Live from Cairoston

Archive for the ‘Contractions’ Category

العاصمة (5/10) – الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا

إن تحيزنا في نقدنا لمنظومة المقاصد، هو رغبتنا في إعادة ربط الدنيا بالآخرة، لا من حيث حفظ الدنيا من أجل معرفة الله، وإنما من خلال معرفة أن الدنيا مرحلة يمر بها الإنسان ليكشف عن باطنه ويحدد موقفه في اليوم الآخر.

فالله خلق الكون وجعلنا خلفاء الأرض ليبلونا أينا أحسن عملا، فأصل وجودنا في الأرض الإبتلاء والإختبار، فهذه الحياة الدنيا دار ابتلاء. ويبتلي الله الإنسان حتى يتميز المؤمن من الكافر والطيب من الخبيث، إذ أن الإنسان يكشف عن باطنه عندما يواجه الإبتلاءات المختلفة. فالإبتلاء في الأصل «إختبار لإظهار شيء ما»، والإبتلاءات التي يتعرض لها الإنسان في الدنيا هي اختبارات لإظهار ما في قلبه. وتتنوع الابتلاءات التي يتعرض لها الإنسان، فمنها ما يحسبها شر مثل الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات، ومنها ما يحسبها خير مثل مختلف النعم والزينة التي يتمتع بها، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (الأنبياء:35).

فالإبتلاء بما يحسبه الإنسان شر هو للكشف عما إذا كان سيصبر أم يقنط، ولمعرفة إذا ما كان سيلجأ لربه أم سيكفر به. والإبتلاء بما يحسبه الإنسان خير هو للكشف عما إذا كان سيشكر أم يتكبر، وكذلك لمعرفة ما إذا كان سيؤدي حق النعمة أم لا. فالحياة الدنيا كلها ابتلاء، شرها وخيرها سواء، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

ومن أنواع الإبتلاء تلك المصائب التي تصيب الإنسان بما قدمت يداه، فإن ذنوب الإنسان قد تورث جزاء دنيويا في صورة مصائب. ولكن هذه المصائب لا تحدث إلا بإذن الله، أي أن العلاقة ليست مباشرة بين المعصية والمصيبة، فقد يعفو الله، ويعفو عن كثير، فلا تنزل المصيبة. وإذا أراد الله أن تنزل مصيبة كتبها قبل أن تحدث وهو بذلك قد أذن لها بالحدوث، إن ذلك على الله يسير. ولا يصيب الإنسان إلا ما قد كتب الله وأذن به، فلا يحدث شيء إلا بإذنه سبحانه.

إن الإنسان إذا أقبل على تزكية نفسه استطاع أن يجتاز ما يواجهه من ابتلاءات، أما إذا ما انصرف عن تزكية نفسه وأقبل على تدسيتها فيقف عاجزا عن فقه ما ينزل به من ابتلاء، ويضيق صدره وتضيق به الدنيا. وقد يتعرض من تزكى إلى نفس الإبتلاء الذي يتعرض له من تدسى فيختلف فعل الأول عن الثاني، لاختلاف القلوب التي في الصدور. فقد يبتليهما الله ليرفع درجات الأول ويزيد الثاني خسارة. ويتضح ذلك جليا عند النظر إلى رد فعل الناس لأمثال القرآن، فقد يضرب الله مثلا في القرآن فيضل به كثيرا ويهدي به كثيرا، وما يضل به إلا الفاسقين. فالذين اهتدوا وأقبلوا على الله رغبة في التقرب منه، أعانهم الله وزادهم هدى من خلال تيسير السبيل عليهم، ويبتليهم برسول يتلوا عليهم آياته، فيعلمون أنه الحق من ربهم، ويزيدهم هذا الإبتلاء يقينا. أما الذين كفروا ورفضوا الحق لما جاءهم، فإن الله إذا ابتلاهم برسول يتلوا عليهم آياته كانت لهم فتنة، فيرفضونها استكبارا، ولا يزيدون إلا خسارا.

فعلى الإنسان أن ينتبه إلى أن الأصل في وجوده على هذه الأرض الإبتلاء، وأن كل ما يصيبه من خير أو شر إنما هو ابتلاء، ليعلم الله المؤمنين وليعلم الكافرين. وعلى الإنسان أن يسأل نفسه دوما عن وجه الإبتلاء فيما يلقاه خلال يومه، فيكون عند المصيبة صبورا، وعند النعمة شكورا.

العاصمة (4/10) – في أن تفعيل منظومة المقاصد يفضي إلى تحريف الشريعة

وبعد، فإن الذي ينسب إلى شريعة إلهية مقاصد بشرية ثم يدّعي أن تحقيق هذه المقاصد مهمة دينية، إنما ينشئ دينا بشريا جديدا. والإنسان إذا اقتنع بأنه «حيثما كانت المصلحة فثم شرع الله»، ثم حدد هو المصلحة بعقله وأدعى توافقها مع شرع ربه، فإنه آنذاك هو الذي شرّع. والإنسان إذا ما اعتاد ذلك التشريع فسيختلط عليه ما هو من عند الله وما هو من عقله، حتى يتحول عقله إلى إله، فيتخذ إله هواه، والعياذ بالله.

وما سحَب الناسَ إلى العلمانية ونسيان الله، إلا أنهم ظنوا أنهم علموا مقاصد ربهم، فنسبوا مصالحهم إلى شرعه، واستغنوا عن شريعته واكتفى كل امرء بقريحته، فظنوا أن تصرفاتهم لا شك ترضي الرب، ففي هذه التصرفات مصلحة العبد، فتألّهوا وضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

فخلف من بعدهم خلف لم يعودوا يرون للوحي ضرورة، فالعقل يشرع لتحقيق مقاصد الله، ولا شك أن هذه المقاصد هي حفظ النفوس والأموال وكل ما من سبيله حفظ نظام الدنيا،* ولأن هذه هي مقاصد الرب، فلابد أنها واجبة على الفرد، فلنعمل من أجل أن يحيا المرء منا ألف سنة، ولنسعى لكي نستخرج ثروات الأرض لشيوع الأموال، ولنزداد قوة إلى قوتنا لنحفظ هذا النظام الذي هو حتما رغبة الله.

فرضوا بالحياة الدنيا ونسوا الآخرة، ونسوا الله فأنساهم أنفسهم، وأقبلوا على الدنيا فأفسدتهم وأفسدوها، وكل ذلك لأنهم ظنوا أنهم فهموا مقاصد الرب، وأصروا على العمل بمقتضى هذا الفهم فعموا وصمّوا كثيرا منهم والله بصير بما يعملون.

فليحذر من يحذر الآخرة، من أن ينسج شرعا من غزل عقله، ثم ينسبه إلى الله، فهنالك لن يميز بين لباس التقوى ولباس الهوى. ولن يميز بين مقاصد الله وبين مقاصد الهوى، بل لن يقدر على التمييز بين الله وبين هواه.

والله أعلم

*راجع مثلا فلسفة جون لوك (ت 1704 م) حول «الحقوق الطبيعية» وحفظ النفس والمال والحرية، وهي من أهم المصادر التي بنى عليها الآباء المؤسسون الولايات المتحدة الأمريكية.

العاصمة (3/10) – في نقد نظرية المصلحة

ملخص تحفظاتنا على نظرية المصلحة في سياق منظومة مقاصد الشريعة، أنها محاولة للاستفادة من ثمرة استقراء الحكماء وتفعليها في الواقع، في حين أنها لا تملك مقومات هذا التطبيق. فالقول بأن الشريعة جاءت لجلب المصالح والدرء المفاسد كلام جميل، ولكن تعريف المصالح والمفاسد مبهم، وليس لتقعيده من سبيل. ﴿وَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أنْ تُحِبُّوا شَيْئا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَانْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:216).

فالعلماء عجزوا عن تحديد معايير موضوعية تضبط تعيين المصلحة دون تدخل لهوى الإنسان، ولم يتجاوزوا ذكر قواعد عامة لا تفيد عند التطبيق؛ من قبيل لا «تتعارض مصالح الدنيا المعتبرة مع مصالح الآخرة»، أما عن طريقة معرفة وجود تعارض أم لا، فصمت مطبق. هذا فضلا عن قولهم بأن المصلحة «الحقيقية» هي تلك التي تحفظ الضرورات الخمس، فإن علم أن نظرية حفظ الضرورات فيها ما أشرنا إليه، ترتب على ذلك ضعف ما يبنى عليه.

فالمصلحة التي تحفظ الضرورات لا تكون مصلحة «شرعية» نزل من أجلها الوحي من أعلى عليين، وإنما مصلحة «بشرية» يحددها الإنسان الذي خلق من طين، بما يشمل ذلك التحديد من قصور. إلا أن العلماء، نظرا لنسبتهم المصلحة إلى الـ«شرعية»، لا يجوّزون لأنفسهم أن يحددوا المصلحة بعقولهم، فوقفوا أمام هذه الثمرة، يشمون رائحتها ولا يدرون كيف الاستفادة منها.

فالمتعامل مع نظرية المصلحة بين خيارين، أحدهما لا طعم له، وثانيهما مر، فهو إما يكتفي بذكر ملحوظة بديهية لا تطبيق عملي لها، أو لا تخرج تطبيقاتها عن بديهيات المؤمنين ذوي العقول السليمة، وإما حاول تقرير أن في أمر ما – سكت عنه الشرع – مصلحة معتبرة شرعا، ومن ثم قصدت الشريعة حفظها وجلبها، وهو بذلك ينسب إلى الشريعة ما ليس منها.

العاصمة (2/10) في نقد نظرية الضروريات الخمس

تقوم منظومة مقاصد الشريعة على دعامتين أساسيتين؛ نظرية الضروريات الخمس، ونظرية المصلحة بمستوياتها الثلاثة. وسنركز في هذا الفصل على نظرية الضروريات الخمس.

تعتمد نظرية الضروريات الخمس على ثلاث نظريات تحتيّة هي نظرية التعليل وما يتفرع منها من نظرية الحكمة من خلق الإنسان ونظرية الحفظ. ونظرية الضروريات لها تاريخ يمتد قبل الإمام الغزالي رحمه الله، إلا أننا سنتحدث عنها في فكر الغزالي باعتباره الذي نقلها إلى رحاب الفقه من خلال إقرانها بنظرية المصلحة ومستوياتها الثلاث (الضرورية والحاجية والتحسينية).

أما نظرية التعليل فتستند إلى منطق عقلي وهو أن الفعل الذي لا يستند إلى حكمة عبث، والعبث محال في حق الله. وهذا كلام لا نعترض عليه، وإنما نعترض على أخذ بعض العلل التي توصل إليها عالم من خلال اجتهاد عرفاني ذاتي، وتقليدها وتعميمها والتأسيس عليها. فالاجتهاد العرفاني الذاتي لا يمكن أن يتعدى نطاقه ليعمم ويؤسس به منهجا موضوعيا، فالأصل فيه خصوصية المجتهد وظروفه، ولا يجوز أن يتحول إلى أصول مطلقة ممتدة. وهذا هو الخطأ الذي ترتب على تناول الفقهاء لثمرة الحكماء.

فرغم صحة القول بضرورة وجود حكمة لكل فعل إلهي، إلا أن إخراج اجتهاد عالم في معرفة هذه الحكمة من حيزه الذاتي الظني وتحويله إلى قاعدة موضوعية قطعية لا يجوز. وهذا يأت بنا إلى فرعي هذه النظرية؛ وهما نظرية الحكمة من خلق الإنسان، ونظرية الحفظ.

فالإمام الغزالي رأى أن الحكمة من خلق الإنسان هو معرفة الله، ثم أتبع ذلك بافتراض أن هذه المعرفة لا تتم إلا في الدنيا، وطالما أن الدنيا ضرورية لمعرفة الله، فكان حفظ الدنيا ضروري كذلك. يقول الإمام رحمه الله: «إنا نعلم بشواهد الشرع وأنوار البصائر جميعاً أن مقصد الشرائع كلها سياق الخلق إلى جوار الله تعالى وسعادة لقائه وأنه لا وصول لهم إلى ذلك إلا بمعرفة الله تعالى ومعرفة صفاته وكتبه ورسله وإليه الإشارة بقوله تعالى‏:‏ ‏﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون‏﴾‏ أي ليكونوا عبيدا لي، ولا يكون العبد عبداً ما لم يعرف ربه بالربوبية ونفسه بالعبودية، فلا بد أن يعرف نفسه وربه، وهذا هو المقصود الأقصى ببعثة الأنبياء. ولكن لا يتم هذا إلا في الحياة الدنيا وهو المعنى بقوله عليه الصلاة والسلام ‏«‏الدنيا مزرعة الآخرة‏»‏ فصار حفظ الدنيا أيضاً مقصوداً تابعاً للدين لأنه وسيلة إليه‏».‏

ويتابع رحمه الله: «والمتعلق من الدنيا بالآخرة شيئان‏:‏ النفوس والأموال فكل ما يسد باب معرفة الله تعالى فهو أكبر الكبائر، ويليه ما يسد باب حياة النفوس، ويليه باب ما يسد المعايش التي بها حياة الناس، فهذه ثلاث مراتب، فحفظ المعرفة على القلوب والحياة على الأبدان والأموال على الأشخاص ضروري في مقصود الشرائع كلها، وهذه ثلاثة أمور لا يتصور أن تختلف فيها الملل، فلا يجوز أن الله تعالى يبعث نبياً يريد ببعثه إصلاح الخلق في دينهم ودنياهم ثم يأمرهم بما يمنعهم عن معرفته ومعرفة رسله أو يأمرهم بإهلاك النفوس وإهلاك الأموال. فحصل من هذا أن الكبائر على ثلاث مراتب‏:‏ الأولى ما يمنع من معرفة الله تعالى ومعرفة رسله وهو الكفر… والمرتبة الثانية: النفوس، إذ ببقائها وحفظها تدوم الحياة وتحصل المعرفة بالله. فقتل النفس لا محالة من الكبائر… ويقع في هذه الرتبة تحريم الزنا واللواط لأنه لو اجتمع الناس على الاكتفاء بالذكور في قضاء الشهوات انقطع النسل ودفع الموجود قريب من قطع الوجود‏.‏ وأما الزنا فإنه لا يفوت أصل الوجود ولكن يشوش الأنساب ويبطل التوارث والتناصر وجملة من الأمور التي لا ينتظم العيش إلا بها‏.‏ والمرتبة الثالثة الأموال فإنها معايش الخلق فلا يجور تسلط الناس على تناولها كيف شاءوا…».

وقد صاغ الغزالي هذه النظرية بطريقة أخرى في كتابه الاقتصاد في الاعتقاد إذ قال: «إن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا… فنظام الدين بالمعرفة والعبادة، لا يتوصل إليها إلا بصحة البدن وبقاء الحياة وسلامة قدر الحاجات، من الكسوة والمسكن والأقوات والأمن.. فلا ينتظم الدين إلا بتحقيق الأمن على هذه المهمات الضرورية. وإلا فمن كان جميع أوقاته مستغرقا بحراسة نفسه من سيوف الظلمة، وطلب قوته من وجوه الغلبة، متى يفرغ للعلم والعمل، وهما وسيلتاه إلى سعادة الآخرة؟ فإذن: إن نظام الدنيا – أعني مقادير الحاجة – شرط لنظام الدين…».

فهو رحمه الله أسس نظريته على حكمة الخلق التي توصل إليها (من خلال شواهد الشرع وأنوار البصائر)، وهي معرفة الله، ثم بنى على ذلك أن هذه المعرفة لا تتم إلا في الدنيا مما يستلزم حفظها لتمكين الإنسان من معرفة الله، ثم تفرع من ذلك واعتبر أن حفظ الدنيا من أجل معرفة الله (وعبادته) يكون بحفظ النفوس والأموال والنسل والعقل. فهذه هي الضروريات الواجب حفظها لحفظ الدنيا من أجل معرفة الله تعالى، التي هي الحكمة من خلق الإنسان.

ويترتب على ذلك عند الغزالي، أن العلة من الحدود التي نصت عليها الشريعة من قتل وجلد وقطع، إنما هي حفظ هذه الضروريات الخمس، فهي زواجر تحفظ من خلالها هذه الضروريات.

ونحن نختلف مع الإمام الغزالي في ما توصل إليه من حكمة خلق الإنسان، بل حتى وإن اتفقنا معه، فإننا نختلف معه في النتائج المنطقية التي بناها على هذه الحكمة. فنظرية حفظ الدنيا من أجل حفظ الدين نظرية لا تصمد أمام النقد، حيث يترتب على ما تفترضه، أن الميسورين الآمنين أقرب إلى طاعة الله من المعسورين الخائفين، والوحي والواقع لا يشهدان بذلك، إذ أن الشر والخير كلاهما فتنة وابتلاء، ومن الميسورين الذين اكتملت لديهم كافة الضروريات والحاجيات بل والتحسينيات، من نسى الله فأنساهم أنفسهم. ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ۝ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ۝ ذَلِكَ جَزَيْنَهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَزِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ (سبأ:15-17)

ومن المعسورين الذين حرموا من النسل والأطراف والمال وصحة النفس ونباهة العقل، من لا يتوقف لسانه عن ذكر الله. ومنهم ﴿الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر:9)

وتفسير الحدود على أنها زواجر لحفظ الضروريات تفسير نراه ضعيفا. فكيف يعتبر أن حد السرقة – مثلا – دليل على أن من مقاصد الشريعة حفظ المال؟ كيف وأهم أسباب ضياع المال ليس السرقة وإنما السفه والفساد والإسراف والتبذير؟ بل إن الله لم يأمر بقطع يد آكل مال اليتيم أو آكل الربا أو المبذرين إخوان الشياطين، فكيف يستنبط من حد السرقة أن من مقاصد الشريعة الكلية حفظ المال؟ وأين العلاقة بين حفظ المال ومعرفة الله؟

وكيف يهدد الزنا النسل، هل من خلال انعدامه، أو من خلال الإكثار منه؟ كيف يختلف النسل الناتج من زنا عن ذلك الناتج من نكاح شرعي؟ هل الضرر منحصر في اختلاط الأنساب؟ فإن كانت الحكمة من وراءه زجر الناس عن السفاح حفظا للنسل والأنساب، فهذا يتبعه منطقيا أن الزنا في حق الآيسة والعقيم حلال.

والقول بأن اللواط إنما حرم لأن الناس إذا ما اجتمعوا عليه انقطع النسل رأي ضعيف. فمن ذا الذي يقول بأن البشرية لتجتمع على هذه الفاحشة؟ وهل يعني ذلك أن الرجل إذا ما تزوج وأنجب وأدّى واجبه في إنشاء جيل جديد، صار اللواط له مباحا؟ فلا يخفى ضعف هذه الآراء التي تعتبر أن تحريم الزنا واللواط إنما قصد من وراءه حفظ النسل والانساب.

ثم كيف يكون حفظ هذه الضروريات ضرورة لتحقيق حكمة الله في خلق الإنسان، فيَكِل الله حفظها إلى الظلوم الجهول؟ لا جرم أن أصول هذه النظرية غير متماسكة، بل إن الحكمة من خلق الإنسان لا يمكن اختزالها في معرفة الله، فالإنسان قد عرف ربه أصلا وشهد له بالوحدانية قبل أن يولد ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (الأعراف:172). والأهم معرفة الحكمة من إيجاده في هذه الحياة الدنيا، وإنزال الشرائع إليه، وهذا واضح وبيّن في القرآن، إذ أن الله هو ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (الملك:2).

إننا إذا ما انطلقنا من هذه الرؤية، علمنا أن الحكمة من إنزال الشرائع هي كونها من مجمل ما يبتلى به الإنسان بالإضافة لكونها مصدرا لهداية الإنسان إلى كيفية اجتياز هذه الابتلاءات. والدنيا لا تحفظ من أجل معرفة الله، فلو كانت تزن عند الله جناح بعوضة لما سقى فيها الكافر شربة ماء، وإنما هي دار ابتلاء واختبار.

والمال والنفس لا يرجى حفظهما من أجل معرفة الله، بل إن المؤمن قد يهلكهما في سبيل الله ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة:111)

فإذا كان الإمام الغزالي يقول: «إذ الحياة الدنيا لا تراد إلا للآخرة، والتوصل إليها بمعرفة  الله تعالى» فإننا نصوب هذه المقولة ونقول: «إذ الحياة الدنيا لا تراد إلا بدافع بشرية الإنسان، ومن خلال اجتياز ابتلاءاتها يصل الإنسان إلى الجنة»، فالإنسان برغم ارتباطه بالدنيا فإنه ولد فيها ليبتلى فيظهر أشاكر أم كفور، أراغب في الله أم راغب عنه. وهذا لا يلزم معه حفظ الدنيا وضرورياتها كما يقال. بل إن حفظ ضروريات الدنيا من مقاصد الإنسان الذي خلق من طين لا من مقاصد الشريعة والدين.

العاصمة (1/10) – حول تاريخ مقاصد الشريعة

يطلق مفهوم المقاصد مقرونا بالشارع ويراد به معنيان؛ الأول هو قصد الشارع، أي تحديد المعنى المراد للفظ من بين المعاني المختلفة المحتملة، والثاني هو مقصد الشارع، أي تحديد الغاية التي من أجلها شرع الحكم. ولا يستويان.

وتركيزنا هنا على مفهوم المقاصد بالمعنى الثاني، وهو ما يتبادر إلى الذهن إذا ما ذكر مصطلح «مقاصد الشريعة». واعبر عنه بوصفه «منظومة» لعدم اقتصاره على مجرد نظرية أو منهج معرفي وإنما مجموعة من النظريات التحتية والأدوات المنهجية التي تكون منظومة معرفية متناسقة.

وقد مرت منظومة مقاصد الشريعة في تراثنا الإسلامي بثلاثة أطوار بدأت على يد «الحكماء» في رحاب التصوف والمكاشفة من أجل التوصل إلى أسرار التشريع وعلل الأحكام، ثم انتقلت إلى الطور الثاني على يد «الفقهاء» في رحاب أصول الفقه كشكل من أشكال معرفة مناسبات العلة لترشيد القياس، ثم انتهاء بالطور الثالث على يد «الإصلاحيين» في إطار مشروع النهوض الحضاري حيث تبنّوا تراث مقاصد الشريعة واستخدموه كهيكل لصياغة استجابة إسلامية للتحديات الحضارية.

ويعتبر الإمام الغزالي (ت 505 هـ) هو محور التحول بين الطور الأول والثاني، ويتضح ذلك جليا من خلال أعماله المختلفة حيث مزج بين مباحث من قبيل الشكر والصبر والتوبة، وبين أبواب القياس والاجتهاد، من خلال تصور لغرض الخالق من الخلق الناس، وهو معرفة الله سبحانه وتعالى، فتفرع من ذلك إلى الضرورات الخمس وعلاقتها بالمصلحة ومستوياتها، فنقل – رحمه الله – مقاصد الشريعة من بيئتها التصوفية التي لا تتحرج من الذاتية إلى بيئة فقهية جديدة تتميز بالتقنين والسعي نحو المنهجية الموضوعية.

أما الانتقال من الطور الثاني (الفقهي) إلى الثالث (الإصلاحي) فتم على يد رواد تيار الجامعة الإسلامية. فهم الذين تحمسوا لتراث مقاصد الشريعة وأكدوا على أهميته وفاعليته في تحقيق مشروعهم الحضاري. ونرى أصداء هذا الاهتمام في مقدمة تحقيق الشيخ عبد الله دراز (ت 1377 هـ) لكتاب «الموافقات» للإمام الشاطبي (ت 790 هـ)، إذ قال الشيخ دراز عن سبب توجهه لهذا الكتاب: «كثيرا ما سمعنا وصية المرحوم الشيخ محمد عبده لطلاب العلم بتناول الكتاب، وكنت إذ ذاك من الحريصين على تنفيذ هذه الوصية».

إن مَثَل منظومة مقاصد الشريعة كمثل ثمرة أينعت على شجرة التصوف والعلوم اللدنّية، فالتقطها الفقيه وقلّبها وتمتع برائحتها ولكنه لم يدر كيف يستفيد منها، فأخذها منه الإصلاحي وقطعها إربا باحثا عن بذور يزرع بها نهضته المرجوة، فزرعها في الأرض وجلس بجوارها ينتظر إنباتها، ولم يدر أنه بزرعها هكذا قد وأدها!

وفي كلا الحالتين، حالة الإمام الغزالي، وحالة تيار الجامعة الإسلامية نجد أن القائمين على انتقال مقاصد الشريعة من طور إلى آخر كانوا تحت تأثير ظروف تاريخية أدت إلى تبلور تحيزهم المعرفي في اتجاه معين. فعنوان كتاب الغزالي «إحياء علوم الدين» أبلغ تعبير عن رؤيته للعقبة التي كان عليه اقتحامها، فكأن علوم الدين قد ماتت لما أصابها من آلية لا روح فيها، فأراد إحيائها بهذا التزواج بين اللدنّي والفقهي.

أما التحول الثاني، فحدث في رحم الصدمة الحضارية التي مرت بها الأمة تحت وطأة الاستعمار، تلك الصدمة التي كانت لها أثرا عميقا على نفسية المسلم ورؤيته لما حوله، فتكوّن لديه قناعة بأن العقبة التي عليه اقتحامها هو عقبة النهوض والتمدن من خلال تراثنا وأصولنا الحضارية. فدشّن مشروعا للإستقلال الحضاري استلهم الكثير من أدواته من تراثنا الإسلامي، بما في ذلك منظومة مقاصد الشريعة.