التصوف والعلوم اللدنّية، فالتقطها الفقيه وقلّبها وتمتع برائحتها ولكنه لم يدر كيف يستفيد منها، فأخذها منه الإصلاحي وقطعها إربا باحثا عن بذور يزرع بها نهضته المرجوة، فزرعها في الأرض وجلس بجوارها ينتظر إنباتها، ولم يدر أنه بزرعها هكذا قد وأدها!

وفي كلا الحالتين، حالة الإمام الغزالي، وحالة تيار الجامعة الإسلامية نجد أن القائمين على انتقال مقاصد الشريعة من طور إلى آخر كانوا تحت تأثير ظروف تاريخية أدت إلى تبلور تحيزهم المعرفي في اتجاه معين. فعنوان كتاب الغزالي «إحياء علوم الدين» أبلغ تعبير عن رؤيته للعقبة التي كان عليه اقتحامها، فكأن علوم الدين قد ماتت لما أصابها من آلية لا روح فيها، فأراد إحيائها بهذا التزواج بين اللدنّي والفقهي.

أما التحول الثاني، فحدث في رحم الصدمة الحضارية التي مرت بها الأمة تحت وطأة الاستعمار، تلك الصدمة التي كانت لها أثرا عميقا على نفسية المسلم ورؤيته لما حوله، فتكوّن لديه قناعة بأن العقبة التي عليه اقتحامها هو عقبة النهوض والتمدن من خلال تراثنا وأصولنا الحضارية. فدشّن مشروعا للإستقلال الحضاري استلهم الكثير من أدواته من تراثنا الإسلامي، بما في ذلك منظومة مقاصد الشريعة.