Live from Cairoston

Archive for the ‘alRawda’ Category

al-Rawda is out! صدور رواية الروضة

Durant and Radwian Cycle

I was reading Will Durant’s chapter on Voltaire. He said:

“When a rising class is inconvenienced by existing law or custom, it appeals from custom to reason and from law to nature – just as conflicting desires in the individual sparkle into thought.” SoP p154

I believe this to be true, and it reminded me of what I tried to articulate in the Radwian Cycle, albeit not as eloquently:

Since this is a cycle, there is no actual beginning to start with, so let’s arbitrarily start with “Past perception/mind”. What this means is that the criteria based on which Truth is determined were developed by previous generations. This occurs within a culture of “Traditionalism” (red cycle). However, if people start to become frustrated with the staleness of tradition, they may reach a threshold in which they decide to become themselves the Arbitrator, for after-all, within them are the faculties  that were present in the previous generations. This occurs in a culture of “Modernity”.

الروضة المرضية – الفصل السابع والأخير: عود

استلقى أحمض على سريرة ينظر إلى سقف غرفته… “ترى أعادت فاتنة؟ هل ستزوني؟ ماذا يحدث لي؟ إن الحزن لا ينفك عني، ربما أحتاج لفاتنة…” وظل يداعب أوتار العود وهو ملقى على سريره ويضرب ألحانا من مقام الصبا وهو مغمض العينين… كان يشعر وهو يضم العود إلى صدره بأنه يضم محبوبا أو يهدهد طفلا… عجيب علاقة أحمض مع العود.
مر الرائعقلي على أحمض بعد العصر كما وعد، ومعه رائبدني ليطمئن على تلميذه النجيب. وبعد بعض الكشوفات والأسئلة خلص الرائبدني إلى أنه سليم بدنيا، وإن استمرت الاعراض فالأفضل أن يعرض على رائنفسي، “فلعل المشكلة نفسية لا بدنية.” ولاحظ أحمض القلق على وجه رائده عندما سمع كلمة الرائنفسي، “لا لا لا، إن شاء الله سيقوم ويتعافى دون الحاجة إلى رائنفسي.” واستأذن الرائعقلي وخرج مع الرائبدني وهو يطلب منه شرحا أوفى لحالة أحمض.
وبعد فترة وجيزة دخل رجل آخر، ظن أحمد أنه الرائنفسي “فلعل الرائعقلي اقتنع أخيرا بجدوى أو ضرورة إرسال رائد في النفسيات”، تأمل أحمض الرجل وثوبه الأخضر، وعمامة خضراء يخرج من تحتها شعر أسود مضفر، تفوح منه رائحة عطر خفيفة، وعلى وجه ملامح الهدوء والسكينة، وقف وقال: “سمعت أنك تقيأت اليوم”
أحمض: “نعم، أثناء الدرس.”
الرجل: “وهل كان يشرح درس الرودة – بالدال؟” شعر أحمض بغم حل عليه فجأة عندما سمع تلك الكلمة ولكنه تغلب على الشعور وأومأ بالإيجاب.
الرجل: “وماذا قال الرائبدني؟”
أحمد: “قال أنني سليم بدنيا”
الرجل: “أنت هاجرت إلى هذه الروضة من أرض حديثة الترويض أليس كذلك”
“بلى”
الرجل: “والترويض لم يحدث بهدوء، وإنما بعد فتنة ومعارك”
شعر أحمض ببعض الغرابة في طريقة الرجل في إلقاء الأسئلة ولكنه أجاب: “نعم هو كذلك”
فتابع الرجل: “قد عدت للتو من زيارة لها أليس كذلك”
“بلى”
سكت الرجل قليلا ونظر حوله وتفحص غرفة أحمض بعينه، ولسبب ما قرر أحمض أن يبادره هو بالسؤال فقال: “أنت الرائنفسي أليس كذلك؟”
لم يرد عليه الرجل بل فآجأه بسؤال آخر وأخير: “أنت تحب إحدى فتيات الروضة، ولكنها لا تبادلك الشعور، أليس كذلك؟”
شعر أحمض بوهن وضعف عندما تذكر فاتنة، فأومأ بالإيجاب.
هنالك هم الرجل بالخروج، وهو يقول: “الآن فهمت سبب تقيئك، شكرا على وقتك وتعاونك.”
احتار أحمض من هذه الجملة فكرر سؤاله، “ماذا أصابني أيها الرائنفسي؟”
فالتفت إليه الرجل مبتسما: “يا هذا، لست رائنفسيا، بل إن مثلي، إن عثر عليه فسيحبس في مصحة الروضة فورا!”
خاف أحمض من الرجل لأول مرة بعد أن كان قد بدأ يطمئن له: “إذا من أنت؟”
فأجاب: “أنا مجرد رجل مهتم بحالات التقيء التي تحدث، من الواضح أنك حالة طبيعية جدا من حالات حمى الروضة”
ثم التف إلى أحمض بجسده كله وقال كأنه يسدي إليه خدمة لا يسديها لأي متقيء في العادة: “انظر يا أحمض، إنك ستموت إن بقيت في هذه الروضة، قلبك رفضها من قبل أن تدخلها، ولكنك تحايلت عليها بحبك لإحدى فتياتها، ولكنها لا تبادلك الحب، فاستمع لقلبك واخرج من الروضة قبل أن يعاودك التقيء فتحبس في مصحة الروضة”
صدم أحمض من هذا الكلام… “كيف أرفض الروضة؟ بالطبع لا أرفضها، هذا كلام فارغ. من ذا الذي يرفض أن يعيش في روضة الرياض ويتريض ليصبح رائدا متوردا؟؟” وهم أن يجادل الرجل في نظريته، ولكنه لم يمهله وخرج من البيت.

***

مر يومان شعر بعدهما أحمض أنه أفضل حالا فقام وقرر أن يعود للرياضة، ودخل المروضة فشعر بدقات قلبه تتسارع، ففهم أن فاتنة قريبة منه وإن لم تره عيناه. بحث عنها كالمجنون، وظل يمشي مسرعا بين الأروقة، وينظر كأنه يسأل صور الرائعقليين عن مكانها، حتى سمع ضحكتها على شماله فنظر فوجدها واقفة مع أحد الرواد. لمحت فاتنة أحمض وبالكاد حركت طرف شفتها الأيمن فيما يمكن تفسيره – بتكلف – على أنه ابتسامة، وآثر أحمض أن ينتظر انتهائهما من الكلام. ولكن الكلام طال، ثم انقلب إلى جلسة رياضة، فتضايق أحمض من هذا الإهمال وخاف أن يتأخر على رائده، فترك المكان وذهب إلى الدرس.
وما أن بدأ الرائد في إعادة درس “الرودة”، إلا وبدأ شعور بالغثيان يحل بأحمض، فأشار بيده، يستأذن في الخروج لحظة، ولم يفهم الرائد قصده، ولكن أحمض لم ينتظر، وقام من فوره وجري خارج الرواق وتقيأ مرة أخرى. تقيأ على رخام المروضة… ذلك الرخام الذي كان يحمد الله على نعل فاتنة إذا وطأته، صار يلعن أحمض الذي تقيأ عليه.. واجتمع الناس، وانتبهت فاتنة إلى ما حدث وأتت مع رائدها تقف مع الناس حول أحمض، وهو يحاول تنظيف ثيابه ثم ينظر في وجوه الناس خجلا. والناس لا تنظر إليه بعطف، وإنما بخوف وريب، “ترى أأصيب بالحمى؟؟ هل نبلغ الإدارة؟” وجاء رجلين ومعهم ممسحة لينظفا المكان. وانتظر أحمض مجرد كلمة رفق من فاتنة، ولكنها انصرفت مع بقية الناس.
ووقف أحمض وسط قيئه، لا يدري ماذا يفعل أو أين يذهب. لم يرد العودة إلى رائده، … فكر قليلا ثم قرر أن أن يذهب إلى غرفته.
تبعد غرفة أحمض عن المروضة بمسافة قليلة، لا تستغرق أكثر من خمسة دقائق، ولكن أحمض عندما خرج من المروضة، سار بشكل لا إرادي من الطريق الطويل جدا، حيث أنه تعود أن يمر على بيت فاتنة في كل مشوار. ومشي وكلما اقترب من شرفتها يتمنى معجزة توقع فاتنة في حبه، ومر أمام مدخل البيت فوجد فاتنة واقفة مع الرائد يستكملان حديثهما، ثم لاحظا مروره وهمست فاتنة في أذن الرائد، ولكن أحمض لم يقدر حتى على الوقوف بل ظل في طريقه كأنه لم يقصد رؤيتهما أو لم يهتم، وآلاف الأفكار تموج في صدره، “ماذا قالت له عني؟ كيف تفكر في؟ ماذا يمثل هذا الرائد لها؟…”
وبعد قليل انتبه أحمض أنه لا يدري أين هو… فقد أخطأ المسير وتاه في الروضة.. ورجع من حيث أتى ولكنه شعر أنه يتوغل أكثر فأكثر في المجهول. فجلس على الرصيف من التعب وبدأ يبكي.
التف الناس حوله بعطف، “ماذا حدث يا ابني؟ لماذا تبكي؟” وربتت أم على كتفه في حنان، ثم ارتفع صوت أحد المارة… “ابتعدوا عنه!! إنه مصاب بحمى الروضة، رأيته يتقيأ اليوم في المروضة!!” هنالك انقلب كل شيء، فانفض الناس من فورهم وجرت الأم تلملم أبناءها وتدخلهم البيت كما تفعل الفرخة بأفراخها إذا ما أتى الذئب، وخلا المكان من الناس وبقي أحمض بمفرده، في مكان لا يعلمه، فأجهش بالبكاء.
ورأى أحمض من بعيد رجالا عرفهم بسيماهم، هم رجال المصحة، “مؤكد أنهم جاءوا من أجلي”. فجري في الإتجاة العكسي وهو يفكر في نفسه أنه إن ظل يجري فسيصل حتما إلى سور الروضة، وظل يجري ويدخل في طرقات ويخرج منها، وسأل رجلا واقفا عن طريق بوابة الروضة فأشار إليه، فانطلق في تلك الناحية وظل يجري، ثم انتبه أحمض إلى أن الرجل الذي سأله كان يلبس ثوبا أخضرا وعمامة خضراء… ولكنه لم يقدر على مواصلة التفكير، فكل ذرة في جسده مسخرة من أجل الهرب من هذا الجحيم، وتمزق النعال من سرعة الجري ولكثرة القفز، وصار يجري حافيا… ورأى البوابة وباغت حراسها وقفز فوقهم وخرج من الروضة إلى الصحراء… خرج من الأشجار والأنهار إلى الرمال والصخور.. خرج من الروضة وعاد إلى الأرض…
مشي أحمض شرقا في طريق روضة أهله وهو يبكي .. بكى أحمض… بكى كثيرا.. شعر بانكسار وذل.. لم يكن يفكر في شيء إلا أنه كان يريد أمه، كان يريد حضن أمه… “اريد أمي! أريدها أن تزملني… أريد أن أبكي في صدرها… أريدها أن تطمئنني إلى أنني لازلت ابنها، وأن كل شيء سيكون على ما يرام.. أريد أمان أمي… أنا لم أعد أفهم شيئا.. أمي تعرف كل شيء، هي دائما على صواب، أريدها أن ترشدني… أريد أمي. أريدها أن تقول لي أنت كذا وكذا وعليك أن تفعل كذا وكذا، وسأفعل كل ما تأمر به… لن أفارقها أبدا! أريد أمي.. يا أمي أين أنت… تعال الحقي ابنك.. أمييييي!!!”
ومشي أحمض عاري الصدر حافي القدمين… مشي كالميت وقد خرج من قبره.. سار في الصحراء وكل همه أن يرتمي في حضن أمه. ودخل الروضة الممسوخة، والناس تنظر إليه، والكل لسان حاله يقول “مسكين أحمض… إن مصيبته ليست هينة” ولكنهم لم يعرفوا ما أصابه في روضة الرياض، وأحمض لم يعرف ما أصابه في الروضة الممسوخة، حتى وصل إلى بيته وطرق الباب ففتحت أخته وهي متشحة بالسواد وما أن رأته إلا وأنفجرت بالبكاء… فقد ماتت أم أحمض.
وعلم أحمض أنه لن يجد ذلك الحضن الذي يؤويه… ولا الأمان الذي يحميه… فقد ماتت أم أحمض.

***

مرت خمس سنوات… بلا طعم أو رائحة، تزوج خلالها أحمض من قريبته صُمَيّة، وعاش في الروضة الممسوخة منعزلا إلى حد بعيد، ثم ضاقت به ولم يتحمل قردة الروضة الممسوخة ولونها الوردي المتسخ، فهاجر مع زوجته وابنته، هاجر إلى أرض فلاة، بسيطة وهادئة ورضي بها ورضت به، وسمحت له هذه الخلوة أن يفكر في ماضيه وتجاربه في الحياة، فتوصل إلى تفسير مُرْض وشاف لكثير من القضايا، توصل إلى أن مشكلة الروضة تكمن في اعتقاد الروضيين أن رواضتهم في زيادة مستمرة، ونسوا أنهم مرحلة في دورة، وأنهم إذا ما تفتحت روضتهم يوما وتحولت إلى رودة فإن الوردة إذا ازدهرت لا تلبث أن تذبل وتسقط وتعود للأرض التي خرجت منها، لتبدأ الدورة من جديد، ولكن الروضيين عن هذه الحقيقة غالفين، وكلما راجع أحمض هذه الحقيقة ابتسم ابتسامة خفيفة، كأنه يقول “مساكين أولئك الروضيين، والحمد لله الذي نجانا من الروضة المريضة”.
وتحولت حياة أحمض إلى ما يشبه حياة النساك المنعزلين عن عالمهم الخارجي، لم يعد يحفل بما يحدث خارج نطاق بيته المتواضع، الذي بناه بالطوب، ولم يشعر بأنه يفتقد شيئا أو أنه قد فاته ركب التورد أو ما شابه ذلك، لم يندم على قرار الهجرة لحظة واحدة، فقد ارتضى أن يبتعد عن كل أولئك الواهمين المفتونين بالروضة والرواضة، كلما خطروا في ذهنه ابتسم ونظر إلى الصحراء الشاسعة وردد، “لكم روضتكم ولي أرضي، إن كنتم رضيتم بالوردي، فقد رضيت بالأبيض”. كان يقضي جل أوقاته في التأمل والمشي حافيا لأيام في الصحارء والجبال، ثم يعود لزوجته وابنته فاطمة. كان يجلس معهما حول نار صغيره تحت نجوم الليل، ويضرب على عوده ألحان الاشتياق الأبدي والحنين السردمي، حنين إلي أمان رحم الأم وحضنها، أم لعله اشتياق إلى راحة القبر وسكونه؟
وقد انقدح في ذهنه ذات يوم تفسير لسر تعلقه بالعود، فلعله، وإن كان ينطق اسمها بالطريقة المتوردة، إلا أن قلبه الذي لم تتغلغل الورادة إليها كان ينطقها “عُوض”، فلعل العود يذكره بالحاج عَوَض، ولعل داخله الدفين مؤمن بما فعله الحاج وعلى ملته، وإن تنكر له جوارحه. عجيب الحاج عوض الشهيد، رأى بفطرته أن الناس التبست عليهم الروضة والجنة، ونسوا أن هذه الحياة مهما توردت، هي في النهاية دنيا وإلى الأرض نهايتها.
وفي يوم من الأيام، وأحمض جالس في بيته يتأمل، وزوجته تعد الطعام وابنته تلعب بعروس صنعه لها أبوها من القماش وأعواد الحطب، طرق الباب طارق، ففتحت له فاطمة الباب ثم نادت، “تعالى يا أبتي، هناك من يريدك”. ذهب أحمض فوجد ثلاثة رجال، بيض الوجوه، وردي الثياب، ويلبسون في أرجلهم النعال.
“أهلا وسهلا بالزوار، تفضلوا”
رد أصغرهم بعنفوان الشباب وطاقته: “جئنا نخرجكم من خشونة الأرض إلى وَرَادَة الرِياض، ومن وَضَاعَة الأرْيَضَة إلى رُقِي الريادة!”
فرجع أحمض خطوة إلى الخلف، ثم نظر إلى زوجته وهي تعد الطعام، وإلى انبته وقد عادت تلعب بعرائسها؛ نظر إلى روضته… ثم نظر إلى العود

رواية “الروضة المرضية” الجزء الأول من ثلاثية بعنوان الرضوة.
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف ولا يجوز النشر أو الاقتباس إلى بإذن كتابي منه. 2009
(c)

الروضة المرضية – الفصل الثاني: الروضة الجديدة

احضرت زوجة الحاج عشاءه وجلست معه وأنصتت إليه وهو يشتكي لها حيرته وعدم ارتياحه لهؤلاء الغرباء. “صالم يقول بأنهم أتوا من الروضة البعيدة، وأنهم يريدون أن يحوّلوا أرضنا هذه إلى روضة مثلها”
“ولما لا يا حاج؟ أيكره أحد الزرع والخضرة؟”
اعترض الحاج: “إننا لم نطلب منهم مساعدة، وإنما يفرضون أنفسهم علينا فرضا!”
فردت زوجته وهي تنظر إلى أعلى وتشير بسبابتيها: “رزق ساقه الله إلينا، أيرفض المرء المطر إذا ما نزل دون طلبه؟”
نظر إليها دون أن يتكلم، فنظرت إليه حانية وسألته “مما تخاف يا حاج؟”
فانفجر الحاج: “… الناس تغيرت من يوم ما أتى أولئك الغرباء!” ثم تمالك نفسه وتابع بصوت يبدو فيه الوهن… “أخشى عليهم من…”
“من ماذا؟”
صرف وجهه وقال “لا أدري…”
ربتت على ظهره وقالت ناصحة: “قم فصل ركعتين وأسأل الله أن يهديك لما فيه الخير والصلاح”. نظر إليها موافقا ونفض يديه من الطعام، وقام وانتصب وقبل أن يكبر التفت إليها وقال، “وغدا صيام!”
مر يومان قرر الحاج بعدهما أن يسافر إلى تلك الروضة ليراها على حقيقتها، فإن كانت ترضي النفس فلما لا نحوّل أرضنا لتصبح مثلها، وإن كانت غير ذلك فعليه أن يحذّر أهله من هذه الفتنة التي حلّت بهم، وخرج الحاج عوض من بعد صلاة الفجر ومشى غربا في اتجاه الروضة البعيدة، ووصل إلى أسوارها بعد يومين وليلة.
تسلل الحاج عوض إلى داخل الروضة ليعاين بنفسه تلك الجنة التي أعدت للمُرَوَّضين، فشعر بانقباض في قلبه من أول لحظة، دخل السوق فأصيب بالدوران، فروائح العطور والتوابل تتداخل مما يشعر بالغثيان، والناس في السوق كالأموات، لا تسمع لهم همسا، كأنهم يمشون بين القبور، المرء يقف أمام البائع، يأخذ ما يريده ويدفع الثمن ويمضي في طريقه دون فصال ولا جدال. تقهقر ودار وخرج من حيث أتى وتلفت حوله ودخل الطريق العمومي، فرأى نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رؤوسهن كروؤس الشيطان، وشباب يمشون رويدا كالنسوان، ورجال يتحركون ببطئ من فرط البدانة، يلبسون ثياب وردي كالمُجَّان، ضحكات وأغان وطرب في الطرقات،… “بئس ما وعدتمونا! أردتم أن نعيش أمواتا وأن نعذب في قبورنا!” وبعد أن كان قد نوى قضاء يوم كامل في الروضة ليدرسها عن كثب، رأى أن ما رأه فيه الكفاية، فالقصيدة أولها كفر، فلا يتوقع أن سائرها تسبيح، وبحث عن البوابة التي دخل منها، وانطلق جريا كأنه يختنق، وأول ما خرج من الروضة وقف وأخذ نفسا عميقا من هواء الأرض ثم خر ساجدا أن خرج سالما، ثم استغفر ربه وأناب

***

عاد الحاج عوض إلى أرضه وقد أدمى قدميه طول المسير، تردد وهو يقترب من الخيام، فشعر وكأنه قد أخطأ المكان… “لا لا، المكان هو، ولكن ليس هذا هو المكان.. ما هذه الصور المعلقة في الخيام؟ أعدنا إلى الجاهلية، أم أن هذه نهاية الأيام؟ وما كل هذه الزروع الخضراء التي زرعت في أوان؟ أنسيتم أننا في صحراء وأننا بدو؟ أم استعجلتم الجنة قبل الأوان؟”
ومر بجوار المرْوَضة وهمّ أن يدخلها. كان الحاج قد وافق على أن يعلم المروضون الحميضيين لأن العلم نور كما يقولون، وسمح لهم بإقامة خيمة لتعليم القراءة والكتابة، سموها “المرْوَضة”، وأقبل عليها الأطفال والشباب إقبالا، فهي ليست خالية مثل المسجد، وإنما مليئة بالألعاب المختلفة والصور المبهرة. وعندما وصل إلى مدخلها سمع كبير المروضين يصيح: “الإرادة!” والأطفال من خلفه يرددون: “الإرادة!!”
“سر الحياة”….
“سر الحياة!”

“الروضة تجري” ….
“الروضة تجري!”
“من تحتها الأنهار” ….
“من تحتها الأنهار!”

“إن الله” ….
“إن الله!”
“يحب أن يرى” ….
“يحب أن يرى!”
“أثر رِوْضَته على عبده” ….
“أثر رِوْضَته على عبده!”
ولسبب ما، تردد الحاج في الدخول، وعاد القهقري وهو يشعر وكأنه غريب، ثم التفت مرة أخرى إلى الخيام، فوجد بعض الرجال جالسين لاهين بهدايا المروضين، إلى درجة أنهم لم يلاحظوه، أو ربما لاحظوه ولكن آثروا ما هم فيه على القيام له وتحيته. “من هؤلاء الجالسون بين الخيام؟؟ هذا ابن صالم أليس كذلك؟ ماذا أجلسه هكذا؟؟ ولماذا لم يقف لي عندما رآني أمر؟ أين عمائم الرجال؟ وما هذا الشعر القصير؟ كيف يمشي عماض هكذا برأس كرأس البعير؟” ووقر في قلب الحاج أنه يجب إعادة الأمور إلى نصابها، فعزم على جمع الناس لاستشارتهم فيها يفعلون، وعاد إلى خيتمه والمرْوَضة من خلفه تردد: “الإرادة …. سر الحياة

***

وقف صالم في المسجد بين كبار الحمايضة وقال: “يا جماعة، إنما جاء هؤلاء ليخرجونا من أرضنا!”
فرد عليه عماض مستنكرا: “من قال هذا؟؟ وهل فيها شيء ليخرجونا منها؟ وهل فعلنا لهم شيئا ليخرجونا؟ إنما جاءوا ليُرَوِّضوا الأرض من أجل وَرَادَتنا!”
التفت إليه صالم في عنف وقال: “ما هذا الكلام؟ لعلك ذهبت إلى خيمتهم! أرأيتم؟؟ إنهم يسلطون أبناءنا علينا!”
فأهمل عماض خصمه والتفت إلى الحاج عوض وكان جالسا يراقب الحوار، “يا حاج عوض، إنهم كما يعلمونا القراءة والكتابة، يريدون أن يعلمونا رياضة الأرض لكي نستفيد منها. أليس من الأفضل أن تكون هذه الأرض الجرداء روضة خضراء؟”
رد عليه الحاج: “نحن بدو ولا نعيش على الفلاحة!”
فرد عماض: “يا حاج، ومن قال أننا لن نبقى بدوا؟ سنصبح بدوا في روضة. من أراد أن ينصب خيمته فلينصبها في الروضة، ومن أراد أن يرعى إبله، فليرعها في الروضة، لا تعارض يا حاج عوض.”
عاد صالم بلهجة واثقة: “يا جماعة أنا غير مطمئن لهؤلاء الغرباء، لابد أنهم سيستفيدون شيئا من كل هذا!”
فأهمل عماض خصمه مرة أخرى وقال موجها كلامه إلى الحاج: “سيستفيدون رضا الرب ورضا الضمير يا حاج.”
نظر إليه الحاج عوض وهمّ أن يقول شيئا ولكنه سكت. سكت تحت حمل العقود التي أضيفت إلى عمره منذ أن بدأ هذا الاجتماع، لقد انفلت من يده زمام الأمر… ووضع رأسه بين يديه وقال لنفسه… “لقد قلبوا علينا أهلنا، لقد وعدوهم بالرياض والأنهار… ”
فتدخل رجل آخر وقال: “الحاج عوض محق! وأنتم سذج وبلهاء! إن هؤلاء يريدون أن يغيروا طريقة عيشنا لنصبح مثلهم، ونضرب بتراث الأجداد عرض الحائط. لقد عاد ابني بالأمس من عندهم يقول لي أنهم ما جاءوا إلا لترويضنا! إنهم ينظرون إلينا كدواب تحتاج للترويض! إنهم يريدون تدجيننا وإذلالنا وتطويعنا لنكون كما يريدون هم، لا كما نريد نحن! إنهم يريدون تحويل أرضنا إلى روضة لأن رياضهم ضاقت بهم ويحتاجون إلى غيرها. سيزرعون الأرض ثم يسخرونا لنعمل فيها عبيدا لهم!”
اعترض أخو عماض الأصغر مشوحا بيده: “هذا كلام فارغ! إن الرياض لم تضق بأهلها ويعيشون حياة وَرْدية مُتَوَرِّدة، ومعدلات الوَرَادِية عندهم تفوق الخيال. المروضون ما أتوا لأنهم يحتاجون إلى أرضنا، وإنما لأنهم يعلمون أننا نحتاج إلي ما عندهم!”
اعترض صالم، “ومن قال إننا نحتاج إليهم؟؟”
فأكد عماض، منصرفا عن صالم وموجها كلامه إلى الحاج، “بل نحتاج، ولكن لا نعلم أننا نحتاج، لأننا لم نرى ما هو متاح لنعلم إذا ما كنا نريده أم لا! فلنرى ما عندهم ثم نختار!”
تعصب صالم بسبب هذا الإسلوب المستفز، فكيف يهمل عماض وجوده هكذا ويرد على كلامه دون أن ينظر في وجهه؟؟ فأمسك صالم بثوب عماض وهزه وهو يصيح: “والله لم يبق إلى أن تنطق الرويبضة في أمر العامة! والله ما أراك إلا تركت تراث أجدادك وجريت وراء أوهام الغرباء!!”
هنالك التفت عماض إلى صالم وحرر ثيابه من قبضته ونظر في وجه وقال بثقة: “وماذا لو تركت تراث الأجداد؟ أولو جاءك مُرَوِّض بأهدى مما كنت عليه، أتعرض عنه وتقول إنا وجدنا أجدادنا على أُمَّة وإنا على آثارهم مقتدون؟؟ ما هذا الجهل والتعصب؟!”
احمر صالم وصرخ: “أنا جاهل أيها السفيه؟؟!!”
وانقسم الناس إلى فريقين، فريق يرى المروضين أبالسة، جاءوا ليفسدوا عليهم دنياهم وآخرتهم، وفريق رأى فيهم ملائكة، كأن الله أرسلهم ليخرجوهم من ظلمات الجهل إلى نور الرياضة. وسرعان ما لاحظ الجمع هذا الانقسام، وانجذب كل امرء إلى حزبه، ووقف الحاج عوض ومن خلفه فرقته يقول: “لقد قررت أن نخرجهم من أرضنا قبل أن يشعلوا نيران الفتنة بيننا!” فرد زعيم الفرقة الأخرى: “بل يجب أن نبقيهم، ليحولوا هذا الجحيم إلى روضة!!” وارتفعت الأصوات، وما كان لرجل من قبل أن يرفع صوته فوق صوت الحاج، ولكن الحال تبدل، فسبحان مغير الأحوال. وعرف الحاج عوض أن هذه لحظة فاصلة وأن مستقبل الأرض ومن عليها ستتحدد في هذه اللحظات التالية، فاستجمع كل ما أوتي من عزم وإصرار ونظر نظرة في العيون، نظرة سبرت أغوار الناس، ولملمت هيبته التي تبددت في قلوبهم ثم انتزعتها ومسحت بها على وجوههم، ثم رفع قبضة نحو السماء وصاح صيحة قرعت الآذان وزلزت الأبدان، “تالله ليخرجن من بيننا!! … أو ليقلتن بأيدينا!!” وضرب بعصاه في الأرض ضربة طمست الشك من القلوب وفجرت حمية القبيلة في العروق، فخرجوا على قلب رجل واحد في ظلمة الليل، إلا قليلا منهم، تضيء المشاعل طريقهم، ليطردوا الغرباء

***

صاح الحاج عوض بصوت جهوري: “أخرجوا من أرضنا فإنكم لم تزرعوا سوى بذور الفتنة بيننا!”
خرج إليه كبير الغرباء متحفزا وقال: “يا حاج عوض قلنا لك من قبل إننا لسنا مزارعين وإنما مروضون، وسنروض هذه الأرض وكل ريِّض يقف في طريقنا! إننا لسنا هنا لنأخد شيئا، وإنما لترويض الأرض ونشر الرياضات بينكم ثم سنترككم وشأنكم بعد ذلك. لسنا محتلين، وإنما مروضون!”
فصاح الحاج مهددا: “اخرج من بيينا وإلا أحرقتك ومن معك ومن خلفك!”
رد الغريب متوعدا: “تحرق من أيها الريّض الوقح؟! ارجع إلى خيمتك والزم حدودك!”
هنالك هوى الحاج عوض بعصاه على رأس الغريب فسقط على الأرض من فوره، وأشار الحاج لمن معه بحرق الخيمة، فألقوا نيرانهم عليها فاشتعلت، وقبض على الغريب الصغير والأوسط، وظل كبيرهم يتأوى ويتألم تحت رجلي الحاج عوض. ولم يشعر الحاج عوض بنفسه إلا وهو يكيل له اللكمات والضربات وكأنه يفرغ كل ما فيه من غل وغضب تجاه ذلك الغريب الذي جعله هو الغريب وسط أهله، وظل هو ومن معه يضربونه بالعصي ويتحرون الوجه، وآخرون يتحرون الساقين أملا في تكسيرهما، وعين الغريب إلى السماء كأنه يطلب من ربه أن يرحمه ويقبض روحه، ثم اندفع شخص في وسط الضاربين وفي يده صخرة هوى بها على رأس الغريب، فكأن الناس استحسنوها، فتركوا عصيهم وتناولوا الحجارة ورجموه، والحاج عوض كالثور الهائج وكأنه يضرب ليهد الذل الذي شعر به ويرجم بالحجارة ليبني ثقته بنفسه من جديد، وسائر أهل الأرض واقفون لا يدرون ما يفعلون، فالحمية التي أخرجتهم على قلب رجل واحد تبددت مع آهات المروض. فها هو المروض الذي علمهم القراءة والكتابة صريعا، المروض الذي أغدق عليهم تلك الهدايا التي أدخلت على قلوبهم السرور، ورطبت، ولو قليلا، عيشة الأرض الجافة… “واسفاه على مروضنا!” ولكن من الذي صرعه، إنه سيدهم الحاج عوض، إنها معركة بين الكبار، ليس للصغار إلا أن يرقبوا من طرف خفي، فلا تدري نفس إلى أي الفريقين تميل.
وبعد مدة هدئ الضاربون والراجمون، وسحبت جثة المروض وألقيت في نار الخيمة، وأمر الحاج أن يصلب الغريب الأوسط والصغير فوق الرماد بعد أن تنطفئ النيران. ثم التفت إلى الناس، ليمحو أية شك في النفوس، وتلا بصوت رخيم: “إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ

***

تعجل أحمض في إصلاح نعله، فقط انقطعت للمرة الثالثة، فطريقة صناعتها غير ملائمة للسير على الرمال والحصى. تحركت أصابعه بسرعة في محاولة لإحكام حبل رفيع يربط بها الجزء الممزق، ثم شد طرف الحبل بأسنانه، ولبسها في رجله وقفز ليلحق بمحموض، فقد تناقل أهل الأرض أن جيشا يسد الأفق قد اقترب من أرضهم.
فقد وصل خبر مقتل المروضين الثلاثة إلى إدارة الروضة البعيدة، فهاجوا وماجوا وقرروا إرسال جيش للانتقام من القتلة وللمضي في خطة ترويض الأرض وتحويلها إلى روضة. ولأن المروضين الثلاثة كانوا يرسلون تقارير يومية إلى إدارة الروضة، فكان رائد الجيش يعرف من من أهل القرية في صف الحاج عوض، ومن ضده. فقبضوا في سرعة فائقة على المعارضين المخربين، وجمع الناس ووقف أحمض يسمع أحد أقربائه وهو يقرأ على الناس الحكم الصادر ضدهم وبجواره رائد الجيش: “حكمت محكمة الروضة على الحاج عوض، وعليّ وصالم ومحصن وصلاد أولاد ضرغام، وعلى عصام وصلاح ابني شلولخ”، وذكر عددا من أهل الأرض، “بالاعدام شنقا لقتلهم رعايا الروضة وحرق ممتلكاتهم، وإرهاب أهل أرض قيد الترويض”، ثم تلا خاشعا: “إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ”.
وتعالت صرخات النساء، ووقف عماض ومن معه غير مصدقين أن الأمر وصل إلى إعدام الحاج عوض والعديد من كبار الأرض، ولكن أحدا لم يحرك ساكنا، ووقف الجميع يشاهد بعض أفراد الجيش وهم يربطون الحبال حول أعناق آبائهم وأعمامهم ثم تهوى أجسادهم فجأة فتتصلب ملامح وجوههم، وصراخ النساء وزعاريدهن يختلط في الخلفية. واحتار أحمض من مشاعره، فبالأمس أثناء الخلاف الذي دار بين الرجال حول مصير المروضين، كان يميل إلى إبقاءهم بينهم ليستفيدوا من خيراتهم وخبراتهم، ثم فارت حميته عندما وقف الحاج عوض وقفته، ورأى أن الواجب طردهم، ثم ما أن رأى المروض يعذب ويرجم إلا وتحرك بداخله مشاعر العطف والأسى تجاه معلمه، ودب في نفسه امتعاض وكره تجاه القتلة، أما الآن فإنه يبكي على إعدام كبار أهل القرية، ولا يدري إلى أي الفريقين ينتمي… هل هو من شيعة الحاج، أم من شيعة المروضين؟ ولم يكن أحمض الوحيد الذي يشعر بهذه الحيرة، فجميع شباب القرية كانوا يعانون نفس التضارب في المشاعر والتشيع، حتى حدث بينهم اجماع صامت، دون أن يدروا به، بأن الأمر أكبر منهم، وأن ما عليهم إلا ترك الأقدار تسوقهم حيثما شاءت.
ثم انصرف الناس…
وتولى رائد الجيش أمور الأرض وأعلن قيام الروضة الجديدة…
وبدأ الجيش على الفور في تخطيط الأرض وحفر الآبار، وقبل أن تغرب الشمس كانت المياة تتدفق فوق سطح الأرض. وأنشئت مَرْوَضَة مكان الخيمة المحروقة، بناها الجيش بالطوب، وساعدهم أهل الروضة الجديدة في بنائها، بدأت الأرض في الأخضرار، والناس يعملون مع المروضين الجدد في ترويض أرضهم ورياضتها، وأقبلوا هم أنفسهم على الرياضات العقلية والبدنية والنفسية والروحية، فاكتشفوا أن عقولهم كانت حبيسة قيود الماضي والتراث، وأن الوجود يتعدى أفق أرضهم وأن هذه الآفاق لابد أن تستكشف، واكتشفوا أن تدينهم كان تدين سطحي ساذج، وأن الرياضة الروحية تسموا بهم وتقربهم إلى ربهم، وأنهم كانوا يؤذون أنفسهم بذلك الذخان اللعين، فتركوه وانصرفوا إلى الرياضة البدنية التي تقوي الجسد وتحافظ على صحته.
واخضرت الأرض وتوردت الحياة…
وأعلن أن المَرْوَضَة ستبدأ حلقات الرياضة، فتهيأ الأطفال والشباب لاستكمال الدروس التي بدأوها مع المروضين الثلاثة الشهداء. وكان أحمض قد غسل لوحه وكتب عليها “بسم الله الرحمن الرحيم” تبركا بها، فقد كان يرى جده يفعل ذلك من قبل. ودخل الجميع في فناء المروضة وهم في أحسن ثيابهم، وجلسوا على وسائد التي أعدت لهم، وانتظروا قدوم المروض الجديد. وما أن دخل المروض، وسلم عليهم، إلا ونظر إليهم وسأل متعجبا… “ما هذا اللوحات؟”
قال أحدهم: “هذه ألواح نكتب عليها عند المذاكرة.”
فهز رأسه وقال مُرَوِّضَا، “لا لا دعكم منها، ألم تسمعوا عن الورق؟” ووزع عليهم صفحات من الورق ذات لون وردي خفيف وقال: “هذا ما يُكتب عليه في الرياض. هاتوا هذه اللوحات…”
وألقى الألواح بعيدا، فشعر أحمض بنغصة في صدره وهو يرى الألواح تلقى، وصوت ارتطامها يصم الضمير، فتسارعت المشاعر في قلبه… “هذا تراث الأجيال، وسلو الأجداد يلقى على الارض؟… ولكن أحدا لم يعترض، بل أقبلوا على الورق الوردي… فلعل الأمر هين… هي في النهاية أخشاب، وما هي إلا وسيلة للتعلم، وقد أبدلنا المروضون بوسيلة غيرها تؤدي الغرض بكفاءة أكبر… إذن فاين المشكلة؟ لو كان أجدادنا أحياء لما ترددوا في ترك الألواح والإقبال على الورق الوردي… أحزنت لأن لوحك كان مكتوبا عليها “بسم الله الرحمن الرحيم”؟ إن المروض لم يكن يعرف أنها مكتوبة، ولو عرف لما ألقاها هكذا، فآثار التدين بادية عليه، وهو يحترم الدين ويذكر الرب كثيرا. اطرد عنك هذا الشعور! امسح عن قبلك هذه الكآبة… ابتسم كما يبتسم الآخرون، أقبل على الدرس والعلم… لا تبق أسيرا للماضي… الكل مقبل على الرياضة، فلا تخلد إلى الأرض كالأموات في قبورهم! تلك أمة قد خلت، ونحن جيل جديد، الأرض تغيرت… ستصبح روضة غدا، وعلينا أن نصبح روضيين كذلك!”
وهز رأسه وأخذ نفسا عميقا ونظر نظرة أخيرة إلى طرف لوحته التي خرجت من تحت سائر الألواح كأنها تختنق، ونظر نظرة أخيرة إلى “الرحيم”، وبلع ريقه، وعدل من مجلسه وأمسك بالقلم وكتب على الورق الوردي “بسم الله”.
ومضت الأيام…

***

لم يعد الحاج عوض وأصحابه شهداء في نظر أهل الروضة الجديدة، كانوا أرْياض، يرفضون الترويض؛ ترويض الأرض وترويض النفس والعقل. كانوا عقبة أمام التَوَرُّد الذي أراد المروضون توصيله إليهم. كانوا يريدون منع كل هذه الخيرات عنهم، ليظلوا بدوا يرعون الإبل، وليظلوا هم الزعماء. كانوا يدافعون عن التراث ليبقى الوضع على ما هو عليه، وليبقى الحاج عوض كبير أهل الأرض. مسكين الحاج عوض، ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعا. قتل نفسا بريئة بغير نفس، وعذب بالنار ولا يعذب بها إلا ربها.
مسكين الحاج عوض. ولكن لم يكن وحده، فأهل الأرض كانوا كلهم مساكين، عماهم تراثهم وماضيهم، لم يكونوا ليتخيلوا أن هذا الخير متاح لهم إذا ما رَوَّضوا أنفسهم وأرضهم. “اللهم بارك في هؤلاء الذين فكّوا عنا قيودنا! الله بارك في هؤلاء الذين رَوَّضُونا وأنشأوا لنا روضتنا!”
وعاش أهل الروضة الجديدة، لا كبدو، وإنما كروضيين، وأقبلوا على الرياضات المختلفة، ورَضُوا بروضتهم، وبرائد جيش المروضين رائدا لهم. ومضت الأيام، وكل شيء على ما يرام

رواية “الروضة المرضية” الجزء الأول من ثلاثية بعنوان الرضوة، وستنشر فصول الرواية أسبوعيا على هذه المدونة بإذن الله.
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف ولا يجوز النشر أو الاقتباس إلى بإذن كتابي منه. 2009
(c)

الروضة المرضية – الفصل الأول: المروضون الثلاثة

أسرع يا أحمض! ستبدأ الخطبة!
انتبه أحمض وخرج من حالة التأمل، وبساقين دقيقتين ركض نحو المسجد، يتقافز مثل الجراد فوق شقوق الأرض الجرداء. فأحمض يعيش في أرض آل حميض، والفقر سمة المكان، حيث تنعدم أسباب حياة الإنسان. فآل حميض بشر ظلوا على قيد الحياة، برعاية وعناية من بيده الموت والحياة. هؤلاء أناس يفتقدون كل شيء، بل إنهم يفتقرون إلى الجلد اللازم لتغطية هياكلهم العظمية، فترى التشققات في أنحاء الأبدان، في حيلة يائسة للإكتفاء بالجلد الرمادي المتاح. بل إنني أعدك أنك إن عددت تلك الضلوع البارزة، لوجدتها ناقصة. إن هؤلاء قوم، إن أرادوا الموت يوما، ما وجدوه.
ولكن بؤس الحياة، لم تمنعهم من إقامة الصلاة
فدخل أحمض المسجد ليشهد صلاة الجمعة، فهم، رغم فقرهم، استطاعوا الحفاظ على سبعة أيام في الاسبوع، أهمها يوم الجمعة، حيث يجتمع الناس في مسجد الأرض لسماع خطبة الحاج عوض، ثم يصلون ويتزاورون.
والمسجد بلا جدران أو أبواب، وإنما مجرد خليط من جريد النخل وبقايا أشياء كل وظيفتها توفير بعض الظل، وتحديد المكان. وهذا المسجد على بساطته، واحة في وسط الرمضاء.
جلس الجميع وكأن على رؤوسهم الطير، وهذا طبعا مجاز، لأن أرض آل حميض لا توجد فيها طيور، بل إن الطيور تخيف أفراخها بهذا المكان لكي يتأدبوا في أعشاشهم فوق الأشجار الخضراء.
وقف الحاج عوض أمامهم يخطب فيهم بحماس ويذكرهم بيوم الدين، وعيون الجميع متعلقة به، إذ رفع يده الغليظة، ارتفعت الرؤوس والعيون الغائرة معها، وإذا اهتز جسده القوي ليؤكد كلمة، تراهم جميعا يهتزون بهياكلهم الضعيفة اهتزازا كأنهم شعلة شمعة، أو ريشة طير في مهب الريح. فالحاج عوض الحميضي زعيمهم، وكان يتفرد بينهم بالبسطة في العلم والجسم، والله يؤتي ملكه من يشاء.
أنهى الحاج خطبته ثم دعا وأمّ الناس في الصلاة، وعندما انتهى، جلس في مكانه، وأتاه الجميع فردا فردا يسلمون عليه، فيسأل عن أحوالهم ويطمئن عليهم، وجاء الأطفال بعد الكبار، يقبلون يده وينحنون برؤوسهم، ليمسح عليها بيده الغليظة الحانية.
يتكرر هذا المشهد كل أسبوع، إلا أن هذا اليوم كان غريبا عما سبق من أيام الجمعة. فوسط هؤلاء الجالسين، كان يجلس ثلاثة غرباء. والأمر لا يحتاج إلى خبير ليعرف أنهم غرباء، بل إن شذوذهم في وسط آل حميض لا تفسير له إلا أنهم غرباء. فأحجامهم، وثيابهم ولون بشرتهم ونضارتها، جعلتهم كلآلئ وردية منثورة وسط حبات الرمال الرمادية.
وجاء هؤلاء الغرباء الثلاثة ليسلموا على الحاج عوض كذلك، وقال كبيرهم “بارك الله فيك يا حاج، كانت خطبة وردية!”
رد الحاج ويده في يد أحدهم، “أهلا وسهلا بكم” وتفرس في تلك الوجوه الغريبة، ولكنه لم يستطع قرائتها، ولم يطمئن.

***

أقام الغرباء خيمتهم بجوار المسجد ووسط سائر الخيام، ونصبوا أمامها منضدة بسيطة، هي في أعين الحميضيين عظيمة، فكيف يجتمع كل هذا الخشب في مكان واحد؟! وكان الغرباء، بعد أن يصلوا صلاة الظهر في المسجد، ينشرون على هذه المنضدة أشياء عجيبة، فيوم ينشرون فوقها نعالا، ويوم آخر حلوى، وفي يوم ثالث ثيابا جديدة؛ لم تكن هذه الأشياء للبيع، وإنما للتوزيع على الحميضيين كهدايا بسيطة تعبر عن مشاعر الحب والتكافل. وفي اليوم الرابع لم يوزعوا شيئا ماديا، وإنما وزعوا ضحكات ودموع، فأقاموا فوق المنضدة مسرح للعرائس، وحكوا ملحمة شعرية مفعمة بمعاني النبل والفداء وإن لم تخل من نكات، فترى الحميضيين واقفين وأعينهم متعلقة بتلك العرائس، إذا ما تحركت تحركت أعينهم، وإذا ما ضحكت ضحكت أعينهم، وإذا ما استشهد البطل فاضت بالدموع.
وفي اليوم الخامس وزعوا على الناس أطباقا من حبات بيضاء ساخنة ملتصقة ببعضها، وعلموهم، “هذا اسمه أرز”.
أما في اليوم السادس، فلم يوزعوا شيئا، وحار الناس، ووقفوا أمام خيمتهم بعد صلاة الظهر ينظرون خروجهم، حتى خرج صغيرهم قائلا: “لقد ذهب صاحبي إلى الروضة، لإحضار هدايا الغد، فغدا يوم الجمعة! ولابد أن تليق الهدايا بأهم الأيام!”
وانصرف الناس من أمام خيمة الغرباء يتخيلون هذه الهدايا اللائقة بأهم الأيام. وسهر الحميضيون تلك الليلة، فإذا مررت على خيامهم، تراهم يتهامسون بينهم، يتنبأون بما سيوضع على المنضدة في الغد. والأطفال مستلقون على الأرض، يحلمون بتلك المنضدة، وكأنها مائدة من السماء.
وقام الحميضيون يوم الجمعة وتجمعوا أمام الخيمة، ولكن الغريبين لم يعودا بعد، ودخل وقت صلاة الجمعة، وخرج الحاج عوض من خيمته إلى المسجد مباشرة، وبدلا من أن يهرول الناس ليجلسوا أمامه كما هو المعتاد، صار كل حميضي يعقد مقارنة في ذهنه، “الخطبة… المنضدة… الحاج عوض… الغرباء… صلاة الجمعة دخلت بالفعل… الغرباء لم يأتوا بعد…” ثم يتوصل إلى أن الأصح هو أن يذهب إلى المسجد، فقد حان موعد الصلاة، أما موعد الهدايا فلهم يحن بعد.
ولاحظ الحاج عوض هذا التلكؤ في الحضور، والتردد البادي على وجوه الناس. وبدأ خطبته كما هو معتاد، ولكن الناس لم يستجيبوا كالمعتاد. العيون الغائرة لا تتعلق بالحاج، وإنما هي بارزة تتلفت حولها لترى إذا ما أتى الغرباء من بعيد. والآباء يمسكون بأطفالهم كي لا ينفلتوا من جنبهم، ويلفتون وجوههم تجاه الحاج لينتبهوا إلى كلامه، ولكن الأطفال مشغولون بكلام لا يسمع، وبنقاش مفرداته نظرات وحركات الشفاة الصامتة:
“أقول لك حلوى!”
“لا… لقد وزعوا حلوى من قبل! إنما سيوزعون عرائس!”
“ولما لا يوزعون حلوى مرة أخرى؟”
وفجاءة أنفلت طفل من جوار أبيه وقفز خارج المسجد، فقد رأى شيئا آت من بعيد، أيقن أنه الغريبان. وأحكم كل أب قبضته على أبناءه، فالتحرك أو الكلام أثناء الخطبة خطيئة، ورغم أنه لم يحدث من قبل، إلا أن القياس يقتضي أن الخروج أثناء الخطبة كبيرة من الكبائر!
كان الحاج يرى كل هذا وهو يخطب، وشعر وهو يقف أن سحبا داكنة قد تراكمت في السماء، يرى الناس فيها الغوث والنجاة، ويرى هو فيها الغرق والهلاك.
أوجز الحاج في خطبته. أوجز لا لفقر في الكلام، وإنما رأفة بالأطفال وبالآباء القابضين عليهم. ودعا ثم وقف وأمّ المصلين في ركعتين خفيفتين. وما أن سلم، إلا وكأن المسجد التي لم يكن له جدران قد انطلق منه أسراب الجراد الذي تقافز من أركانه إلى الخارج.
حاول الآباء أن يحكموا أولادهم ويلملموهم قبل الهروب، ولكن الأطفال انتهزوا الثواني القليلة بين انتهاء الصلاة وعودة قبضة الآباء ونجحوا في الفرار إلا قليلا منهم. وتجمع الآباء حول الحاج يسلمون عليه ويعتذرون له سوء خلق أبناءهم ويقسمون بأنهم سيؤدبونهم ما أن يخرجوا إليهم. ومن كان حظه أن يعود في قبضة أبيه بعد الصلاة، سيق ليقبّل يد الحاج وانحنى برأسه ليستقبل المسحة المباركة، ثم نظر إلى أبيه نظرة مفادها أنني قد استوفيت جميع الشروط فأطلقني! ثم ينفلت من القبضة ويلتفت ويقفز كجرادة جائعة لتلتحق ببقية الجراد المنتشر.
والحاج لا يعلق، وإنما يفكر في هذه البلية التي ابتلوا بها. ثم خرج الآباء وتجمعوا مع أبنائهم ينتظرون وينظرون، ماذا سيوزع الغرباء؟

***

لم يكن الحاج وحده الذي بدأ يقلق، فقد بدأ العديد من الرجال يشكون إليه مشكلات مع أولادهم وزوجاتهم، مشكلات أرجعوها إلى الغرباء وأعاجيبهم المتجددة. إن آل حميض على هُزالهم أهل كرم وجود، وأرض الحميضيين على فقرها، ترحب دوما بالمارين عليها، والغريب فيها قريب مادام بينهم، فلم يكن عجيبا أن يسع صدر الحاج للغرباء، وإنما العجب كل العجب أن يتصرف الغرباء على هذا النحو ويحدثوا مثل هذه المشكلات والقلاقل بينهم. واستشار الحاج أبناءه وبعض أصحابه، وأجمعوا على أن الأمر جد وما هو بالهزل، وأنه لابد من الاجتماع بالغرباء وحسم الأمر معهم.

***

أسرع يا أحمض! سيبدأ الاجتماع!
انتهى أحمض من إصلاح نعله الذي أهداه إليه الغرباء ولبسه في رجله وخرج يتقافز مع أخيه، ووصلا إلى المسجد مكان الاجتماع الكبير. فعادة آل حميض أن تناقش الأمور الهامة علانية أمام الجميع.
دخل أحمض فوجد الحاج عوض يهجم على الغرباء بسؤاله: “لماذا جئتم إلى أرضنا؟!”
رد كبيرهم في ثقة: “جئنا نخرجكم من خشونة الأرباض إلى وَرَادَة الرِياض، ومن وَضَاعَة الأرْيَضَة إلى رُقِي الريادة!”
حاول الحاج جاهدا إخفاء دهشته وحقيقة أنه لم يفهم كلمة واحدة مما قيل، فكرر هجومه بأسلوب آخر وسأل بصوت أعلى: “ماذا تريدون منا؟؟!!”
رد الغريب بنفس الثقة: “يا حاج، إننا لا نريد منكم شيئا، وإنما نريد لكم أشياء. نريد لكم الوَرَادِية في العيش وأن نُرَوِّض لكم هذه الأرض لتصبح رَوضة ترضيكم وترضينا وترضي ربنا!”
شعر الحاج كأن “الفهم” متحصن في قلعة منيعة لا تنهدم جدرانها، فقرر الاعتراف ضمنا بفشل هجومه وأن يطلب فتح الباب، فنظر إلى الغرباء وهز رأسه: “يا هذا، إنني لا أفهم هذا الكلام! لماذا جئتم إلى أرضنا؟؟”
رد الغريب: “نحن مُرَوِّضون، نُرَوِّض أرض الأرباض البائسة الحَميضة لتصبح رياضا بهيجة وحميدة.”
شعر الحاج هذه المرة بأنه رأى “الفهم” ولكن من بعيد، فانتهز هذا الإنجاز ورد حازما: “لا نحتاج إلى مزارعين ولا لفلاحين، فعيشتنا خشنة، وأرضنا حَميضة كما قلت، لا نزرعها، وإنما نرعى إبلنا إينما ظهر الكلأ، هذه حياتنا وعادتنا ونحمد على ذلك ربنا!”
رد الغريب مبتسما وبهدوء: “يا حاج عوض، لسنا مزارعين ولا فلاحين، وإنما مُرَوِّضون. لسنا هنا لنخدمكم أو لنزرع لكم أرضكم، وإنما نحن هنا لترويض الأرض وتحويلها إلى روضة.”
اعترض الحاج وأشاح بيده في عنف: “يا هذا! لا نحتاج إلى رياض! نحن بدو، الأرض تعجبنا كما هي، ونحن مستغنون عن خدماتكم!”
عاد الغريب بنفس الهدوء: “قلت لك يا حاج عوض إننا لسنا هنا لخدمتكم، نحن مروضون، نريد أن نحول هذا الأرض إلى روضة وأن نُوَرِّد لكم عيشكم”
تعصب الحاج ونظر إلى من حوله ثم خطا خطوة للأمام: “ألم تفهم كلامي؟ أقول لك بدو ولا نحتاج للفلاحة، فتقول رياض وورد؟!”
رد الغريب متعجبا: “يا حاج عوض، ألم تسمع عن الوَرَادَة من قبل؟” ثم التفت إلى الناس وسأل: “أليس بينكم فرد واحد مُتَوَرِّد لنكلمه فيفهمنا؟”
سكت الجميع فليس من بينهم مُتَوَرِّد، كما أنه لايجوز الكلام دون إذن الحاج. فأردف الغريب سائلا: “من منكم يستطيع القراءة والكتابة؟”
فلم ينطق أحد، ولكنه رأى في عيونهم وهزة رؤوسهم أنهم أميون إلا قليلا منهم. فتابع الـمُـرَوِّض: “نحن جئنا لنعلمكم القراءة والكتابة، وسنقيم بينكم لمدة شهر. من أراد أن يأتي ويتعلم فأهلا وسهلا، ومن لم يرد، فكما شاء.” ثم وجه كلامه إلى خصمه: “أيرضيك هذا يا حاج عوض، أم أن القراءة والكتابة ممنوعة عندكم؟”
ففرد الحاج قامته وقال بثقة: “عموما، أرضنا مفتوحة لكل ضيف وعابر سبيل، إن كنتم معلمين فأهلا وسهلا، فالعلم نور ونحن أمة ((إقرأ))، ولكن الترويض والوَرْد وهذا الكلام الفاضي لا نقبله، ولا نفهمه، ولا نريده!”
فابتسم المروض وختم الجلسة قائلا: “حسنا، نحن معلمون.”

***

عاد المرَوِّضون الثلاثة إلى خيمتهم، وما أن دخلوها إلا وهتف أصغرهم منفعلا: “إن هؤلاء الأرْياض يحتاجون إلى التَرْويض أكثر من الأرض، أرأيت جهلهم؟ إنهم لم يسمعوا عن الوَرَادَة من قبل! أرأيت خيبتهم؟”
رد كبيرهم وشرح كما يشرح الأب لإبنه: “أعلم ذلك، وقد شعرت أنه لا طائل من وراء الكلام مع ذلك الريِّض المدعو عوض، فهو إما غبي، وإما داهية يعلم أن لا مكان له في الروضة الجديدة، ويخشى من زوال زعامته. ولهذا رأيت أن نغير من مدخلنا ونوفر لهم فرصة لتعلم القراءة والكتابة، ثم نعرض الأمر عليهم مرة أخرى بعد ذلك. إنك يا صديقي سترى الكثير من أمثال الحاج عوض. أرْياض كَـبَّل الجهل إرادتهم إلى الأرض، فلا تصطدم معهم، وإنما حاول تحييدهم والوصول إلى الشباب والنشء، افتح عيونهم على ما يفتقدونه من وَرَادِية العيش ورِياضة العقول والنفوس، وعندئذ سيطالبون هم بتَرويض أرضهم لتتحول إلى رَوضة، وسيُرَوِّضون أهلهم ليصبحوا رَوْضيين مقبلين على الرياضة والوَرَادة.” ثم ختم كلامه بموعظة بليغة: “ولا تنسى أن الرفق ما دخل على شيء إلا زانه، وأن العنف ما دخل على شيء إلا شانه.”
هدئ أصغرهم، وأومأ برأسه موافقا ثم رفعها إلى أعلى ودعا: “اللهم اجعلنا هداة مهتدين، وروّادا مروِّضين، آمين”
وأمّن معه الباقون.