Live from Cairoston

Posts tagged ‘سفر الخروج’

ضرورة فتح مصر من جديد

دعيت منذ أيام لإلقاء كلمة في معبد يهودي بمدينة بوسطن ضمن احتفالهم بعيد “الخروج” عندما نجى الله بني اسرائيل من فرعون وخرجوا من مصر آمنين. وقد طلب مني الحاخام – الذي تربطني به علاقة مودة في إطار العمل على رفع الأذى عن المسلمين في أمريكا بعد 11 سبتمبر – أن أشارك من خلال عرض تناول القرآن للقصة وربط رمزية المناسبة مع ثورة 25 يناير، فقد أرسل لي خطابا قبلها يقول فيها أنه لا يعقل التحدث عن “الخروج” دون التحدث عن مصر، ولا يمكن التحدث عن مصر هذا العام دون التطرق إلى الثورة، وأراد مني أن أنقل للحاضرين تجربتي في ميدان التحرير أثناءها.ـ

وفي خلال كلمتي، ذكرت جمال حمدان صاحب “شخصية مصر” ورأيه بأن طبيعة مصر الجغرافية تجعل من ظهور الطغيان الفرعوني أمرا محتوما، ثم عقبت بأنه إلى جانب قدرة مصر على إنتاج الفراعين، فهي لا تزال خصبة قادرة على ولادة “موسى” كذلك، وأن الثورة بأسرها جاءت كصدى لنداء موسى أمام فرعون مطالبا بالحرية لشعبه، وإن كان الفارق طبعا أن مصر هي أرض المصريين – الموعودة – فلا يسعهم الخروج منها، وإنما كان على مبارك أن يعبر هو البحر الأحمر وأن يقبع في سيناء.ـ

وفي ختام كلمتي نبهت إلى أن خروج بني إسرائيل لم يكن نهاية القصة، بل بداية فصل جديد من تزكية النفس وإصلاح المجتمع ليكونوا مؤهلين لدخول الأرض المقدسة. فإن كان الله قد نجاهم من فرعون مصر، إلا أنهم ظلوا أسرى فراعين النفس التي تجذب الإنسان للطغيان بعيدا عن وسطية التوحيد. وبالمثل، فإن كان الله قد نجى المصريين من الطغيان السياسي، فالمشوار لا يزال طويلا للنجاة من الطغيان الذاتي الذي يطيل من فترة التيه بعد النجاة ويؤجل تحول مصر إلى الأرض التي ينشدها المصريون.ـ

وبعد انتهاء الكلمة، علق الحاخام على عنوان كتاب جمال حمدان “شخصية مصر” حيث لفت انتباه أن اسم “مصر” شبيه باسمها في العبرية “متزاريم” وأن جذر الكلمة في العبرية توحي بالضيق المكاني – كما في حال واد ضيق – أو التضييق – كما في حال الطغيان السياسي والتضييق على المستضعفين – وسألني إن كنت أظن أن مصر (العربية) ومتزاريم (العبرية) من ذات الأصل (نقوم منذ سنوات بمناقشة مثل هذه التشابهات اللغوية بين العبرية والعربية). ففكرت في الأمر وأجبت بأن الأرجح أن أصل الكلمتين واحد، فرغم أن الشائع في التفاسير عند تناول لكلمة مصر في القرآن أنها بمعنى مدينة، إلا أن – لغويا – “المصر” تأتي بمعنى حَلب ما في الضرع، ففيها صورة التضييق. ثم تأملت سائر الكلمات التي تشترك جذورها في الصاد والراء مثل أصر وحصر وخصر وعصر وقصر فرأيت ملامح الضيق أو التضييق فيها، اللهم إلا “نصر” التي – وبعد تفكير – توصلت مجتهدا إلى أن النون فيها نافية لمعنى التضييق، فجاءت عكس شقيقاتها. ثم تذكرت قول الله تعالى “إذا جاء نصر الله والفتح” فتأكد لي أن النصر هو فتح لضيّق كان يضغط على الإنسان ويضيّق عليه حياته، ومن خلالها يتبدى فصاحة ربعي بن عامر – رضي الله عنه – الذي عرّف مهمة الفاتحين بأنهم يخرجون العباد من “ضيق الدنيا”.ـ

ولذلك كله، وبعد ملاحظة تطور الأحداث بعد تنحي مبارك، أرى أننا في حاجة ماسة لفتح مصر من أول وجديد. ولا أعني بالفتح دخول الجيوش الجرارة من الجزيرة العربية، وإنما أعني الخروج من الضيق المصري الذي أنطبع في سيكولوجية المصري لآلاف السنين. إننا وإن تحررنا من التضييق السياسي لا نزال نضيّق على بعضنا البعض ونخنق بعضنا بعضا حتى أن الجيش الأمين الذي يحاول أن يحافظ على الشعب صار في مقام هارون الأمين الذي استضعف وخشى أن يكون سببا في التفريق بين شعبه. لقد علق الأستاذ هيكل على الثوار بأنهم كمن وصل إلى القمر فلم يسعه إلا أن يطلب “كيلو كباب”، وفي ذلك تشبيها دقيقا يذكرني بالذين نجاهم الله من فرعون وشق لهم البحر شقا، فلم يسعهم إلا طلب شقة فول بالثوم والبصل مع القتة لترطيب المعدة (راجع سورة البقرة الآية 61). إياكم وسفاسف الأمور والتضييق على النفس وعلى الغير وإلا ضربت علينا الذلة والمسكنة حتى بدون فرعون يقهرنا، إذ أن فراعين النفس أشد وأنكى. إننا في حاجة لفتح جديد، فتح يخرجنا من ضيق نفسية مصرية ضيقة تجيد الخنق ولا تحب إلا خنّاقها. إننا في حاجة للإنتصار على فراعين النفس. وإلا تهنا تيهة لا آخر لها إلا بخروج أناس يستحقوا العيش في مصر – إن شاء الله – آمنين.ـ