Live from Cairoston

Posts tagged ‘فلسفة’

ماذا أفعل؟ تأملات حول مسلمات الإنسان

ماذا أفعل؟ سؤال يتكرر على لسان الإنسان عندما يواجه موقفا يجب حينها اتخاذ قرار والعمل بمقتضاه. ولكن هذا السؤال المألوف يخفي خلفه عده مسلمات قليلا ما نفكر فيها بسبب عمق جذورها في وجدان الإنسان.ـ

أولى هذه المسلمات هي “وجود الأنا” السائلة، فعندما يسأل المرء “ماذا أفعل؟” فهو يعبر أن هناك “أنا” عليها أن تفعل شيئا ما. وافتراض وجود “الأنا” رغم صعوبة البرهنة عليها منطقيا، من أعمق المسلمات الإنسانية، لدرجة أنها الشيء الوحيد الذي استطاع الفيلسوف الفرنسي ديكارت الإنطلاق منها عندما فكك وشكك في كل المسلمات الأخرى. تسائل ديكارت ما إذا كانت هناك روح تتعمد تضليله وخداع عقله وكل حواسه، فيكف له أن يعرف ما هو حق وما هو وهم، وفي النهاية شعر بأنه طالما هناك تفكير، فهناك ذات مفكرة، فقال مقولته الشهيرة “أفكر، إذا أكون” (أو كما درج عند العامة: أنا أفكر إذا أنا موجود). وقد أعترض نيتشه – وغيره – على هذه النتيجة العقلية التي “اكتشفها” ديكارت وفحوى اعتراضه أن الأنا أو الذات مجرد اختراع ذهني لا محل له في الواقع، وإنما هي من أوهام الإنسان الذي هو حالة وسطى بين الحيوان والعُلوان. وفي رأيي أن ما توصل إيه ديكارت يعبر عن حالة افتقار الإنسان لمسلمات يعتقدها ليبني عليها تفكيره ويفهم من خلالها العالم، وإن كانت هذه المسلمات غير منطقية بالضرورة. فالمنطق يسمح للإنسان بالتفرع المنهجي من أصول معلومة “بالضرورة” أو “بالاضطرار” وهي ليست أصول معلومة بالمنطق. فالأحرى بإنسان لا يعتقد بذاتيته ولا يؤمن بـها أن يلتزم الصمت وأن يستسلم لما حوله ليذوب فيها ويتحلل ليحل في محيطه دون حول منه ولا قوة. ولكن سؤال “ماذا أفعل؟” يلغي هذا الاحتمال، فهو سؤال ينم عن مؤشرات إرادة السائل الذي يعتقد في ذاتيه ويتعقد حول “الأنا” رافضا التحلل والحلول في محيطه.ـ

وثاني هذه المسلمات التي يكشفها سؤال “ماذا أفعل؟” هي “التخيير”، أي أن الإنسان مخيّر في أفعاله، وإلا لما سأل عما يفعل. فلو كان الإنسان مسيّرا، فالأحرى به أن يلتزم الصمت ويستسلم لما سيمليه عليه مسيّره. وعندما أتأمل هذا الجانب من السؤال، أتخيل احتمالية أن يكون الإنسان مسيّرا بالفعل وأن سؤاله “ماذا أفعل؟” هو في الأصل “ماذا سـأفعل؟” أي ما الفعل الذي سيسيّرني مسيّري للقيام به؟ والإنسان يتردد بين قطبي التخيير والتسيير حسب شعوره بامتلاك زمام الأمور. فالإنسان إذا ما كان قائما مؤثرا فيما حوله، قادرا على حفر إرادته في صخر الواقع مال في اتجاه “أنا فاعل”. أما إذا كان مهزوزا يؤثر فيه من قبل محيطه شاعرا أنه أداة حفر في صخر الواقع يمسكها يد فوق يده، فهنالك يميل في تجاه “أنا مفعول به”. فالأمل يجعل الإنسان يسلّم بفاعليته، واليأس يجعله يستسلم لمفعوليته، ولا مكان للمنطق في حسم هذا الأمر، وإنما هو من الأصول المعلومة بالضرورة (أو بالإضطرار) والتي يفرع المنطق منها.ـ

المسلمة الثالثة التي يكشفها سؤال “ماذا أفعل؟” هو “وجود الفاضل والمفضول”. فالأرجح أن السائل يلاحظ تعدد الخيارات المتاحة أمام ذاته المخيّرة وأنها لا تستوي من حيث الأفضلية. فهناك فعل أفضل من آخر وهو يبحث عن ذلك الفعل الأفضل. فلو كانت الخيارات كلها سواء، لما كان هناك محل للسؤال، بل إن القيام بأي فعل من الأفعال المتاحة يجدي ويكفي. ولكن توقف السائل وتردده دلالة على بحثه عن الفعل الأفضل. وهذا الأمر ينطبق كذلك على من يكون سؤاله “ماذا أفعل؟” سؤال من انقطعت عنه السبل وشعر أنه مكتف اليدين مسلوب الحيلة. فالسؤال عندئذ يفترض خيارين “أأستسلم أم أبحث عن مخرج” وهو في ذلك الحال يقر بوجود فاضل ومفضول.ـ

ويتفرع عن المسلمة الثالثة سالفة الذكر، شقيقتها الرابعة وهي “وجوب فعل الأفضل”. فالإنسان لا يفاضل بين الخيارات إلا إذا شعر بواجب تجاة فعل الأفضل. أي أن سؤال “ماذا أفعل؟” يشير إلى ميل طبيعي نحو فعل ما هو “أفضل” ويكون البحث عندئذ عن ماهية هذا الأفضل بين الخيارات المتاحة.ـ

وهذا يأتي بنا إلى المسلمة الخامسة وهي “العلاقة السببية بين الفعل والمآل”. فالإنسان إذا ما بحث عن الأفضل ليفعله، فذلك لقتاعة داخلية بأن الفعل مسبب للنتائج، فلا انقطاع بين الفعل المؤثر وبين الأثر. وإن كان هناك خلاف حول مدى تأثير فعل الإنسان في الواقع، وهل فعله هو السبب المباشر، أم أن فعله منفصل عن الأثر ويملئ ذلك الفراغ مشيئة علوية، إلا أنه رغم ذلك الخلاف، فالغالب أن الفريقين يقران – خالصة في حالة الإيمان بحياة أخرى – أن أفعال الإنسان في الدنيا لها دور في تحديد مآله في الآخرة، أي أنهم يقرون بوجود علاقة سببية بين الفعل والمآل وإن كانوا يرّحلون ذلك المآل إلى عالم آخر.ـ

فهذه خمس مسلمات يعتقدها الإنسان في معظم الأحيان وإن كان يتنكّر لبعضها أحيانا. فكلما صار الواقع في الإتجاه الذي يريده الإنسان شعر وتعقّد حول ذاتيته وتخييره وأنه يقوم بالأفضل كما ينبغي وأنه يكتب بأفعاله واقعه ومستقبله. أما إذا ما خالف الواقع ما يريده الإنسان، فهنالك يبدأ في التشكك في قدرته الفاعله فيظن أنه مسيّر مفعول به وأن معايير الأفضلية صارت فضفاضة مشكوك فيها فلا يمكن الجزم بأن هذا أفضل من ذاك أو أن هناك “أفضلية” أصلا، وبالتالي يرتفع عنه وجوب القيام بهذا العمل أو ذاك، ففي النهاية لا قدرة لنا على تحديد وجهة القدر، فما نحن إلا هباء تذروه الرياح، حتى يصل إلى ذروة هذا المنحنى من خلال تنكره لذاتيته وتحلله وحلوله في واقعه المحيط.ـ

والله أعلم

– يتبع –

Advertisements