Live from Cairoston

Posts tagged ‘alRawda’

الروضة المرضية – الفصل الأول: المروضون الثلاثة

أسرع يا أحمض! ستبدأ الخطبة!
انتبه أحمض وخرج من حالة التأمل، وبساقين دقيقتين ركض نحو المسجد، يتقافز مثل الجراد فوق شقوق الأرض الجرداء. فأحمض يعيش في أرض آل حميض، والفقر سمة المكان، حيث تنعدم أسباب حياة الإنسان. فآل حميض بشر ظلوا على قيد الحياة، برعاية وعناية من بيده الموت والحياة. هؤلاء أناس يفتقدون كل شيء، بل إنهم يفتقرون إلى الجلد اللازم لتغطية هياكلهم العظمية، فترى التشققات في أنحاء الأبدان، في حيلة يائسة للإكتفاء بالجلد الرمادي المتاح. بل إنني أعدك أنك إن عددت تلك الضلوع البارزة، لوجدتها ناقصة. إن هؤلاء قوم، إن أرادوا الموت يوما، ما وجدوه.
ولكن بؤس الحياة، لم تمنعهم من إقامة الصلاة
فدخل أحمض المسجد ليشهد صلاة الجمعة، فهم، رغم فقرهم، استطاعوا الحفاظ على سبعة أيام في الاسبوع، أهمها يوم الجمعة، حيث يجتمع الناس في مسجد الأرض لسماع خطبة الحاج عوض، ثم يصلون ويتزاورون.
والمسجد بلا جدران أو أبواب، وإنما مجرد خليط من جريد النخل وبقايا أشياء كل وظيفتها توفير بعض الظل، وتحديد المكان. وهذا المسجد على بساطته، واحة في وسط الرمضاء.
جلس الجميع وكأن على رؤوسهم الطير، وهذا طبعا مجاز، لأن أرض آل حميض لا توجد فيها طيور، بل إن الطيور تخيف أفراخها بهذا المكان لكي يتأدبوا في أعشاشهم فوق الأشجار الخضراء.
وقف الحاج عوض أمامهم يخطب فيهم بحماس ويذكرهم بيوم الدين، وعيون الجميع متعلقة به، إذ رفع يده الغليظة، ارتفعت الرؤوس والعيون الغائرة معها، وإذا اهتز جسده القوي ليؤكد كلمة، تراهم جميعا يهتزون بهياكلهم الضعيفة اهتزازا كأنهم شعلة شمعة، أو ريشة طير في مهب الريح. فالحاج عوض الحميضي زعيمهم، وكان يتفرد بينهم بالبسطة في العلم والجسم، والله يؤتي ملكه من يشاء.
أنهى الحاج خطبته ثم دعا وأمّ الناس في الصلاة، وعندما انتهى، جلس في مكانه، وأتاه الجميع فردا فردا يسلمون عليه، فيسأل عن أحوالهم ويطمئن عليهم، وجاء الأطفال بعد الكبار، يقبلون يده وينحنون برؤوسهم، ليمسح عليها بيده الغليظة الحانية.
يتكرر هذا المشهد كل أسبوع، إلا أن هذا اليوم كان غريبا عما سبق من أيام الجمعة. فوسط هؤلاء الجالسين، كان يجلس ثلاثة غرباء. والأمر لا يحتاج إلى خبير ليعرف أنهم غرباء، بل إن شذوذهم في وسط آل حميض لا تفسير له إلا أنهم غرباء. فأحجامهم، وثيابهم ولون بشرتهم ونضارتها، جعلتهم كلآلئ وردية منثورة وسط حبات الرمال الرمادية.
وجاء هؤلاء الغرباء الثلاثة ليسلموا على الحاج عوض كذلك، وقال كبيرهم “بارك الله فيك يا حاج، كانت خطبة وردية!”
رد الحاج ويده في يد أحدهم، “أهلا وسهلا بكم” وتفرس في تلك الوجوه الغريبة، ولكنه لم يستطع قرائتها، ولم يطمئن.

***

أقام الغرباء خيمتهم بجوار المسجد ووسط سائر الخيام، ونصبوا أمامها منضدة بسيطة، هي في أعين الحميضيين عظيمة، فكيف يجتمع كل هذا الخشب في مكان واحد؟! وكان الغرباء، بعد أن يصلوا صلاة الظهر في المسجد، ينشرون على هذه المنضدة أشياء عجيبة، فيوم ينشرون فوقها نعالا، ويوم آخر حلوى، وفي يوم ثالث ثيابا جديدة؛ لم تكن هذه الأشياء للبيع، وإنما للتوزيع على الحميضيين كهدايا بسيطة تعبر عن مشاعر الحب والتكافل. وفي اليوم الرابع لم يوزعوا شيئا ماديا، وإنما وزعوا ضحكات ودموع، فأقاموا فوق المنضدة مسرح للعرائس، وحكوا ملحمة شعرية مفعمة بمعاني النبل والفداء وإن لم تخل من نكات، فترى الحميضيين واقفين وأعينهم متعلقة بتلك العرائس، إذا ما تحركت تحركت أعينهم، وإذا ما ضحكت ضحكت أعينهم، وإذا ما استشهد البطل فاضت بالدموع.
وفي اليوم الخامس وزعوا على الناس أطباقا من حبات بيضاء ساخنة ملتصقة ببعضها، وعلموهم، “هذا اسمه أرز”.
أما في اليوم السادس، فلم يوزعوا شيئا، وحار الناس، ووقفوا أمام خيمتهم بعد صلاة الظهر ينظرون خروجهم، حتى خرج صغيرهم قائلا: “لقد ذهب صاحبي إلى الروضة، لإحضار هدايا الغد، فغدا يوم الجمعة! ولابد أن تليق الهدايا بأهم الأيام!”
وانصرف الناس من أمام خيمة الغرباء يتخيلون هذه الهدايا اللائقة بأهم الأيام. وسهر الحميضيون تلك الليلة، فإذا مررت على خيامهم، تراهم يتهامسون بينهم، يتنبأون بما سيوضع على المنضدة في الغد. والأطفال مستلقون على الأرض، يحلمون بتلك المنضدة، وكأنها مائدة من السماء.
وقام الحميضيون يوم الجمعة وتجمعوا أمام الخيمة، ولكن الغريبين لم يعودا بعد، ودخل وقت صلاة الجمعة، وخرج الحاج عوض من خيمته إلى المسجد مباشرة، وبدلا من أن يهرول الناس ليجلسوا أمامه كما هو المعتاد، صار كل حميضي يعقد مقارنة في ذهنه، “الخطبة… المنضدة… الحاج عوض… الغرباء… صلاة الجمعة دخلت بالفعل… الغرباء لم يأتوا بعد…” ثم يتوصل إلى أن الأصح هو أن يذهب إلى المسجد، فقد حان موعد الصلاة، أما موعد الهدايا فلهم يحن بعد.
ولاحظ الحاج عوض هذا التلكؤ في الحضور، والتردد البادي على وجوه الناس. وبدأ خطبته كما هو معتاد، ولكن الناس لم يستجيبوا كالمعتاد. العيون الغائرة لا تتعلق بالحاج، وإنما هي بارزة تتلفت حولها لترى إذا ما أتى الغرباء من بعيد. والآباء يمسكون بأطفالهم كي لا ينفلتوا من جنبهم، ويلفتون وجوههم تجاه الحاج لينتبهوا إلى كلامه، ولكن الأطفال مشغولون بكلام لا يسمع، وبنقاش مفرداته نظرات وحركات الشفاة الصامتة:
“أقول لك حلوى!”
“لا… لقد وزعوا حلوى من قبل! إنما سيوزعون عرائس!”
“ولما لا يوزعون حلوى مرة أخرى؟”
وفجاءة أنفلت طفل من جوار أبيه وقفز خارج المسجد، فقد رأى شيئا آت من بعيد، أيقن أنه الغريبان. وأحكم كل أب قبضته على أبناءه، فالتحرك أو الكلام أثناء الخطبة خطيئة، ورغم أنه لم يحدث من قبل، إلا أن القياس يقتضي أن الخروج أثناء الخطبة كبيرة من الكبائر!
كان الحاج يرى كل هذا وهو يخطب، وشعر وهو يقف أن سحبا داكنة قد تراكمت في السماء، يرى الناس فيها الغوث والنجاة، ويرى هو فيها الغرق والهلاك.
أوجز الحاج في خطبته. أوجز لا لفقر في الكلام، وإنما رأفة بالأطفال وبالآباء القابضين عليهم. ودعا ثم وقف وأمّ المصلين في ركعتين خفيفتين. وما أن سلم، إلا وكأن المسجد التي لم يكن له جدران قد انطلق منه أسراب الجراد الذي تقافز من أركانه إلى الخارج.
حاول الآباء أن يحكموا أولادهم ويلملموهم قبل الهروب، ولكن الأطفال انتهزوا الثواني القليلة بين انتهاء الصلاة وعودة قبضة الآباء ونجحوا في الفرار إلا قليلا منهم. وتجمع الآباء حول الحاج يسلمون عليه ويعتذرون له سوء خلق أبناءهم ويقسمون بأنهم سيؤدبونهم ما أن يخرجوا إليهم. ومن كان حظه أن يعود في قبضة أبيه بعد الصلاة، سيق ليقبّل يد الحاج وانحنى برأسه ليستقبل المسحة المباركة، ثم نظر إلى أبيه نظرة مفادها أنني قد استوفيت جميع الشروط فأطلقني! ثم ينفلت من القبضة ويلتفت ويقفز كجرادة جائعة لتلتحق ببقية الجراد المنتشر.
والحاج لا يعلق، وإنما يفكر في هذه البلية التي ابتلوا بها. ثم خرج الآباء وتجمعوا مع أبنائهم ينتظرون وينظرون، ماذا سيوزع الغرباء؟

***

لم يكن الحاج وحده الذي بدأ يقلق، فقد بدأ العديد من الرجال يشكون إليه مشكلات مع أولادهم وزوجاتهم، مشكلات أرجعوها إلى الغرباء وأعاجيبهم المتجددة. إن آل حميض على هُزالهم أهل كرم وجود، وأرض الحميضيين على فقرها، ترحب دوما بالمارين عليها، والغريب فيها قريب مادام بينهم، فلم يكن عجيبا أن يسع صدر الحاج للغرباء، وإنما العجب كل العجب أن يتصرف الغرباء على هذا النحو ويحدثوا مثل هذه المشكلات والقلاقل بينهم. واستشار الحاج أبناءه وبعض أصحابه، وأجمعوا على أن الأمر جد وما هو بالهزل، وأنه لابد من الاجتماع بالغرباء وحسم الأمر معهم.

***

أسرع يا أحمض! سيبدأ الاجتماع!
انتهى أحمض من إصلاح نعله الذي أهداه إليه الغرباء ولبسه في رجله وخرج يتقافز مع أخيه، ووصلا إلى المسجد مكان الاجتماع الكبير. فعادة آل حميض أن تناقش الأمور الهامة علانية أمام الجميع.
دخل أحمض فوجد الحاج عوض يهجم على الغرباء بسؤاله: “لماذا جئتم إلى أرضنا؟!”
رد كبيرهم في ثقة: “جئنا نخرجكم من خشونة الأرباض إلى وَرَادَة الرِياض، ومن وَضَاعَة الأرْيَضَة إلى رُقِي الريادة!”
حاول الحاج جاهدا إخفاء دهشته وحقيقة أنه لم يفهم كلمة واحدة مما قيل، فكرر هجومه بأسلوب آخر وسأل بصوت أعلى: “ماذا تريدون منا؟؟!!”
رد الغريب بنفس الثقة: “يا حاج، إننا لا نريد منكم شيئا، وإنما نريد لكم أشياء. نريد لكم الوَرَادِية في العيش وأن نُرَوِّض لكم هذه الأرض لتصبح رَوضة ترضيكم وترضينا وترضي ربنا!”
شعر الحاج كأن “الفهم” متحصن في قلعة منيعة لا تنهدم جدرانها، فقرر الاعتراف ضمنا بفشل هجومه وأن يطلب فتح الباب، فنظر إلى الغرباء وهز رأسه: “يا هذا، إنني لا أفهم هذا الكلام! لماذا جئتم إلى أرضنا؟؟”
رد الغريب: “نحن مُرَوِّضون، نُرَوِّض أرض الأرباض البائسة الحَميضة لتصبح رياضا بهيجة وحميدة.”
شعر الحاج هذه المرة بأنه رأى “الفهم” ولكن من بعيد، فانتهز هذا الإنجاز ورد حازما: “لا نحتاج إلى مزارعين ولا لفلاحين، فعيشتنا خشنة، وأرضنا حَميضة كما قلت، لا نزرعها، وإنما نرعى إبلنا إينما ظهر الكلأ، هذه حياتنا وعادتنا ونحمد على ذلك ربنا!”
رد الغريب مبتسما وبهدوء: “يا حاج عوض، لسنا مزارعين ولا فلاحين، وإنما مُرَوِّضون. لسنا هنا لنخدمكم أو لنزرع لكم أرضكم، وإنما نحن هنا لترويض الأرض وتحويلها إلى روضة.”
اعترض الحاج وأشاح بيده في عنف: “يا هذا! لا نحتاج إلى رياض! نحن بدو، الأرض تعجبنا كما هي، ونحن مستغنون عن خدماتكم!”
عاد الغريب بنفس الهدوء: “قلت لك يا حاج عوض إننا لسنا هنا لخدمتكم، نحن مروضون، نريد أن نحول هذا الأرض إلى روضة وأن نُوَرِّد لكم عيشكم”
تعصب الحاج ونظر إلى من حوله ثم خطا خطوة للأمام: “ألم تفهم كلامي؟ أقول لك بدو ولا نحتاج للفلاحة، فتقول رياض وورد؟!”
رد الغريب متعجبا: “يا حاج عوض، ألم تسمع عن الوَرَادَة من قبل؟” ثم التفت إلى الناس وسأل: “أليس بينكم فرد واحد مُتَوَرِّد لنكلمه فيفهمنا؟”
سكت الجميع فليس من بينهم مُتَوَرِّد، كما أنه لايجوز الكلام دون إذن الحاج. فأردف الغريب سائلا: “من منكم يستطيع القراءة والكتابة؟”
فلم ينطق أحد، ولكنه رأى في عيونهم وهزة رؤوسهم أنهم أميون إلا قليلا منهم. فتابع الـمُـرَوِّض: “نحن جئنا لنعلمكم القراءة والكتابة، وسنقيم بينكم لمدة شهر. من أراد أن يأتي ويتعلم فأهلا وسهلا، ومن لم يرد، فكما شاء.” ثم وجه كلامه إلى خصمه: “أيرضيك هذا يا حاج عوض، أم أن القراءة والكتابة ممنوعة عندكم؟”
ففرد الحاج قامته وقال بثقة: “عموما، أرضنا مفتوحة لكل ضيف وعابر سبيل، إن كنتم معلمين فأهلا وسهلا، فالعلم نور ونحن أمة ((إقرأ))، ولكن الترويض والوَرْد وهذا الكلام الفاضي لا نقبله، ولا نفهمه، ولا نريده!”
فابتسم المروض وختم الجلسة قائلا: “حسنا، نحن معلمون.”

***

عاد المرَوِّضون الثلاثة إلى خيمتهم، وما أن دخلوها إلا وهتف أصغرهم منفعلا: “إن هؤلاء الأرْياض يحتاجون إلى التَرْويض أكثر من الأرض، أرأيت جهلهم؟ إنهم لم يسمعوا عن الوَرَادَة من قبل! أرأيت خيبتهم؟”
رد كبيرهم وشرح كما يشرح الأب لإبنه: “أعلم ذلك، وقد شعرت أنه لا طائل من وراء الكلام مع ذلك الريِّض المدعو عوض، فهو إما غبي، وإما داهية يعلم أن لا مكان له في الروضة الجديدة، ويخشى من زوال زعامته. ولهذا رأيت أن نغير من مدخلنا ونوفر لهم فرصة لتعلم القراءة والكتابة، ثم نعرض الأمر عليهم مرة أخرى بعد ذلك. إنك يا صديقي سترى الكثير من أمثال الحاج عوض. أرْياض كَـبَّل الجهل إرادتهم إلى الأرض، فلا تصطدم معهم، وإنما حاول تحييدهم والوصول إلى الشباب والنشء، افتح عيونهم على ما يفتقدونه من وَرَادِية العيش ورِياضة العقول والنفوس، وعندئذ سيطالبون هم بتَرويض أرضهم لتتحول إلى رَوضة، وسيُرَوِّضون أهلهم ليصبحوا رَوْضيين مقبلين على الرياضة والوَرَادة.” ثم ختم كلامه بموعظة بليغة: “ولا تنسى أن الرفق ما دخل على شيء إلا زانه، وأن العنف ما دخل على شيء إلا شانه.”
هدئ أصغرهم، وأومأ برأسه موافقا ثم رفعها إلى أعلى ودعا: “اللهم اجعلنا هداة مهتدين، وروّادا مروِّضين، آمين”
وأمّن معه الباقون.